فقد وافق جمهور الفقهاء في القول بصحة غصب العقار كما ذكر ذلك ابن حزم (^٢) بقوله: «ان الغصب هو أخذ الشيء ظلما وقد روينا من طريق البخاري حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا عبد الله بن المبارك حدثنا موسى بن عقبة عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: قال رسول الله ﵌:
«من أخذ من الأرض شبرا بغير حقه خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين.
فصحّ ان الأرض تؤخذ بغير حق فصحّ انها تغصب».
وهكذا نخلص الى ما قدمناه من وجود اتجاهين في مسألة غصب العقار وقد انبنى هذا على الأصل المختلف فيه وهو حد الغصب وقد حققنا في حينه مع أي أصل نتجه والى أي رأي نميل.
ولكن لما كانت هذه المسألة بدرجة من الأهمية لذا نفضل ان نفرد لها تقريرا مرجحين بالأدلة أحد الرأيين.
نحن نميل الى ترشيح الرأي الثاني القائل بصحة غصب العقار وضمانه بالغصب وذلك للأدلة التالية:
١ - ان القول بصحة غصب العقار مبني على حد الغصب وعناصره وقد
_________________
(١) مجمع الضمانات/ص ١١٧.
(٢) المحلى/ابن حزم/١٤٤:٨.
[ ٤٥ ]
حققنا في حينه الرأي المختار وقلنا اننا نجد ان لا مشاحنة لنا في الأخذ برأي الجمهور في ان الاستيلاء هو إثبات اليد وهو يتحقق في العقار كما لا يخفى.
وإلا «فمن الذي اشتراط النقل والتحويل في حقيقة الغصب وهل هو إلا الاستيلاء أو أخذ مال الغير بدون اذنه وأي أخذ أقوى من الاستيلاء على أرض الغير ومنع المالك من التصرف فيها (^١).» ثم ما هو وجه استثناء عقار الوقف وعقار اليتيم والمعدّ للاستغلال من غصب العقار فان كان العقار لا يغصب فهو لا يغصب مطلقا وعموما واستثناء الموارد المذكورة بلا دليل شرعي مشعر بتزحزح أصحاب هذا الرأي.
٢ - تظافرت الروايات واستفاضت حتى بلغت حد التواتر في موضوع غصب الأرض والتشدد في حرمة الاعتداء عليها ومنع الغاصب من التصرف فيها.
ولسان الروايات وإن وردت بألفاظ مختلفة إلا أنها كلها تؤكد معنى واحدا وهو «أخذ الأرض» وغصبها وقد احتج بها الجمهور على القول بغصب العقار. بل واحتج بها ممن قال بالرأي الأول في حرمة الغصب كما ذكر ذلك صاحب روضة القضاة (^٢). وروى عن الرسول ﵌: «من غصب شبرا من الأرض طوقه الله من سبع أرضين».
ونورد هنا هذه الأحاديث وسنجد بعضها يصرح بكلمة الغصب وكما ذكرنا ذلك قبل أسطر.
_________________
(١) تحرير المجلة/ج ٣/باب الغصب.
(٢) روضة القضاة/السمناني/مخطوط /تحقيق الدكتور الناهي.
[ ٤٦ ]
١ - عن رسول الله (^١) ﵌ قال: «من اقتطع شبرا من الأرض طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع أرضين» وورد بلفظ آخر:
٢ - «من أخذ أرضا بغير حقها كلف ان يحمل ترابها الى المحشر» وورد بلفظ آخر:
٣ - «من غصب شبرا من الأرض طوقه من سبع أرضين يوم القيامة».
وهكذا نجد ان هذه الأحاديث وما في معناها. كلها تؤكد ان الأرض تؤخذ وليس الأخذ إلا الاستيلاء عليها كما هو واضح.
وقد اتجه القانون المدني العراقي الجديد نفس الاتجاه الثاني في الفقه الإسلامي أي رأي جمهور الفقهاء فقرر أن العقار يصح غصبه وأن غاصبه يضمن بتلفه أو إتلافه.
_________________
(١) أخرجها مسلم في صحيحة ٥٨:٥، عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وأخرجه عن طريق أبي هريرة وعن محمد بن إبراهيم ان أبا سلمة حدثه وكان بينه وبين قومه خصومة في أرض وانه دخل على عائشة فذكر ذلك لها فقالت يا أبا سلمة: اجتنب الأرض فإن رسول الله (ص) قال «من ظلم. الحديث» وفي الفتح الرباني في ترتيب مسند ابن حنبل ١٤٤:١٥ أخرجه عن ابن عمرو عن يعلى بن مرة الثقفي وعن أبي سلمة من حديث عائشة أيضا وعن أبي مالك الأشجعي قال: قال رسول الله (ص): «أعظم الغلول - الخيانة - عند الله ﷿ يوم القيامة ذراع من أرض يكون بين الرجلين أو بين الشريكين فيقتسمان فيسرق أحدهما من صاحبه ذراعا من أرض فيطوقه من سبع أرضين». وأخرجها الشوكاني في نيل الأوطار ٣٥٦:٥ بعدة طرق منها طريق عائشة وسعيد بن زيد وابن عمر. وراجع أيضا: مجمع الزوائد ١٧٤/ ١٧٥:٤. وكذلك سنن البيهقي ٩٨:٦. وكذلك: مستدرك الوسائل ١٤٦:٣. وكذلك الإمام في أحاديث الأحكام/ابن دقيق العيد/ص ٥٠، وسبل السلام ص ٧٠.
[ ٤٧ ]
(فنصت المادة «١٩٧» من القانون المدني على ما يلي:
المغصوب ان كان عقارا يلزم الغاصب ردّه الى صاحبه من أجر مثله وإذا تلف العقار أو طرأ على قيمته نقص ولو بدون تعد من الغصب لزمه الضمان (^١).
ويستفاد من هذا النص كما يقرر سليمان مرقص (^٢) ما يلي:
١ - إلزام الغاصب برد العقار المغصوب عينا.
٢ - إلزامه بأداء أجر مثله وذلك تعويضا عن منافع العقار التي مرت في مدة الغصب.
٣ - إلزامه بتعويض التلف أو الهلاك ولو حدث دون تعد منه وهذا هو ضمان الغصب ويختلف عن ضمان الإتلاف في أن الأخير لا يتحقق إلا بالتعدي.
وقد قضت محكمة تمييز العراق - كما ينقل ذلك المؤلف - بأن غصب العقار العائد للغير بدون حق قانوني وحرمان مالكه الانتفاع به يستوجب التعويض ولو لم يستعمل الغاصب العقار لمنفعته).
أما مجلة الأحكام العدلية فقد اتجهت الاتجاه الأول فوافقت رأي أبي حنيفة وأبي يوسف - في قول له - فنصت المادة (٩٠٥) «المغصوب إن كان عقارا يلزم الغاصب ردّه الى صاحبه بدون تغييره وتنقيصه وإذا طرأ على قيمة ذلك العقار نقصان بصنع الغاصب وفعله يضمن نقصان قيمته» (^٣).