لاحظنا في استعراضنا لتعريف الفقهاء للغصب إيرادهم «العدوان» قيدا في التعريف، وقد عبروا عنه بتعبيرات متقاربة:
فقال بعضهم: عدوانا، بالتصريح. وآخرون قالوا: بلا حق. وجماعة قالوا: بلا اذن من له الاذن.
وجماعة قالوا: على وجه الغلبة والتعدي. وجماعة قالوا: ظلما.
وكلها في الحقيقة ترمي الى هدف واحد ومعنى واحد هو (قصد العدوان).
وحتى نتأكد من صحة ذلك نورد ما ذكره فقهاء كل مذهب بهذا الخصوص.
ففي الفقه الحنفي:
_________________
(١) مدونة جوستنيان/ترجمة عبد العزيز فهمي/ص ٢٥٣.
(٢) النشرة القضائية/العدد الثالث/السنة الأولى/إصدار المكتب الفني بمحكمة تمييز العراق/ ١٩٧١ ص ١٣٠.
[ ٦٠ ]
نجد ان الكاساني (^١) قد عبر عن «قصد العدوان - بقوله في تعريف الغصب. على سبيل المجاهرة والمغالبة».
وعبر ابن غانم (^٢) عن ذلك بقوله: «بلا إذن من له الاذن».
أما السمرقندي (^٣) فقد ذكر في خزانته: «فأما إثبات اليد على مال الغير على وجه التعدي بدون إزالة اليد فيكون غصبا موجبا للردّ لا موجبا للضمان وهذا عندنا».
وقد أورد الموصلي هذا القيد في تعريفه للغصب بقوله: «. بطريق التعدي».
وقد ذكر ابن الهمام في تكملته قيدا في التعريف يعبر عن قصد العدوان بقوله: «. بغير إذن المالك (^٤). وذكر هذا القيد البابرتي (^٥) أيضا في تعريفه».
ومن هذه النصوص التي ذكرناها وأشرنا إلى بعضها يتبين لنا ان «العدوان» الذي ورد قيدا في التعريفات أساس فيها فهو العنصر الذي بدونه لا يتحقق الغصب حتى مع إزالة يد المالك وإثبات اليد الأخرى، بل يخرج الى عناوين أخرى كالوديعة والعارية والرهن وغيرها ولذا قال ابن غانم في سبب إيراده قيد «بلا إذن من له الاذن» قال: للاحتراز عن الوديعة. (^٦)
_________________
(١) بدائع الصنائع ج ٧ ص ١٤٣.
(٢) مجمع الضمانات ص ١١٧.
(٣) خزانة الفقه وعيون المسائل/لأبي الليث ج ١ ص ٣١٧ وكذا جاء في تحفة الفقهاء ج ٣ ص ١٢٦.
(٤) الاختيار لتعليل المختار/ج ٣ ص ٥٨.
(٥) تكملة فتح القدير ٣٦٠:٧.
(٦) شرح العناية على الهداية ٣٦١:٧ مطبوع بهامش الكتاب المذكور.
[ ٦١ ]
أما في المذهب الشافعي:
فقد أورد صاحب نهاية المحتاج (^١) في تعريفه للغصب كلمة «عدوانا» قيدا أساسيا في التعريف وقال في توضيح ذلك: «عدوانا» أي على وجه الظلم والتعدي فخرج به نحو مأخوذ بسوم وعارية وما كان أمانة شرعية.
وذكر الغزالي (^٢) «العدوان» في تعريفه واعتبره وإثبات اليد عنصرا للغصب إذ قال: «أما إثبات اليد فهو مضمن وإذا كان عدوانا فهو غصب، والمودع إذا جحد فهو من وقت الجحود غاصب».
والأردبيلي (^٣) ذكر «العدوان» صريحا في تعريفه.
وذكره الشرقاوي (^٤) في تعريفه الذي جاء فيه: «وقد يعرف - أي الغصب - باعتبار الضمان والإثم فيقال هو استيلاء على مال الغير عدوانا».
وقد عبّر أبو بكر البكري (^٥) عن قصد العدوان بقوله «بلا حق» وجاء في بيان هذا القيد وتوضيحه «. وخرج به العارية والسوم ونحوها فإن في ذلك استيلاء على حق الغير لكن بحق».
