وزيادة المغصوب التي تحصل من قبل الغاصب اما زيادة عين أو زيادة وصف.
ونستعرض هنا كلمات الفقهاء في المقام لنتبين علاجهم لهذه المسائل.
في المذهب الحنفي:
ذكر المرغيناني (^١): «أن من غصب ثوبا فصبغه أو سويقا فلّتة يسمن فصاحبه بالخيار ان شاء ضمنه قيمة الثوب قبل الصبغ ومثل السويق وسلم ذلك للغاصب وان شاء أخذهما وغرم ما زاد الصبغ والسمن فيهما.» وذكر الموصلي (^٢): «ومن غصب ثوبا فصبغه أحمر أو سويقا فلّتة بسمن فالمالك ان شاء أخذهما وردّ زيادة الصبغ والسويق وان شاء أخذ قيمة الثوب أبيض».
والظاهر من عبارات فقهاء الأحناف (^٣) ان الصبغ تارة يكون بمثابة زيادة في المغصوب، واخرى يكون بمثابة نقص وكل ذلك بحسب الاعتبار
_________________
(١) الهداية/١٧:٤ وراجع الجوهرة النيرة/القدوري/٣٤٢/ ٣٤٣:١ وكذا مختصر الطحاوي/ص ١١٩.
(٢) الاختيار لتعليل المختار/عبد الله الموصلي/٦٣:٣.
(٣) مختصر الطحاوي/ص ١٢٠ وراجع ايضا الهداية/المرغيناني/١٧:٤ وراجع بدائع الصنائع/الكاساني/١٦٢:٧.
[ ١٧١ ]
العرفي فإن عدّه العرف نقصا كان كذلك وإلا فزيادة. وحينئذ أي عند اعتبار الصبغ زيادة في المغصوب فالمالك مخير بين أخذه ودفع ما زاده الصبغ فيه وبين تضمين الغاصب قيمة الثوب قبل طرو الزيادة. هذا في رأي فقهاء الأحناف.
أما في المذهب الشافعي:
فقد ذكر أبو زكريا الأنصاري (^١): «وان صبغ الثوب بصبغة وأمكن فصله كلفه وإلا فإن نقصت قيمته لزمه أرش أو زادت اشتركا».
وذكر الشيرازي (^٢): «إذا غصب ثوبا فصبغه بصبغ من عنده نظرت فان لم تزد قيمة الثوب والصبغ ولم تنقص بأن كانت قيمة الثوب عشرة وقيمة الصبغ عشرة فصارت قيمته مصبوغا عشرين صار شريكا لصاحب الثوب بالصبغ لأن الصبغ عين ماله وله قيمة فإن بيع الثوب كان الثمن بينهما نصفين.» وذكر الغزالي (^٣): «ولو غصب ثوبا قيمته عشرة وصبغه بصبغ قيمته عشرة فصارت قيمة الثوب عشرين فهما شريكان فيباع ويقسم الثمن بينهما.» وذكر الأردبيلي (^٤): «وان صبغ المغصوب. فإن أمكن الفصل اجبر عليه ولزمه الأرش ان نقص وان لم يكن. فان نقصت قيمته غرم الأرش وان زادت فالغاصب شريك بالصبغ».
فرأي فقهاء الشافعية اذن هو ان الغاصب إذا أضاف على المغصوب شيئا
_________________
(١) منهج الطلاب/٢٣٦:١.
(٢) المهذب/٣٧٩:١.
(٣) الوجيز/٢١٢:١.
(٤) الأنوار لإعمال الأبرار/ج ١ ص ٣٦٦ وراجع نهاية المحتاج/الرملي/١٨٢:١٨٣/ ٥.
[ ١٧٢ ]
من ماله ولم يكن إزالته وفصله يكون شريكا للمالك بقدر ماله والمثال الذي أورده فقهاء المذهب كتطبيق لهذه القاعدة قد أوضح ذلك وقد أفاض في شرحه وبيانه الشيرازي (^١) والرملي (^٢)، على أنه هنا يلزمنا استيضاح مسألة مهمة في المقام ذكرها فقهاء المذهب بعد ان ذهبوا الى هذا الرأي وهي ان الغاصب وان أشرك في المغصوب مع المالك إلا ان المالك له الأولوية في البيع إذ «لا ينفرد أحدهما ببيع حقه ولو أراد المالك أجبر الغاصب على الموافقة ولو أراده الغاصب لم يجبر المالك (^٣)».
أما ما ذهب إليه الحنابلة:
فقد ذكر أبو البركات (^٤): «أنه إذا غصب ثوبا فصبغه، فهما شريكان بقدر قيمة الثوب والصبغ وأيهما زادت قيمته فزيادته لمالكه وان نقصت فعلى الغاصب.».
وذكر البهوتي (^٥): «وان غصب ثوبا فصبغه الغاصب بصبغة أو غصب سويقا فلّتة الغاصب بزيته فنقصت قيمتيهما أو نقصت قيمة أحدهما ضمن الغاصب النقص لأنه حصل بتعديه فضمنه. وان زادت فهما أي رب الثوب والصبغ أو رب السويق والزيت شريكان.» وقد ذكر صاحب المقنع ذلك أيضا أي ما ذكره صاحب الكشاف (^٦) ثم
_________________
(١) المهذب/٣٧٩:١.
