تمهيد: إن كل قارئ لكتب الفقه الإسلامي حين يمرّ بباب الغصب سيلتقي ببحث الجناية على الرقيق المغصوب وما يتعلق بذلك من أحكام ولكن الرسالة وهي هذا الكتاب تخلو من ذلك تماما ومن هنا ينبثق تساؤل ترى لماذا أهمل الموضوع واستبعد نهائيا في حين نجد الفقهاء المسلمين يتناولونه ويعرضون مسائله وأحكامه؟! والجواب يقع في أمور:
الأول: إن الشريعة الإسلامية الغراء لم تقر الرق كمبدأ ولم تنظر إليه
_________________
(١) الفتاوى الهندية/١١٧:٥.
(٢) الأم/الشافعي/٢٢٦:٣.
(٣) الإنصاف/المرداوي/١٦٣:٦.
(٤) شرائع الإسلام/١٥٤:٢.
(٥) التاج المذهب/العنسي/٣٥٩:٣.
[ ١٩٧ ]
كظاهرة مشروعة بل اعتبرته ظاهرة غير مشروعة تصطدم مع المبادئ والمثل التي نادى بها الإسلام كرسالة سماوية خالدة وشاملة لكل مناحي الحياة الإنسانية.
أن الشريعة الإسلامية احترمت الإنسان بصفته إنسان وأعلنت كرامته قال الله تعالى ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ (^١).
وأناطت به المسؤولية الكبرى في الحياة ﴿إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ﴾ (^٢) وفي مجتمع يموج بالتفاخر بالأنساب والأحساب ويضطرب المجتمع البشري بأبشع أنواع الاستغلال والتمييز بين البشر أعلن الرسول الكريم ﵌ أن الناس سواء فورد في خطبة حجة الوداع المشهورة قوله ﵌: «كلكم لآدم وآدم من تراب لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى».
وقد ورد عن الإمام علي ﵇ مخاطبا ابنه الحسن ﵇: «يا بني:
الناس صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق».
والمتتبع للنصوص الشرعية قرانا وسنة ولسيرة الرسول ﵌ والصحابة الكرام يجد تطبيقات هذا المبدأ بوضوح ومن هنا أيضا لا يمكن أن تجد نصا شرعيا ينطق بالرق والرقية بل تجد عوضا عنها (العتق والاستفداء).
الثاني: إن الرق والرقيق كان في المجتمع الدؤلي آنذاك ظاهرة مألوفة بل كان يشكل عصب الحياة الاقتصادية والتجارية وكان الرقيق يجتمع ليشكل هذه الظاهرة من أكثر من مصدر وسبب فالرهان مثلا واحد من الأسباب والبيع والشراء والحرب أسباب يسترق عن طريقها الإنسان ضمن هذه
_________________
(١) الأسراء:٧٠.
(٢) الأحزاب:٧٢.
[ ١٩٨ ]
الظروف الموضوعية طرح الإسلام نظريته في تحرير الإنسان من كل أنواع الاستغلال وإهدار الكرامة الآدمية فأغلق جميع الأبواب التي يتسرب منها الرق وسدّ جميع الطرق التي يتجمع بواسطتها ما عدا الحرب المشروعة باعتبارها أمر لا مفر منه في حينه وعليه فليس من المعقول مثلا ان يسترق الأعداء المحاربون الأسرى المسلمين ويعاملونهم معاملة لا إنسانية ويقف الإسلام من أسرى الأعداء موقفا آخر ومعروف هنا ان مبدأ المعاملة بالمثل مبدأ معترف به في النزاعات الدولية وقد أقرّه المجتمع الدؤلي ولا يزال فالرقيق في المجتمع السلامي إذن إنما يأتي عن هذا الطريق فقط وإزاء ذلك رسمت الشريعة الإسلامية خطة متكاملة متناسقة تستهدف في النهاية إزالة هذه الظاهرة من المجتمع الإسلامي نهائيا فضمنت أولا للاسرى الأرقاء المعاملة الإنسانية الرحيمة.
قال الرسول الأكرم ﵌: «إخوانكم خولكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يطعم وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما لا يطيقون وإذا كلفتوهم فأعينوهم (^١)».
ثم اتخذت الاجراءات التشريعية لتنفيذ مبدأ العتق فحثت عليه حثا أكيدا حتى عد من أقرب الطاعات اضافة الى اجراءات كثيرة وكثيرة كلها تستهدف تحرير الأرقاء ولم تكتف الشريعة بذلك وتوكل الأمر إلى وجدان الإنسان المسلم بالرغم من انه وجدان نبيل بل خولت الدولة الإسلامية التدخل لتحقيق العتق وخصصت في ميزانية الدولة موردا ثابتا لذلك وذلك في حق الزكاة.
الثالث: إن الفقهاء المسلمين حين واجهوا ظاهرة الرق انطلقوا من مثل الإسلام ونظرته ينظمون شؤون الإسراء الأرقاء بكل ما يتعلق بشؤونهم
_________________
(١) الأدب النبوي/ الخولي، وورد في سنن ابن ماجة ج ٢ ص ٣٩٥ ط ١ بلفظ آخر.
[ ١٩٩ ]
العامة والخاصة وفي قضية الجناية على الأرقاء ذهب فريق من الفقهاء الى تغليب صفة المالية في الرقيق لأن للقائمين على شؤونهم ينتفعون منهم مدة بقائهم في الاسترقاق، وذهب فريق آخر وهو الأغلب الى تغليب الصفة الآدمية فإذا وقعت عليه جناية وجبت الدية المقدرة شرعا.
بعد هذه المقدمة التي أراها ضرورية في المقام رأيت ان استبعد هذا الموضوع من الرسالة نهائيا ولسببين أيضا:
الأول: إنه في زماننا هذا لم تعد مسألة الرق ذات موضوع كما يعبر الأصوليون ثم إنه لا تجد في الشعور الإسلامي العام أي أثر لقبول الرق والرقية وذلك كله بفضل التشريع الإسلامي وما هيأه من أجواء خاصة.
الثاني: إن العرف الدؤلي قد تغيّر وان مبدأ المعاملة بالمثل الذي لا زال قائما لا يبيح استرقاق الإسراء والتشريع الإسلامي كما لا حظنا إنما سمح باسترقاق اسرى الأعداء المحاربين انطلاقا من هذا المبدأ واستنادا الى ذاك العرف.
والخلاصة فإن الشريعة الإسلامية ليس فيها رق ولا رقيق وأولى ان تتوجه الإنظار إلى المستعمرين الامبرياليين الذين يسترقون شعوبا بكاملها ويستغلونها أبشع استغلال وان تدان هذه الأعمال الإنسانية ويدان التمييز العنصري البغيض وتتكاثف المشاعر الإنسانية لكشف أحابيل الصهيونية العالمية في محاولاتها لإنهاء الشعب الفلسطيني المناضل وأنى لها ذلك. والآن حان الوقت للعودة الى النسق العام للاطروحة وبحث تفاصيل الموضوع.
إن بقاء المغصوب في يد الغاصب يجعله عرضه للطوارئ ومن هذه الطواري ان تقع عليه جناية من الغاصب أو من غيره يمكن ان تلحق بالمغصوب ضررا كليا كالتلف وهذا ما تحدثنا عنه وقد يلحق بالمغصوب ضرر جزئي وهذا ما سنتحدث عنه الآن.
[ ٢٠٠ ]