وعبّر أبو يحيى الأنصاري بنفس التعبير السابق كما جاء في منهجه (^٦).
والنصوص المتقدمة يفهم منها أن «العدوان» عنصر أساسي من عناصر الغصب بحيث لا يتم بدونه تحقق الغصب.
_________________
(١) نهاية المحتاج/١٤٣:٥/الرملي.
(٢) الوجيز ٢٠٦:١.
(٣) الأنوار ٣٥٣:١.
(٤) حاشية الشرقاوي على تحفة الطلاب شرح تنقيح اللباب ١٤٨:٢.
(٥) اعانة الطالبين ١٣٧:٣.
(٦) منهج الطلاب المطبوع بهامش فتح الوهاب ٢٣١:١.
[ ٦٢ ]
أما في المذهب الحنبلي:
فقد عبّر عن قصد العدوان في الإنصاف (^١) بقوله «بغير حق» كما أورده في التعريف وقد نقل آراء جماعة من فقهاء المذهب في تأكيد هذا المعنى.
وقد ذكر قيد «بغير حق» أيضا ابن النجار (^٢) عند تعريفه للغصب وكذلك جاء في المقنع (^٣) وفي غاية المنتهى (^٤) وفي العدة شرح العمدة (^٥).
أما في المحرر (^٦) فقد ذكر كلمة «ظلما» قيدا في التعريف تعبيرا عن قصد العدوان.
أما في الفواكه (^٧) فقد أضاف كلمة «بغير مسوغ» بعد إيراده كلمة «ظلما» في تعريفه للغصب. وهذا أدّق.
وهنا وان لم يصرح «بالعدوان» في حدود ما ذكرنا من كتب المذهب إلا أنه لا يفهم أن «قصد العدوان» عنصر من عناصر الغصب لا يمكن بدونه ان يكون الاستيلاء على الشيء غصبا.
أما في المذهب المالكي:
فقد أورد قيد «العدوان» في التعريف التسولي في بهجته (^٨) إذ قال:
أنّه - أي الغصب - «أخذ مال قهرا تعديا بلا حرابة».
_________________
(١) .١٢١:٦/المرداوي.
(٢) منتهى الإرادات ٥٠٨:١.
(٣) .٢٣٢:٢.
(٤) غاية المنتهى في الجمع بين الإقناع والمنتهى ٢ ص ٢٣٤ مرعى الكرمي.
(٥) ص ٢٧١/بهاء الدين المقدسي ط ٢.
(٦) المحرر في الفقه/لأبي البركات/ص ٣٦١.
(٧) الفواكه العديدة في المسائل المفيدة/أحمد بن محمد المنقور، ص ٢٤٧.
(٨) البهجة في شرح التحفة ٣٤٤:٢.
[ ٦٣ ]
وجاء في تحفة الحكام (^١): «قال القاضي عياض: أخذ المال قهرا بغير حق على ضروب عشرة حرابة وغيلة وغصب.» ثم قال: قال الشاطبي: «الغصب عند الفقهاء التعدي على الرقاب».
أما سيدي أحمد الدردير (^٢) فقد ذكر في تعريفه كلمة «قهرا تعديا» وجاء في توضيحها: وقوله: قهرا: خرج به الآخذ اختيارا كعارية وسلف وهبة ووديعة ونحوها ممن عنده بالاختيار، وقوله: تعديا أخرج به ما ذكر قهرا حيث أنكر أو ألد وهي عنده أو من غاصب ونحوه وأخرج به السرقة والاختلاس فان السارق حال الأخذ لم يكن معه قهر».
وجاء في المواهب (^٣): «أخذ المال قهرا تعديا بلا حرابة» هذا الرسم نحو رسم ابن الحاجب. وحدّه ابن عرفة بقوله: «أخذ المال غير منفعة ظلما قهرا لا بخوف قتال».
ومن كل ذلك يفهم ان «قصد العدوان» وارد في التعريف بالتصريح تارة وبالإشارة أخرى ويفهم على أساس ذلك ان إيراده بذلك المستوي دليل على انه عنصر الغصب.