(٢) نهاية المحتاج/١٨٢/ ١٨٣:٥.
(٣) راجع الأنوار/الأردبيلي/ص ٣٦٦ والمهذب/٣٧٩:١.
(٤) المحرر في الفقه/ص ٣٦١.
(٥) كشاف القناع/٩٥:٤ وراجع غاية المنتهى/الكرمي/٢٤١:٢ وراجع منتهى الإرادات/لابن النجار/٥١٤:١.
(٦) المقنع/ابن قدامة/٢٤١/ ٢٤٢.
[ ١٧٣ ]
قال بعد ذلك «وان أراد أحدهما قلع الصبغ لم يجبر الآخر عليه ويحتمل ان يجبر إذا ضمن الغاصب النقص.» ويظهر من ذلك موافقة فقهاء المذهب الحنبلي لرأي الشافعية في القول بإشراك الغاصب مع المالك في مسألة الصبغ إلا انهم أعطوا الأولوية ايضا للمالك فقد ذكر في زوائد الكافي (^١): «فإن أراد المالك بيع الثوب فله ذلك وان طلبه الغاصب فأباه المالك لم يجبر ويحتمل ان يجبر.» وذهب فقهاء المالكية الى ان الغاصب إذا صبغ الثوب بصبغ من عنده فان المغصوب منه «المالك - يكون مخيرا بين أن يأخذ الثوب ويدفع للغاصب قيمة الصبغ وبين ان يتركه للغاصب ويأخذ منه قيمته يوم غصبه.» هذا على ما ذكره في المدونة (^٢) وهو كما يظهر موافق لرأي الأحناف مخالف لرأي الحنابلة والشافعية بالقول بأنهما شريكان بقدر قيمة ماليهما. وقد صرح بالقول بعدم اعتبار الغاصب والمالك شريكين في المدونة (^٣) إذ قال:
«. قلت: أرأيت لو ان رجلا غصب ثوبا فصبغه احمر ثم جاء رب الثوب فاستحقه» قال: يقال له خذ ثوبك وادفع اليه قيمة الصبغ أو خذ قيمة ثوبك لأن الغاصب غيره من حاله قلت: وهذا قول مالك؟ قال: هذا رأيي قلت: ولا يكونان شريكين إذا أبى أن يأخذ الثوب ويدفع قيمة الصبغ وأبى المالك ان يأخذ قيمة الثوب؟! قال: لا يكونان شريكين إذا ابى ان يأخذ الثوب وليس إلا واحدا من هذين اما ان يأخذ واما ان يعطي.
_________________
(١) زوائد الكافي/ابن عبيدان/ص ١٥٢.
(٢) .٦٩:١٤ وراجع المواهب/لابن الحطاب/٢٨٧:٥.
(٣) المدونة/سحنون/٧٧:١٤.
[ ١٧٤ ]
ثم ذكر صاحب المدونة (^١) بعد ذلك. إلا ان مالكا قال: لا يكونان شريكين فيما كان على وجه شبهة.
أما إذا كان الصبغ ينقص قيمة الثوب فالظاهر مما ذكره ابن الخطاب (^٢) ان يغرم الغاصب الأرش.
وفي المذهب الجعفري:
ذكر الشيخ الطوسي (^٣) تفصيلا أوفى لمسألة الصبغ قال: «إذا غصب ثوبا فصبغه لم يخل من ثلاثة أحوال اما ان يكون للغاصب أو لرب الثوب أو لغيرهما فإن كان للغاصب لم يخل من ثلاثة أحوال اما ان لا يزيد ولا ينقص بالصبغ أو يزيد أو ينقص».
فإن لم يزد ولم ينقص مثل ان كانت قيمة الثوب عشرة وقيمة الصبغ عشرة وهو بعد الصبغ يساوي عشرين فهما فيه شريكان لأن لكل واحد منهما عينا قائمة فيه فهو كما لو غصب طعاما فخلطه بطعام من عنده فهما فيه شريكان وكذلك هما شريكان أيضا لو زادت القيمة بعد الصبغ على ما ذكره الشيخ (^٤) أيضا. وهنا يظهر من عبارات الشيخ في المقام ان الغاصب ان اختار قلع الصبغ فعليه أرش ما ينقص من قيمة الثوب وإذا امتنع صاحب الصبغ عن الإزالة فإن الأقوى ان للمالك إجباره وهل ان للمالك إعطاء قيمة الصبغ ليكون الثوب وصبغه له؟ الصحيح على رأي الشيخ الطوسي (^٥) انه ليس له مطالبته بأخذ القيمة بل يكون فيه شريكان لأنها عين ماله قائمة بحالها غير تابعة لغيرها فلا يجبر على أخذ قيمتها كما لو خلط طعامه بطعامه.
_________________
(١) .٧٧:١٤/المدونة.
(٢) المواهب/٢٨٧:٥.
(٣) المبسوط /٧٧:٣.
