فقد وقع خلاف بين الفقهاء في تحديد مفهومه وحقيقته ويمكننا هنا أن نلحظ رأيين:
١ - رأي يقول بأنه إثبات اليد المبطلة على العين.
٢ - ورأي يقول: هو إزالة يد المالك مع إثبات اليد المبطلة.
أما الرأي الأول:
فهو لفقهاء الشافعية والحنابلة والمالكية والجعفرية وجمهور الزيدية والظاهرية.
ونستعرض أقوالهم هنا لنتثبت من صحة نسبة هذا الرأي إليهم ففي المذهب الشافعي:
ذكر الغزالي (^١): «الدابة يكفي فيها الركوب، وفي الفراش الجلوس
_________________
(١) الوجيز/٢٠٦:١.
[ ٥٤ ]
عليه فهو غاية الاستيلاء».
وذكر الأنصاري (^١) ان «ركوب دابة غيره وجلوسه على فراشه من مصاديق الغصب وكذا إزعاجه من داره ودخوله لها بقصد استيلاء فان كان المالك فيها فغاصب لنصفها».
ومن النصين المتقدمين يتجلى لنا ان المقصود بالاستيلاء هو مجرد إثبات اليد ولذا فلو لم يتحقق وضع اليد فليس باستيلاء كما ذكر ذلك الشرقاوي (^٢) في حاشيته إذ جاء فيها: «لو منح المالك من سقي زرعه أو ماشيته حتى تلف فلا ضمان لانتفاء الاستيلاء عرفا سواء قصد منعه عنه أم لا».
وقد صرح الغزالي (^٣) بذلك أيضا إذ قال: «أما إثبات اليد فهو مضمن وإذا كان عدوانا فهو غصب وإثبات اليد في المنقول بالنقل إلا في الدابة والفراش».
أما في المذهب المالكي:
فيظهر ان الاستيلاء هو إثبات اليد فحسب.
فقد ذكر الدردير (^٤) ذلك بقوله: «المراد بالأخذ الاستيلاء عليه ولو لم يأخذه بالفعل فمن استولى على مال شخص بأن منع ربه ولو لم ينقله من موضعه فهو غاصب».
وذكر ايضا: «وكجاحد وديعة عنده من ربها ثم أقرّ بها أو قامت عليه بينة ثم هلكت ولو بسماوي» أي فهو غاصب.
_________________
(١) منهج الطلاب المطبوع بهامش فتح الوهاب/٢٣١:١.
(٢) حاشية الشر قاوي/١٤٧:٢.
(٣) الوجيز/٢٠٦:١.
(٤) الشرح الصغير/٨٥/ ٨٦:٤.
[ ٥٥ ]
وذكر ابن الحطاب (^١) في تعريفه للغصب «. وقيل وضع اليد العادية قهرا».
وجاء في الفروق (^٢): «أسباب الضمان ثلاثة فمتى وجد واحدا منها وجب الضمان. ثالثها: وضع اليد غير المؤتمنة فيندرج في غير المؤتمنة يد الغاصب».
وفي موضع آخر (^٣) محتجا بعدم ضمان الزوائد: «ولفظ صاحب الشرع اقتضى سببية وضع اليد ومفهومه ان غيره ليس بسبب فلا بدّ لسببيته من دليل.».
وظاهر هذه النصوص المتقدمة تفيد ان السيطرة المادية تعني وضع اليد أي إثباتها وهذا موافق لرأي الشافعية المتقدم.
أما في المذهب الحنبلي:
فإن الاستيلاء أو السيطرة المادية تعني إثبات اليد فقد جاء في الإقناع (^٤):
«ولا يحصل الغصب من غير استيلاء فلو دخل أرض إنسان أو داره صاحبها فيها أولا بإذنه أو بغير اذنه لم يضمنها بدخوله».