أما في المذهب الجعفري: فقد ذكر المحقق الحلي (^٤) في الشرائع كلمة «عدوانا» في التعريف كقيد اساسي. أما العلامة الحلي (^٥) فقد أورد كلمة «على جهة التعدي» في تعريفه.
_________________
(١) توضيح الأحكام على تحفة الحكام ١٢٠:٣/التوزي الزبيدي.
(٢) الشرح الصغير ٨٤/ ٨٥:٤.
(٣) مواهب الجليل/للحطاب/٢٧٤:٥.
(٤) شرائع الإسلام ١٥٠:٢.
(٥) تذكرة الفقهاء:٣٧٢:١٣.
[ ٦٤ ]
وجاء في الجواهر (^١): واحترز «بالعدوان» عن إثبات يد المرتهن والولي والوكيل والمستأجر وغيرهم مما لا يكون عدوانا.
وذكر السبزواري (^٢) كلمة «بغير حق» في تعريفه ونقل قولا آخر في تعريف الغصب واثبت فيه كلمة «عدوانا».
وقد ذكر الشهيد الثاني (^٣) في المسالك كلمة «بغير الحق» في التعريف واعتبره الأجود وقد نقل القول في تعريفه بذكر العدوان.
وقد ذكر في الروضة (^٤) «عدوانا» في تعريفه وقال في توضيحه «وبالعدوان خرج إثبات المرتهن، والولي، والوكيل، والمستأجر، والمستعير أيديهم على مال الراهن والمولّى عليه والموكل أو المؤجر».
وذكر محمد حسين آل كاشف الغطاء (^٥): كلمة «عدوانا» في التعريف إذ قال «وبالمعنى الخاص - أي الغصب - وهو المحرم عقلا وشرعا: الاستيلاء على مال الغير عدوانا».
ومن ذلك الذي عرضناه من كلمات الفقهاء في المقام يتبين لنا ان «قصد العدوان» عنصر ثان في التعريف يتحقق به مع الاستيلاء الغصب.
أما في المذهب الزيدي:
فقد ذكر ابن المرتضى (^٦) كلمة «عدوانا» في تعريفه للغصب وقد
_________________
(١) الجواهر/الشيخ محمد حسن النجفي/ج ٦/طبعة حجرية.
(٢) كفاية الأحكام/ج ٢/طبعة حجرية.
(٣) مسالك الافهام/ج ٢/طبع حجر.
(٤) الروضة البهية شرح اللمعة الدمشقية ١٥:٧.
(٥) تحرير المجلة ١٠٣:٣.
(٦) البحر الزخار ١٧٣:٤.
[ ٦٥ ]
ذكرها العنسي في التاج المذهب (^١) والسياغي في الروض النضير (^٢).
ومن ذلك يفهم ان إيراد هذا القيد في التعريف والتأكيد عليه يشير إلى أنه العنصر الثاني الذي يشكل مع إثبات اليد حقيقة الغصب وما يترتب عليه.
أما في المذهب الظاهري:
فقد أورد ابن حزم (^٣) في تعريفه الغصب كلمة «ظلما» قيدا في التعريف وهو كما يظهر يشير الى «قصد العدوان» لأنه بدون هذا القصد لا يعد المأخوذ من الغير ظالما وأخذه ملك الغير ظلم.
وبناء على ما ذكرناه وحققناه من كلمات الفقهاء في مختلف المذاهب الإسلامية والمدارس الفقهية نخلص الى القول:
أن عنصري الغصب هما:
١ - إثبات اليد (أو الاستيلاء).
٢ - قصد العدوان.
وعلى ذلك فان الغصب بمفهومه الشرعي لا يتحقق وبالتالي لا ينتج أثره من الضمان وغيره إلا بتوافر كلا العنصرين بحيث لو ان أحدا وضع يده على ملك غيره واستولى عليه من غير تعد لا يعد غاصبا بل قد يكون وصيا أو قيّما الى غير ذلك وكذا لو ان أحدا قصد العدوان وأبدى ما يدل عليه إلا أنه لم يضع يده ولم يستول على ملك الغير فلا يعتبر غاصبا ايضا.