(٤) نفس المصدر/ص ٧٨.
(٥) المبسوط /٧٨:٣.
[ ١٧٥ ]
وذكر المحقق الحلي (^١): «ولو صبغ الثوب كان له إزالة الصبغ بشرط ضمان الأرش ان نقص الثوب ولصاحب الثوب إزالته أيضا لأنه في ملكه بغير حق. ولو أراد أحدهما ما لصاحبه بقيمته لم يجب على أحدهما إجابة الآخر.
ثم يشتركان فإن لم ينقص قيمة ما لهما فالحاصل لهما وإن زادت فكذلك.
وان نقصت قيمة الثوب بالصبغ لزم الغاصب الأرش».
وذكر الشهيد الثاني (^٢) في مسالكه ما ذكره الشيخ الطوسي أولا ثم قال «وان حصل بالانصباغ عين مال فإما أن يمكن فصله عنه أولا يمكن ففي الثاني يصير شريكا المغصوب منه لأنه عين مال انضم الى ملك. أما إذا كان أمكن فصله عن الثوب فللغاصب إزالته مع ضمان أرش الثوب ان نقص.
وقال ابن الجنيد إذا لم يرض المالك بالقلع ودفع قيمة الصبغ وجب على الغاصب القبول ورجحه في المختلف العلامة الحلي والأظهر - على رأي الشهيد - العدم».
ومن كل هذه النصوص التي نقلناها عن فقهاء المذهب الجعفري يتضح لنا موافقتهم لرأي فقهاء الشافعية والحنابلة فيما ذهبا اليه بهذا الخصوص.
وفي رأي المذهب الزيدي:
ذكر ابن المرتضى (^٣): «مسألة المذهب الزيدي: ومن غصب ثوبا فصبغه فليس له إزالة صبغه».
قال: ثم إن كان مما ينفصل. فإن تضرر المغصوب بالقلع فلمالكه أرش اليسير وخيّر في الكثير.
_________________
(١) شرائع الإسلام/١٥٤:٢.
(٢) مسالك الافهام/ج ٢/طبعة حجرية/ كتاب الغصب/غير مرقمة.
(٣) راجع البحر الزخار/١٨٤:٤.
[ ١٧٦ ]
وإن لم يمكن فصله لم يرجع بقيمة صبغه.
ثم نقل قول أبي حنيفة وهو: «ان زاد به الثوب أي بالصبغ خيّر المالك بين أخذ الثوب وضمان الصبغ أو أخذ قيمته. وأعقبه بقوله: لا وجه لضمان الصبغ».
وذكر رأي الإمام يحيى أيضا وهو: «من غصب دارا فزخرفها فعليه إزالة الزخرفة ان طلب إذ يشغل بها ملك الغير كالأحمال ويضمن أرش النقص ان نقصت بالقلع فإن طلبها الغاصب فوجهان: يجاب، إذ هي ملكه ولا:
إلا أن يكون لهما عين تنفصل. قلت: وهو الأقرب».
ويتلخص لنا من كل ذلك ان هناك ثلاثة آراء في مسألة تغيير المغصوب بزيادة شيء عليه من مال الغاصب وهي:
١ - رأي فقهاء الحنفية والمالكية: وهو القول بتخيير المالك بين ترك المغصوب وإعطاء الغاصب قيمة الزيادة وبين ترك المغصوب وتضمينه قيمته قبل الزيادة.
٢ - رأي فقهاء المذهب الحنبلي: «وهو القول بأن الغاصب حينئذ يكون شريكان للمغصوب منه كل بقدر ماله وأيهما زادت قيمته فزيادته لمالكه وان نقصت قيمة المغصوب بتلك الزيادة فعلى الغاصب ضمانها».
٣ - رأي فقهاء المذهب الشافعي والجعفري والزيدي: وهو التفصيل بين ما إذا أمكن فصل الزيادة التي أضافها الغاصب على المغصوب فيجب عليه فصلها مع ضمان ما يطرأ على المغصوب من نقص.
وأما إذا لم يمكن فصل الزيادة فالغاصب حينئذ يكون شريكا مع المغصوب منه بقدر ماله.
وهذا الرأي الأخير هو ما نميل اليه ونرجحه على بقية الآراء وذلك
[ ١٧٧ ]
أ - لأنه أقرب الى تحقيق العدالة التي ينشدها الشرع الشريف لمراعاته حق الطرفين.
ب - ان الواجب على الغاصب ردّ المغصوب نفسه وكما هو الى المالك وحيث أمكن فصل ما اضافه الغاصب لزمه دون الإضرار بحق المالك فيما إذا حدث بفصله نقص حيث يضمن.
ج - وإذا لم يمكن فصل الزيادة عن المغصوب وهو عين مال الغاصب فلا مسوّغ لإجباره على ذلك كما لا مسوّغ لإلزامه بضمان قيمة المغصوب حيث هو باق بعينه فكان الأوفق حينئذ ان يعتبر شريكا مع المالك بقدر حقه مع احتفاظ المالك بحقه في التعويض لو حدث نقص لقيمة المغصوب بسبب تلك الزيادة.