وفي غاية المنتهى (^٥): «واستيلاء كل شيء بحسبه فمن ركب دابة واقفه بلا اذن فغاصب ولو لم يسيرها».
ومن ذلك نفهم ان الاستيلاء هو إثبات اليد.
_________________
(١) مواهب الجليل/٢٧٤:٥.
(٢) الفروق/القرافي/٢٧:٤.
(٣) نفس المصدر/٢٩:٤.
(٤) الإقناع/الحجاوي/٣٣٨:٢.
(٥) غاية المنتهى في الجمع بين الإقناع والمنتهى/مرعي الكرمي/ج ٢/ص ٢٣٤ الغصب.
[ ٥٦ ]
وفي المذهب الجعفري:
ذكروا في تعريفاتهم للغصب أنه: «الاستقلال بإثبات اليد على مال الغير عدوانا (^١)».
وجاء في المسالك (^٢): «لا إشكال في تحقق الغصب مع الجلوس على البساط أو ركوب الدابة سواء قصده أم لا وسواء كان المالك حاضرا وأزعجه أم لا، لتحقق الاستيلاء عليه على وجه العدوان».
ومن ذلك يفهم ان السيطرة المادية أي ان الاستيلاء هو إثبات اليد.
وجاء في الروضة (^٣): «وحيث اعتبر في الضمان الاستقلال والاستيلاء فلو منعه من سكنى داره ولم يثبت المانع يده عليها أو منعه من إمساك دابته المرسلة فكذلك ليس بغاصب لهما».
وذكر السبزواري (^٤) ان: «المشهور أنه إذا تعدى على الغير من غير ان يستقل بيده على ماله لا يعد غاصبا وان كان آثما».
ووافق جمهور فقهاء الزيدية جمهور الفقهاء فيما ذهبوا إليه من أن الاستيلاء أو السيطرة المادية هو إثبات اليد.
جاء في التاج (^٥): «والاستيلاء: هو إثبات اليد على الشيء».
وقد ذكر ابن المرتضى (^٦) في البحر أن هذا هو رأي المؤيد ويحيى فبعد
_________________
(١) تذكرة الفقهاء/العلامة الحلي/٣٧٢:١٣ وكذا جاء في شرائع الإسلام/المحقق الحلي/ ج ٢ ص ١٥٠.
(٢) مسالك الافهام/الشهيد الثاني/ج ٢/الطبعة الحجرية.
(٣) الروضة البهية شرح اللمعة الدمشقية/الشهيد الثاني/١٩:٧.
(٤) كفاية الأحكام/ج ٢/طبع حجر/غير مرقم.
(٥) التاج المذهب لاحكام المذهب/العنسي/٣٤٣:٣.
(٦) البحر الزخار/١٧٦/ ١٧٧:٤.
[ ٥٧ ]
ان رمز إليهما قال: «ووضع اليد على المنقول الذي لا يد عليه كالصرة وركوبه والجلوس عليه غصب للاستيلاء».
وجاء في الروض النضير (^١): «استعمال عبد الغير وركوب دابته يدخل في الاستيلاء فيضمن لتحقق الغصب وكذا الجلوس على فراش الغير إذا كان لمثله اجرة».
ومن ذلك كله يفهم أن الاستيلاء أو السيطرة المادية يعني مجرد إثبات اليد.
أما الظاهرية: فقد نحوا هذا المنحى إذ ذكر ابن حزم (^٢) في تعريفه للغصب: «. فالأرض يصح أن تؤخذ بغير حق فصحّ انها تغصب».
وطبيعي أنه لا يتصور بطبيعة الحال في الأرض غير إثبات يد الغاصب عليها إذ لا يتحقق نقلها.
الرأي الثاني:
ان السيطرة المادية أو الاستيلاء يلزم أن يكون إزالة يد المالك وإثبات اليد الباطلة وإلا فتخلف أمر من هذين ليس بأخذ أي لا تتحقق السيطرة المادية التي يترتب عليها مع العدوان الغصبية.
