ثم ان مقتضى الرد فورا قد يستوجب إلحاق ضرر بالغاصب كأن غصب ساجة فبنى عليها فإنه مطالب بالرد وهو يستلزم نقض البناء وفي هذا ضرر على الغاصب كما لا يخفى ولكنه لا بدّ منه لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب على ما تقرر في علم الأصول (^١).
ونستعرض هنا كلمات الفقهاء بهذا الخصوص لنتبين ذلك:
ففي المذهب الحنفي:
«لو زرع الغاصب الأرض المغصوبة واقترب زرعها من الإدراك فلا يلزم المغصوب منه الانتظار الى وقت الإدراك ويجبر الغاصب على قلع زرعه في الحال وردّ الأرض المغصوبة إلى المغصوب منه (^٢)».
وجاء ايضا (^٣): «ولو غصب ساجة وبنى فيها لا ينقطع حق المالك وكان له ان يأخذها».
وفي المذهب المالكي:
ذكر ابن جزي (^٤) ان «من غصب سارية أو خشبة فبنى عليها فلربما أخذها وان هدم البنيان».
وذكر سحنون: «قلت أرأيت ان اغتصب رجل من رجل خشبة فجعلها في بنيانه. قال: بلغني ان مالكا قال يأخذها من ربها ويهدم بنيانه.
قلت: والحجر الذي أدخله في بنيانه؟ قال: هو بمنزلة الخشبة كذلك (قال مالك) يأخذ ربه (^٥).» وفي المذهب الشافعي:
ذكر الشيرازي:
«وان غصب فصيلا فأدخله الى داره فكبر ولم يخرج من الباب نقض لرد
_________________
(١) راجع العقل عند الشيعة الإمامية/الدكتور عليان/ص ٣٠١/ ٣٤٨.
(٢) دور الحكام شرح مجلة الأحكام/علي حيدر/ص ١١٧٧.
(٣) الفتاوى الهندية/١١١:٥.
(٤) القوانين/ص ٢٨٣.
(٥) المدونة/٧٠/ ٧١:١٤.
[ ١٠٨ ]
الفصيل كما ينقض البناء لرد الساج (^١)».
وذكر البهوتي (^٢) من فقهاء المذهب الحنبلي: «وان غصب انسان فصيلا أو مهرا ونحوه فأدخله داره فكبر وتعذر خروجه بدون نقض الباب أو غصب خشبة وأدخلها داره ثم بنى الباب ضيقا بحيث لا تخرج الخشبة إلا بنقضه وجب نقضه أي الباب الضرورة وجوب الرد ورد الفصيل والخشبة لربها ولا شيء على ربها لأن المتعدي أولى بالضرر».
ومن فقهاء المذهب الجعفري ذكر المحقق الحلي (^٣): «يجب رد المغصوب ما دام باقيا ولو تعسر كالخشبة تستدخل في البناء.».
وجاء ايضا: فلو غصب خشبة وأدرجها في بنائه أو بنى عليها كان على الغاصب إخراجها وردها للمالك ان طلبها عندنا لقوله ﵌: «على اليد ما أخذت حتى تؤدي» ولاستصحاب بقاء الملك (^٤).
وفي المذهب الزيدي ذكر العنسي (^٥) انه: «إذا كانت العين المغصوبة في جدار للغاصب لزمه هدمه وكذلك إذا كانت في زجاجة له ولم يمكن استخراجها إلا بكسرها أو ابتلعتها بهيمة له أو لغيره يجوز ذبحها وجب شراؤها بما لا يجحف إن أمكن ووجب ايضا ان يهدم وان يكسر ويذبح للرد.»
_________________
(١) المهذب/الشيرازي/٣٨٠:١، وراجع حاشية البجيرمي ١١٢:٣ وكذلك الوجيز/الغزالي/١٣٨:١.
(٢) كشاف القناع،٨٣:٤ وكذلك جاء في القواعد والفوائد الأصولية/ابن اللحام/ ص ١٠٤ وكذا في منتهى الإرادات/لابن النجار/٥٠٩:١.
(٣) شرائع الإسلام ١٥٢:٢.
(٤) كفاية الأحكام/السبزواري/ج ٢/طبع حجر/غير مرقم وكذا راجع فقه الامام الصادق (ع) محمد جواد مغنية/ج ٣ ص ١٦.
(٥) التاج المذهب لأحكام المذهب،٣٥١:٣ وكذا ذكر ابن المرتضى في البحر الزخار ١٨٢:٤.
