ذكرنا ان أصحاب هذا الاتجاه هم أبو حنيفة وأبو يوسف من فقهاء المذهب الحنفي والهادي وأبو طالب من فقهاء المذهب الزيدي وبعض فقهاء الحنابلة وللتأكد من ذلك نورد ما جاء عنهم:
فقد ذكر ابن غانم (^١): «ان العقار لا يتحقق فيه الغصب عند الشيخين خلافا لمحمد فإذا غصب عقارا فهلك في يده بأن انهدم بآفة سماوية أو جاء سيل فذهب بالبناء أو أشجاره أو غلب السيل على أرض فبقيت تحت الماء لا يضمن عندهما».
وقد علّل الكاساني (^٢) هذا الرأي بعد ان أورده بقوله: «وأما أبو حنيفة وأبو يوسف فمرّا على أصلهما ان الغصب ازالة يد المالك على ماله بفعل في المال، ولم يوجد في العقار».
والدليل على ان هذا شرط تحقق الغصب الاستدلال بضمان الغصب فإن أخذ الضمان من الغاصب تفويت يده عنه بفعل في الضمان فيستدعي وجود مثله منه في المغصوب ليكون اعتداء بالمثل.
وعلى انهما ان سلّما تحقق الغصب في العقار فالأصل في الغصب ان لا يكون سببا لوجوب الضمان لأن أخذ الضمان من الغاصب إتلاف ماله عليه، ألا ترى
_________________
(١) مجمع الضمانات: ص ١٢٦.
(٢) بدائع الصنائع:١٤٦:٧.
[ ٣٨ ]
أنه تزول يده وملكه عن الضمان فيستدعي وجود الإتلاف منه اما حقيقة أو تقديرا إلا أن الله ﷾ لم يشرع الاعتداء إلا بالمثل، قال: تعالى «فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ».
ولم يوجد ههنا الإتلاف من الغاصب لا حقيقة ولا تقديرا.
إما الحقيقة فظاهرة، وأما التقدير فلأن ذلك بالنقل والتحويل والتغيب عن المالك على وجه لا يقف على مكانه ولهذا لو حبس رجلا حتى ضاعت مواشيه وفسد زرعه لا ضمان عليه والعقار لا يحتمل النقل والتحويل فلم يوجد الإتلاف حقيقة وتقديرا فينتفي الضمان لضرورة النص.
أما ابن غانم (^١) فعلّل قوله: «لأن يد المالك لا تزول إلا بإخراجه وهو فعل فيه لا في العقار».
وجاء في الهداية (^٢): «والغصب فيما ينقل ويحول لأن الغصب بحقيقته يتحقق فيه دون غيره لأن إزالة اليد بالنقل وإذا غصب عقارا فهلك في يده لم يضمنه».
ويظهر من بعض النصوص الواردة في المقام ان لأبي يوسف قولين:
الأول: يوافق فيه أبا حنيفة من ان العقار لا يضمن بالغصب.
والثاني: يخالفه ويتفق فيه مع محمد.
فقد ذكر الطحاوي في مختصره (^٣): «ان أبا حنيفة كان مذهبه أن
_________________
(١) مجمع الضمانات: ص ١١٧.
(٢) الهداية شرح البداية/المرغيناني/١٢٠:٤ وكذا جاء في الجوهرة النيرة لمختصر القدوري /٣٤٠:١. وفي جامع الفصولين/٩٢:٢.
(٣) مختصر الطحاوي ص ١١٨ وكذا جاء في روضة القضاة: ولا يجب ضمان ما لا ينقل ويحول من الأعيان كالعقار عند أبي حنيفة وأبي يوسف وروى أبو يوسف أنه يجب الضمان /مخطوط /تحقيق الناهي.
[ ٣٩ ]
الدور لا تغصب وأما أبا يوسف ومحمد فكانا يجعلانها مضمونة ويوجبان على ضامنها قيمة ما حدث فيها وبه نأخذ».
وجاء في النتف (^١): «وإذا غصب الرجل من الرجل دارا أو كرما أو حائطا أو أرضا وحال بينه وبين ذلك ثم هلك أو نقص في يدي الغاصب فلا ضمان عليه في قول أبي حنيفة لأنه لا يرى الغصب في العقار وفي قول أبي يوسف ومحمد: عليه ضمان ذلك كسائر الغصوب في المنقولات».
وقد وافق بعض فقهاء المذهب الحنبلي هذا الرأي كما نقل ذلك المرداوي (^٢) فقد ذكر: «. وعنه ما يدل على ان العقار لا يضمن بالغصب نقله ابن منصور. وقيل يعتبر في غصب ما ينقل، نقله وجزم به في التلخيص إلا ما استثناه منه. وفي الترغيب فقال: إلا في ركوبه دابة وجلوسه على فراش فإنه غاصب وأطلق الوجهين في الرعاية».
وجاء في المقنع (^٣): «وتضمن أم الولد والعقار بالغصب. وعنه ما يدل على ان العقار لا يضمن بالغصب».
والى هذا الرأي اتجه الهادي وأبو طالب:
فقد ذكر ابن المرتضى (^٤) هذا الرأي لهما بعد ان رمز إليهما:
«لا يضمن غير المنقول بالغصب لقوله ﵌: على اليد ما أخذت حتى ترد وهو غير مأخوذ».
وذكر في موضع آخر (^٥): «الهادي وأبو طالب: النقل شرط»
_________________
(١) النتف في الفتاوى/السعدي/مخطوط /تحقيق الدكتور الناهي.
(٢) الإنصاف:١٢٣:٦.
(٣) المقنع/ابن قدامة/٢٣٢:٢.
(٤) البحر الزخار:١٧٦:٤.
(٥) نفس المصدر ص ١٧٧.
[ ٤٠ ]
وذكر العنسي (^١):
«لا يضمن الغاصب من غير المنقول كالعقارات إلا ما تلف تحت يده وان أثم وسمي غاصبا سواء كان المتلف هو أو غيره ما زال من يده ولم يتلف».
أما أصحاب الاتجاه الثاني وهم جمهور الفقهاء فإنهم يرون ان العقار يصح ان يغصب وانه يضمن بالغصب ويمثل هذا الاتجاه فقهاء الشافعية والمالكية والصحيح والأكثر في المذهب الحنبلي وهو رأي عموم فقهاء الجعفرية والظاهرية وجمهور فقهاء الزيدية والقول الثاني لأبي يوسف وهو رأي محمد من فقهاء الحنفية.
ذهب فقهاء المذهب الشافعي إلى صحة غصب العقار وأنه يضمن بالغصب وذلك بناء على ما أسسوه في حد الغصب وأنه إثبات اليد المعتدية.
ذكر الغزالي (^٢) ذلك بقوله: «وفي العقار يثبت الغصب بالدخول وإزعاج المالك».
وذكر الرملي (^٣): «وقهره على الدار أي منعه من التصرف فيها ولم يدخل فغاصب ولو لم يقصد الاستيلاء عليها وشمل كلامه ما في الدار من الأمتعة فيكون غاصبا لها ايضا وفي هذا إشارة الى ان المنقول لا يتوقف غصبه على نقله إذا كان تابعا وذهب إليه القاضي».
وذكر الأنصاري (^٤): «أن المالك ان كان فيها أو نحوه ولم يزعجه عنها فغاصب لنصف الدار».
_________________
(١) التاج الذهب لأحكام المذهب/٣٤٤:٣.
(٢) الوجيز ٢٠٦:١.
(٣) نهاية المحتاج/١٤٧:٥.
(٤) منهج الطلاب المطبوع بهامش فتح الوهاب،٢٣١:١.
[ ٤١ ]
وذكر الأردبيلي (^١): «لو أزعج المالك عن داره فهو غاصب وان لم يدخل وان دخل فلا يبرأ بالمفارقة».
أما فقهاء المذهب المالكي فقد قالوا بصحة غصب العقار وضمانه بالغصب وبنوا هذا على أصلهم في حد الغصب وأنه إثبات اليد المعتدية.
جاء في شرح التعريف وبيان المراد بالأخذ: «أن المراد بالأخذ الاستيلاء عليه ولو لم يأخذه بالفعل فمن استولى على مال شخص بأن منع ربه منه ولو لم ينقله على موضعه فهو غاصب (^٢)».
ويفهم من هذا النص صحة غصب العقار وهو يشير الى هذا المعنى بقوله «ولو لم يأخذه بالفعل».
ويؤكد المعنى بعدم اشتراطه النقل كما ذهب الى ذلك أصحاب الاتجاه الأول بقوله: «ولو لم ينقله».
وذكر ابن رشد (^٣): «وأما ما يجب فيه الضمان فهو كل مال أتلفت عينه أو تلفت عند الغاصب عينه بأمر من السماء. وذلك فيما ينقل ويحول باتفاق.
واختلفوا فيما لا ينقل ولا يحول مثل العقار فقال الجمهور انها تضمن بالغصب.
اعني انها انهدمت الدار ضمن قيمتها».
أما فقهاء المذهب الحنبلي فقد رأينا أن جماعة منهم اتجهوا الاتجاه الأول وقالوا بعدم صحة غصب العقار وأنه لا يضمن بالغصب ولكن الأكثرية ذهبوا الى القول بصحة غصب العقار موافقين في ذلك لجمهور الفقهاء بل ان هذا
_________________
(١) الأنوار لإعمال الأبرار ص ٣٥٣/ ٣٥٤.
(٢) الشرح الصغير/الدردير/٨٥:٤.
(٣) بداية المجتهد/٣١٦:٢ ط ٣.
[ ٤٢ ]
الاتجاه هو الصحيح في رأي فقهاء المذهب كما ذكر ذلك المرداوي قال (^١):
«ويضمن العقار بالغصب. هذا المذهب وعليه الأصحاب حتى ان القاضي وأكثر أصحابه لم يذكروا خلافا. لأن الغصب يحصل بمجرد الاستيلاء قهرا ظلما كما تقدم على الصحيح من المذهب وعليه أكثر الأصحاب».
وقد ذكر الدليل على هذا الرأي البهوتي (^٢) إذ قال: «ويضمن عقار بغصب لما روى سعيد بن زيد أن النبي ﵌ قال من اقتطع من الأرض شبرا ظلما طوقه الله يوم القيامة من سبع أرضين. متفق عليه».
ولأن ما يضمن بالإتلاف يجب أن يضمن في الغصب كالمنقول فيضمن الغاصب المعقار إذا تلف بغرق أو نحوه كسائر المغصوبات.
وفي المحرر (^٣) ذكر (أن الاستيلاء على مال الغير ظلما من عقار وأم ولد وغيرهما) هو حد الغصب.
وهذا يدل على صحة غصب العقار كما هو واضح.
أما في الفقه الجعفري فيكاد يكون الإجماع منعقدا على صحة غصب العقار وأنه يضمن بالغصب إذ لم أجد في حدود ما اطلعت مخالفا. وقد نقل الإجماع صاحب الجواهر (^٤) إذ قال: «لا اشكال عندنا في أنه يصح غصب العقار ويضمنه الغاصب بل الإجماع بقسميه عليه مضافا الى النصوص».
_________________
(١) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف/١٢٣:٦. وكذا جاء في منتهى الإرادات/لابن النجار ٥٠٨:١، وفي الروض المربع/العنقري ج ٢ ص ٣٥٢.
(٢) كشاف القناع ٧٧:٤.
(٣) المحرر في الفقه/لأبي البركات/ص ٣٦١.
(٤) جواهر الكلام شرح شرائع الإسلام/الشيخ محمد حسن النجفي/ج ٦.
[ ٤٣ ]
وذكر الشيخ الطوسي (^١) أيضا: «يصح غصب العقار ويضمن بالغصب».
وذكر المحقق الحلي (^٢): «ويصح غصب العقار ويضمنه الغاصب ويتحقق غصبه بإثبات اليد عليه مستقلا».
وقد ذكر ذلك أيضا الشهيد الثاني (^٣) ثم علق بقوله: «لأن المعتبر في الغصب الاستقلال بإثبات اليد والاستيلاء وتحققهما في العقار ممكن كغيره ومن ثم أمكن قبضه في البيع وغيره مما يعتبر فيه القبض وهو لا يتحقق بدون الاستقلال بإثبات اليد عليه فليكن هنا كذلك ولا فرق على تقديره بين أن يزعج المالك فيخرجه من الدار ويدخلها على هيئة من يقصد السكنى وبين أن يستولي عليها ويتسلم مفاتيحها وإن لم يدخلها أصلا لأن قبضها يحصل بذلك».
أما في الفقه الزيدي فقد توزع الفقهاء على الاتجاهين فذهب الهادي وأبو طالب الى عدم صحة غصب العقار وقد ذكرنا ذلك عند تناولنا لآراء أصحاب الاتجاه الأول.
أما رأي الفريق الآخر من فقهاء الزيدية فقد ذكره ابن المرتضى (^٤) قائلا:
«بل يضمن غير المنقول بالغصب لقوله ﵌: من غصب شبرا من الأرض.
ونحوه».
وذكر الصنعاني (^٥): «أنه ذهب الجمهور إلى أنها أي - الأرض - تضمن بالغصب قياسا على المنقول المتفق على أنه يضمن بعد النقل بجامع الاستيلاء
_________________
(١) المبسوط /٧٣:٣.
(٢) شرائع الإسلام/١٥٠:٢.
(٣) مسالك الافهام شرح شرائع الإسلام/ج ٢/طبعة حجرية غير مرقمة.
(٤) البحر الزخار/١٧٦:٤.
(٥) سبل السلام/٧٠:٣.
[ ٤٤ ]
الحاصل في نقل المنقول وفي ثبوت اليد على غير المنقول بل الحق أن ثبوت اليد استيلاء وإن لم ينقل».
أما رأي محمد بن الحسن الشيباني فقد ذكر ابن غانم (^١) من فقهاء الحنيفة:
«أن العقار لا يغصب عندهما أي عند أبي حنيفة وأبي يوسف - لعدم تحقق الإزالة بفعل فيه. خلافا لمحمد لتحقق مطلق الإزالة والإثبات فيه».