لقد ذكر الفقهاء كما لاحظنا في تعريفاتهم ان الاستيلاء أو الأخذ يلزم ان يقع على (مال الغير) أولا وهذا القيد مشعر ان ما ليس بمال لو استولى عليه أحد فليس بغاصب.
وهنا نبحث المراد بالمال في اصطلاح الفقهاء لأن ذلك سيلقي ضواء كبيرا على هذه النقطة من البحث.
فالمال في اللغة:
«المال في الأصل ما يملك من الذهب والفضة ثم أطلق على كل ما يملك من الأعيان وعند أهل البادية الأنعام وعند الفقهاء ما يجرى فيه البذل والمنع (^١)».
وفي اصطلاح الفقهاء:
في المذهب الشافعي: عرفه السيوطي (^٢): بقوله: «لا يقع اسم المال إلا على ماله قيمة يباع بها ويلزم متلفه».
وفي المذهب الحنفي: عرفه ابن عابدين (^٣) بقوله: «المراد بالمال ما يميل
_________________
(١) اللمع النواجم/الشويري ص ١٠٤٩ مادة (مول) وراجع لسان العرب ج ١١ ص ٦٣٥١.
(٢) الأشباه والنظائر/ص ١٩٧.
(٣) حاشية ابن عابدين ٤: ص ٣.
[ ٦٨ ]
اليه الطبع ويمكن إدخاره لوقت الحاجة وفي البحر: اسم لغير الآدمي خلق لصالح الآدمي وأمكن إحرازه والتصرف فيه على وجه الاختيار والعبد وان كان فيه معنى المالية لكنه ليس بمال حقيقة حتى لا يجوز قتله وإهلاكه».
وفي المذهب الجعفري: المال: ما يتمول به وليست له حقيقة شرعية بل مردّ تحديد المقصود به الى العرف فما اعتبره العرف مالا فهو كذلك.
والظاهر ان بعضهم عرفه بأنه ما يجري فيه البذل والمنع:
قال الشيخ محمد جواد مغنية (^١): «أما العين التي لا يجري فيها البذل والمنع كحبة الحنطة وحفنة التراب فلا تعدّ مالا».
وذكر الشيخ النراقي (^٢) ان معنى الملكية والمالية وما يراد فهما من الألفاظ معنى إضافي لا يتحقق إلا مع وجود مالك ومتمول وهذا المعنى الإضافي بحكم العرف والتبادر عبارة عن اختصاص خاص وربط مخصوص معهود بين المالك والمملوك والمتمول والمال موجب للاستبداد والاقتدار على التصرف فيه منفردا. فمعنى الملكية والمالية والملك والمال عرفي أو لغوي لا يتوقف معرفته على توقيف من الشرع بل يجب فيها الرجوع الى العرف.
وقد خلص الأستاذ الزرقاء (^٣) الى ان المالية ترتكز على أساسين هما العينية والعرف. والعينية يراد بها أن يكون المال شيئا ماديا ذا وجود خارجي والعرف أن يعتاد الناس كلهم أو بعضهم تموله وصيانته بحيث يجرى فيه بذلك ومنع فما لا يجري فيه ذلك بين الناس لا يعتبر مالا ولو كان عينا مادية كالإنسان الحر وكحبة القمح وحفنة التراب.
_________________
(١) فقه الإمام الصادق ٤.
(٢) عوائد الأيام/النراقي/ص ٥٧ طبع حجر/ إيران ١٢٦٦ هـ.
(٣) الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد/ج ٢ ص ٧٩/ ٨٠.
[ ٦٩ ]
وكذلك ما يعتاد الناس تموله وصيانته ويجري فيه البذل والمنع لكنه ليس عينا مادية فإنه لا يعتبر بنظرهم مالا بل قد يكون ملكا أو حقا كالمنافع والحقوق المحضة والديون.
وعليه فإن المال يمكن أن يعرّف بأنه: «هو كل عين ذات قيمة مادية بين الناس».
وقد شرح الأستاذ الزرقاء هذا التعريف قائلا: «فبالعين: خرجت المنافع والحقوق المحضة مما عدوه ملكا لا مالا وبالقيمة المادية خرجت الأعيان التي لا قيمة لها بين الناس كحبة القمح والجيفة إلخ».
ونحن نوافق الأستاذ الزرقاء على هذا التعريف لكونه مستنبطا من مجموع ما ذكره الفقهاء في تعريفاتهم (للمال) ولسلامته مما يرد عليه من نقض لأنه جامع مانع. فهو أوفق الى فنية التعريف.
سبق وأن ذكرنا في تعريفات الغصب ان أكثر الفقهاء ذهبوا الى أن الراجح في تعريفه: «الاستيلاء على حق الغير عدوانا».