[ ١٠٩ ]
ويستثني من وجوب الرد على الفور في حالة ما إذا خيف هلاك نفس محترم فإنه يؤخر في هذه الحالة ريثما يؤمن الخوف ويظهر واضحا عند استعراضنا لكلمات الفقهاء بهذا الخصوص اتفاقهم على ذلك.
ففي المذهب الحنفي:
جاء: «لو غصب الغاصب دابة وفرّ بها فلحقه المغصوب منه في المفازة فليس له أن يستردها في الحال بل له أن يؤجرها منه لحين الوصول إلى مأمن».
وجاء أيضا: «ولو غصب لوحا فأدخله سفينة أو إبريسما وخاط به بطن نفسه أو عبده ينقطع حق المالك» (^١).
في المذهب الشافعي ذكر الغزالي (^٢): «وان أدرج - أي اللوح - في سفينة لم ينزع إن كان في النزع إهلاك الغاصب أو إهلاك حيوان محترم أو إهلاك مال لغيره ولكن يغرم القيمة في الحال للحيلولة الى أن يتيسر الفصل وإن لم يكن فيه إلا مال الغاصب ففي جواز النزع وجهان. وكذا لو غصب خيطا وخاط به جرح آدمي أو حيوان محترم غير مأكول وكان في نزعه خوف هلاك لم ينزع إذ يجوز الغصب بمثل هذا القدر ابتداء».
وقد فرق الشافعي (^٣) بين مسألة الخيط الذي خيط به جرح محترم إذ لم ير نزعه بل يضمن القيمة مطلقا وبين اللوح في السفينة والبناء إذ رأى نزعه ولكن لا على الفور واستدل بقوله: «إن هدم الجدار وقلع اللوح من السفينة
_________________
(١) الفتاوى الهندية/ج ٥ ص ١٢١/الباب السابع/الباب الثاني/ص ١١١. راجع أيضا مجمع الضمانات/لابن غانم/ص ١٢١.
(٢) الوجيز/١٣٨:١، وراجع المهذب/الشيرازي/٣٧٩/ ٣٨٠:١ وكذلك نهاية المحتاج/الرملي/١٨٧/ ١٨٨/٥، حاشية الشرقاوي/١٥٣:٢.
(٣) الأم/الشافعي/٢٢٧/ ٢٢٨:٣.
[ ١١٠ ]
ليس بمحرم على صاحبها لأنه ليس في شيء منها روح تتلف ولا تألم فلما كان مباحا لمالكها كان مباحا لرب الحق أن يأخذ حقه».
وفي المذهب الحنبلي:
جاء في المقنع (^١): «وإن غصب لوحا فرفع به سفينة لم يقلع حتى ترسي وإن غصب خيطا فخاط به جرح حيوان وخيف من قلعه فعليه قيمته إلا أن يكون الحيوان مأكولا للغاصب فهل يلزمه ردّه ويذبح الحيوان؟ على وجهين وإن مات الحيوان لزمه رده إلا أن يكون آدميا».
وذكر أبو البركات (^٢): «وإن رفع بها سفينته لم تقلع وهي في اللجة وقيل تقلع إذا لم يكن فيها حيوان محترم ولا مال للغير».
وفي المذهب الجعفري:
ذكر الشيخ الطوسي (^٣): «وإن كان لوحا وأدخله في سفينته نظرت:
فإن كانت في البر أو في البحر بقرب البر فالحكم فيه كالساجة في البناء.
وإن كانت السفينة في لجة البحر نظرت فإن اللوح في أعلاها أو في موضع لا يخشى عليها الغرق بقلعه قلع ورد وإن كانت في موضع متى قلع اللوح غرقت السفينة نظرت فإن كان فيها حيوان له حرمة أو كان هو فيها لم يقلع».
وجاء أيضا (^٤): «ويستخرج اللوح المغصوب من السفينة وإن أدى الى
_________________
(١) المقنع/ابن قدامة/٢٣٥:٢ وراجع منتهى الإرادات/لابن النجار/٥٠١:١.
(٢) المحرر في الفقه/ص ٣٦١ وكذا في القواعد والفوائد الأصولية/لابن اللحام/ص ١٠٣.
(٣) المبسوط /٨٦:٣ وكذا في مسالك الافهام/الشهيد الثاني/ج ٢/طبع حجر/ غير مرقم.
(٤) فقه الإمام الصادق/محمد جواد مغنية/ج ٣ ص ١٦ وراجع الشرائع/المحقق الحلي/ ١٥٢:٣ وكذلك الروضة البهية شرح اللمعة الدمشقية/الشهيد الثاني/٣٦:٧.
[ ١١١ ]
تلفها إلا أن يستلزم إخراجه هلاك نفس أو مال لغير الغاصب لأن الرد الى المالك واجب على الفور وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب».