احتج الفقهاء الذين ذهبوا الى الرأي الثاني بما يأتي:
١ - ذكر الكاساني (^١) من فقهاء الحنفية ان: «فعل الغاصب - إذا غصب ثوبا فقطعه ولم يخطه أو صبغه احمر. في هذه المواضع وقع استهلاكا للمغصوب اما صورة ومعنى أو معنى لا صورة فيزول ملك المالك عنه وتبطل ولاية الاسترداد كما إذا استهلكه حقيقة ودلالة تحقق الاستهلاك ان المغصوب قد تبدل وصار شيئا آخر بتخليق الله تعالى لأنه لم تبق صورته ولا معناه الموضوع له في بعض المواضيع ولا اسمه وقيام الأعيان بقيام صورها ومعانيها المطلوبة منها. وفي بعضها ان بقيت الصورة فقد فات معناه الموضوع له المطلوب منه عادة فكان فعله استهلاكا للمغصوب صورة ومعنى أو معنى فيبطل حق الاسترداد إذ - الهالك لا يحتمل الرد كالهالك الحقيقي، ولأنه إذا حصل الاستهلاك يزول ملك المالك لأن الملك لا يبقى في الهالك فتنقطع ولاية الاسترداد ضرورة، ولأن الاستهلاك يوجب ضمان المثل أو القيمة للمالك لوقوعه اعتداء عليه أو إضرارا به وهذا يوجب زوال ملكه عن المغصوب وإذا زال ملك المالك بالضمان يثبت الملك للغاصب في المضمون لوجود سبب الثبوت في محل قابل وهو إثبات الملك على مال غير مملوك لأحد وبه تبين ان فعله الذي هو سبب لثبوت الملك مباح لا حظر فيه فجاز ان يثبت الملك به».
٢ - وذكر ابن رشد (^٢) هذا الرأي قائلا: «ان الوجه الثاني - أي
_________________
(١) البدائع/١٤٨:٧.
(٢) بداية المجتهد/ج ٣٢٠:٢.
[ ١٦٧ ]
إذا كان العمل في المغصوب بحيث ينتقل اسمه كالقمح يطحنه - فهو فوت يلزم الغاصب قيمة الشيء المغصوب يوم غصبه أو مثله فيما له مثل هذا تفصيل مذهب ابن القاسم وأشهب على خلافه». ثم احتج ابن رشد بقوله: «وقد روى عن ابن عباس ان الصبغ تفويت يلزم فيه القيمة».
وقد احتج هذا الفريق ايضا بأحاديث منها:
ما ذكره ابن المرتضى (^١) في البحر عن الإمام يحيى «ان الغاصب إذا جعل الدراهم سوارا ملكه، إذ زال اسمه ومعظم منافعه فاستهلكه كإحراقه لأمره ﵌ بصرف (شاة الأسارى (^٢) فاقتضى زوال الملك.».
هذه خلاصة ما اعتمده الفريق الثاني الذي ذهب الى ان تغيير ذات المغصوب بحيث يتبدل اسمه يعتبر استهلاكا فيتملكه الغاصب ويلزم بالضمان.
فقد ناقش هذا الرأي ابن حزم الظاهري وهو من أصحاب الاتجاه الأول الذين ذهبوا الى ان تغيير ذات المغصوب بحيث يتبدل اسمه لا يعتبر تفويتا ولا استهلاكا وانه لا حق للغاصب في تملك المغصوب.
قال ابن حزم (^٣): «انه إذا أخذنا بذلك الرأي فإنه يمكن ان يقال حينئذ لكل فاسق إذا أردت أخذ قمح يتيم أو جارك وأكل غنمه واستحلال ثيابه وقد امتنع من ان يبيعك شيئا. فاغصبها. واذبح غنمه واطبخها وأ غصب حنطته واطحنها وكل كلّ ذلك حلالا طيبا وليس عليك إلا قيمة ما أخذت.».
_________________
(١) البحر الزخار/١٨١:٤.
(٢) راجع الحديث ص ٢٣٩ وراجع الدراية في تخريج أحاديث الهداية/ص ٢٠٠ شهاب الدين العسقلاني.
(٣) المحلى/١٤٢:٧.
[ ١٦٨ ]
وهذا كما - يذكر ابن حزم - على خلاف القرآن ونهيه عن (أكل المال بالباطل (^١) وخلاف رسول الله ﵌ في قوله: «ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام» وانه ما يشك أحد ان كل دقيق طحن من حنطة إنسان فهو لصاحب الحنطة.
ثم قال ابن حزم: «أما الاحتجاج بأمر (القصعة المكسورة (^٢) فلا يصلح في المقام لما أورده في حينه.
وأما خبر «المرأة التي دعت رسول الله ﵌ الى طعام فأخبرته أنها أرادت ابتياع شاة فلم تجدها فأرسلت الى جارة لها ابعثي إلىّ الشاة التي لزوجك. إلخ الخبر (^٣)» فهذا حجة عليهم لا لهم إذ فيه: أنه ﵌ لم يبق ذلك اللحم في ملك التي أخذتها بغير اذن ربها وهم يقولون انه للغاصب حلال، وهذا الخبر فيه ايضا انه لم يأخذ رأيها في ذلك أي عند أمره ﵌ إطعامها الأسارى فصحّ إذن أنه ليس لها.
أما الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء (^٤) فقد علق على هذا الرأي الذي ذهب اليه الفريق الثاني وذلك عند تناوله شرح المادة (٨٩٩) من مجلة الأحكام بقوله:
«ان تبدل الاسم لا أثر له إنما المدار على انقلاب الذات أو تبدل الصفات فمن غصب حنطة فطحنها فان الدقيق وان اختلف مع الحنطة بالاسم إلا ان الحقيقة واحدة وأكثر الخواص فيهما متساوية والمرجع في أمثال ذلك الى زيادة القيمة ونقصها فان نقصت ردّ العين مع الأرش وان زادت أو ساوت أخذها
_________________
(١) سورة البقرة:١٨٨.
(٢) راجع ص ١٢٤ من الرسالة في تخريج الحديث.
(٣) راجع ص ٢٣٩ من الرسالة في تخريج الحديث.
(٤) تحرير المجلة ج ٣/باب الغصب.
[ ١٦٩ ]
بلا شيء كل ذلك لأن عينه موجودة وإنما تغيرت العوارض والصفات وتغير الاسم لا يوجب تغير الحقيقة.» وقد ناقش القول بصيرورة المغصوب ملكا للغاصب بتغييره الناصر والمؤيد بالله والامام يحيى من فقهاء المذهب الزيدي حيث ذهبوا (^١) الى أنه مهما كانت العين أو بعضها باقية وجب ردّها ولو تغيرت ووجهه ان الأصول تشهد ان صاحب الملك أولى بملكه والظواهر تنطق به.
كما أجيب عن الحديث بوجوه: منها ما ذكره المؤيد بالله في شرح التجريد ولفظه: هذه المسألة ليست بقوية في نفسي لأنها لا أصل لها إلا هذا الخبر وهو يحتمل ان يكون ﵌ ضمنهم إياها وأمرهم أن يطعموها الإسراء لغيبة صاحبها إذ في الخبر ما يدل على ذلك فخشي ان تفسد عليهم وللحاكم ان يبيع على الغائب ما يخشى فساده اهـ. ما في التجريد.
ومنها: أنه يلزم من ذلك أمور فاسدة لتأديته إلى إمكان التوصل إلى أكل أموال الناس بالباطل وان يكون ذريعة لأهل الظلم والفساد الى الوثوب على ما شاءوا من أموال العباد إذا الغاصب بتوصله الى العين وفعله فيها أي أنواع الاستهلاك تصير ملكا له وهو خلاف الأدلة كتابا وسنة. ثم احتج بالآية (^٢) والحديث (^٣).
ونحن مع هذا الرأي الأخير لموافقته للأصول ولشهادة الأدلة المعتبرة بجانبه.