وهذا هو التعريف الذي رشحناه أيضا. وعليه فإن من شروط المغصوب أن يكون حقا على رأي هذا الفريق من الفقهاء وهو في مرادهم أعم من المال لأنهم كما رأينا في مناقشاتهم لمن أورد لفظة (المال) في التعريف قالوا أنه غير جامع لأنه - أي التعريف - أخرج الاستيلاء على منفعة الغير أو اختصاصه وهو أي الاستيلاء على منفعة الغير أو اختصاصه غصب أيضا.
وهنا يحسن بنا أولا أن نتبين المقصود بالحق أولا ثم نرى ما يقصد به الفقهاء وما هو نطاقه عندهم؟ والظاهر أن إيراد الفقهاء لكلمة (الحق) في التعريف بدل المال مقصود لأنها في نظرهم أشمل وأعم وهذا من وجهة نظرهم يكسب التعريف شمولية
[ ٧٠ ]
والذي يهمنا هنا ونحن في صدد بيان شروط المغصوب أن نستوضح المقصود (بالحق) عندهم باعتباره محلا للغصب.
لقد رأينا أن المذهب الحنفي يقصر مدلول (المال) الذي ورد في تعريفات فقهائه على (العين) وعليه فإن الاستيلاء على حق الغير من منفعة واختصاص ليس بغصب لأنها لا تصح محلا للغصب كما ذكرنا.
بينما يذهب جمهور الفقهاء الى أن حق الغير من منفعة أو اختصاص يقع محلا للغصب.
فقد ذكر الرملي (^١) من الشافعية في توضيحه لقيود التعريف: «على حق الغير» ولو كلبا وخمرا محترمين وشمل الاختصاصات كحق متحجر ومن قعد بنحو مسجد لا يزعج عنه.
وذكر الدردير (^٢) من المالكية أن المتبادر من (المال) الذات فخرج به التعدي وهو الاستيلاء على المنفعة فقط كسكنى الدار.
وجاء في البهجة (^٣): «ثم أشار الناظم الى تعريف المتعدي مشبها له بالغاصب في الضمان فقال كالمتعدي وهو غاصب المنافع دون قصد تملك الرقبة كما مرّ في أول الفصل فإنه يضمن ما تعدى عليه ان هلك بغير سماوي».
ويظهر من ذلك ان المنفعة والاختصاص يصح غصبها.
وذكر ابن النجار (^٤) من الحنابلة في تعريفه قيد: «على حق غيره» وقد رجحه المرداوي (^٥) بعد ان ناقش من أورد المال في التعريف وإنما ذهب الى
_________________
(١) نهاية المحتاج/١٤٣:٥.
(٢) الشرح الصغير/٨٤/ ٨٥:٤.
(٣) البهجة شرح التحفة/النسولي/٣٥١:٢.
(٤) منتهى الإرادات/٥٠٨:١.
(٥) الإنصاف/١٢١/ ١٢٤:٦.
[ ٧١ ]
ذلك لأن إيراد (المال) في رأيه غير جامع «لعدم دخول غصب الكلب وخمر الذمي والمنافع والحقوق والاختصاص، قال الحارثي: وحقوق الولايات كمنصب الإمارة والقضاء» ومن هذا يتبين ان المراد بالحق أعم من المال وانه يشمل الحقوق العينية فإنها تقع محلا للغصب.
وقد ناقش الشهيد الثاني (^١) من فقهاء الجعفرية من أورد (المال) في التعريف قائلا: «ان التعريف مع إيراد المال لا يكون جامعا للأفراد كالتحجير وحق المسجد والمدرسة ونحوه مما لا يعد مالا فإن الغصب متحقق وكذا بالنسبة للحر الصغير. فلو أبدل المال بالحق لشمل جميع ذلك».
ويظهر إذن ان مدلول الحق أشمل وأعم. وانه يقع محلا للغصب.
أما الصنعاني (^٢) من فقهاء الزيدية فقد ذكر في تعريفه للغصب: «هو الاستيلاء على مال الغير أو حقه قال وتدخل في الحق المنافع كمنفعة الكلب والسرجين».
ومنه يظهر ان المراد بالحق غير المال أي مالا يعتبره الزيدية مالا وهو يشمل الحق العيني وحق الانتفاع.
أما الظاهرية فقد أطلق ابن حزم (^٣) في التعريف قائلا: «انه - أي الغصب - أخذ الشيء. وهو أعم من أن يكون مالا أو حقا وهذه النزعة لغوية».
وعليه فيظهر من كل ذلك ان الحق يقع محلا للغصب فما ليس بمال في مصطلح الفقهاء أي مالا يشمله المال اصطلاحا من حق أو منفعة أو اختصاص
_________________
(١) الروضة البهية شرح اللمعة الدمشقية/١٧/ ١٨:٧.
(٢) الروض النضير/٤٠١:٣.
(٣) المحلى/١٤٤:٨.
[ ٧٢ ]