وهذا هو رأي أبي حنيفة وأبي يوسف من المذهب الحنفي، والهادي وأبي طالب من الزيدية. ونورد نصوصا فقهية هنا لتأكيد هذا الاتجاه عندهم:
ذكر ابن غانم ان (^٣): «الجلوس على البساط ليس بتصرف فيه لأن الغصب إيقاع الفعل فيما يمكن نقله بغير إذن صاحبه على وجه يتعلق به الضمان أما من غير فعل في المحل فلا يصير غاصبا».
وذكر أيضا: «. ولو أبعد المالك عن المواشي لا يضمن ذكره في الهداية».
_________________
(١) الروض النضير/الصنعاني/٤٠١:٣.
(٢) المحلى/١٤٤:٨.
(٣) مجمع الضمانات/ص ١١٧/ ١٢٠.
[ ٥٨ ]
وجاء في تحفة الفقهاء (^١): «وان لم ينقل شيئا مما يحتمل النقل كما إذا جلس على بساط الغير لا يضمن».
والإزالة لا تتم إلا بفعل في العين وإلا فكف يد المالك ومنعه لا يعد إزالة.
ويظهر من هذين النصين ما قررناه ويتأكد ان إزالة يد المالك لا تكفي في تحقق السيطرة المادية بل لا بدّ من إثبات يد الغصب.
جاء في الاختيار (^٢): «لو منع رجلا من دخول داره أو لم يمكنه من أخذ ماله لا يكون غاصبا ولو منع المالك عن المواشي حتى ضاعت لا يضمن ولو نقلها عن موضعها يصير غاصبا».
وذكر السمرقندي (^٣): «ان من سكن دار غيره بغير إذنه وأخرج صاحبها عنها لو كان فيها أو زرع أرض غيره بغير إذنه يكون غصبا موجبا للردّ ولا يكون موجبا للضمان عند أبي حنيفة وأبي يوسف».
وإنّما كان ذلك غصبا موجبا للرد وليس موجبا للضمان لأنّه كما يظهر وان حصل إثبات اليد إلا ان الإزالة التي هي فعل في العين كما يرون لم تتحقق لعدم إمكان ذلك في العقار على رأيهم.
وقد وافق الهادي وأبو طالب هذا الرأي لأبي حنيفة وأبي يوسف كما نقل ذلك عنهما ابن المرتضى (^٤) فقد ذكر في البحر بعد ان رمز إليهما:
«ووضع اليد على المنقول وركوبه والجلوس عليه غصب للاستيلاء أما الهادي وأبو طالب فقالا: النقل شرط وإمساك المالك حتى أخذ متاعه لا يوجب الضمان».
_________________
(١) السمرقندي/١٢٦:٣.
(٢) الاختيار لتعليل المختار/عبد الله الموصلي/٥٨:٣.
(٣) تحفة الفقهاء/١٢٦:٣.
(٤) البحر الزخار/١٧٦/ ١٧٧:٤.
[ ٥٩ ]
وهكذا نخلص الى ان العنصر المادي عند هذا الفريق من الفقهاء إنما هو عملية مزدوجة فهو إزالة يد مالكه بفعل في العين وإثبات يد أجنبية معتدية.
والملاحظ هنا ان القانون الروماني (^١) يظهر فيه هذا الاتجاه إذ ورد في تعريف الغصب «انتزاع مال مملوك للغير بالقوة» والانتزاع يفيد الإزالة على معنى انه لا يمكن تحقق الغصب إلا بإزالة يد المالك عن ملكه والإزالة والانتزاع تفيد النقل.
والملاحظ هنا ايضا ان القانون المدني العراقي اختار القول الأول وهو ان العنصر المادي إنما هو إثبات اليد.
جاء في النشرة القضائية (^٢): «والغصب كما عرفه الفقهاء: إثبات أحد يده على ملك الغير بدون إذنه».