ان الغاصب قد يغرس غرسا في الأرض المغصوبة أو يبني بناء فيها بمواد من عنده وبأدواته فما هو الحكم هنا.
يبدو ان للفقهاء آراء في المقام:
الأول: رأي بعض الحنفية والشافعية والحنابلة والجعفرية وهو القول بأن على الغاصب قلع ما غرسه وما بناه في الأرض المغصوبة وردّ الأرض وأرش ما يطرأ عليها بسبب القلع.
ذكر ذلك القدوري (^١) من فقهاء الحنفية قائلا: «ومن غصب أرضا فغرس فيها أو بنى فيها قيل له أقلع البناء والغرس وردها الى مالكها لقوله ﵌: ليس لعرق ظالم حق».
وذكر الشافعي (^٢) ذلك أيضا بقوله: «ولو اغتصبه أرضا فغرسها.
أو بنى فيها بناء أو شقّ أنهارا كان عليه كراء مثل الأرض بالحال الذي اغتصبه إياها وكان على الباني والغارس أن يقلع بناءه وغرسه فإذا قلعه ضمن ما نقص القلع الأرض حتى يردّ الأرض بحالها حين أخذها».
ومن فقهاء الحنابلة ذكر ابن النجار (^٣): «وإن غرس أو بنى فيها - أي الأرض المغصوبة أخذ بقلع غرسه أو بنائه وتسويتها وأرش نقصها وأجرتها».
_________________
(١) جوهرة القدوري/٣٤٢:١، جامع الفصولين/ابن قاضي سماونة/٩٦:٢. وراجع مجمع الضمانات/لابن غانم/١٢٧:١.
(٢) الام/٢٢٢:٣، المهذب/الشيرازي/٣٧٨:١.
(٣) منتهى الإرادات/٥٠٩:١، العمدة/المقدسي/ص ٢٧٣. مختصر الإنصاف/محمد عبد الوهاب/ص ٣٩٠، المقنع/موفق الدين بن قدامة/٢٤٥:٢.
[ ٢٣٢ ]
ومن فقهاء المذهب الجعفري:
ذكر المحقق الحلي (^١): «إذا غصب أرضا فزرعها أو غرسها فالزرع ونماؤه للزارع وعليه أجرة الأرض وإزالة غرسه وزرعه وطمّ الحفر وأرش الأرض ان نقصت.».
اما الزيدية (^٢) فعلى هذا الرأي لكنهم لا يرون ضمان نقص الأرض.
الثاني: أما الرأي الثاني فهو رأي فقهاء المالكية وهو تخيير المالك بين دفع قيمة الغرس والبناء وأخذ الأرض المغصوبة بما عليها أو أمره بقلع غرسه أو بنائه.
جاء في المدونة (^٣): «قلت أرأيت لو ان رجلا غصب أرضا فغرس فيها شجرا فاستحقها ربها قال: يقال للغاصب أقلع شجرك إلا ان يشاء رب الأرض ان يأخذها بقيمتها مقلوعة وكذلك البنيان إذا كان الغاصب في قلعه منفعة فإنه يقال له اقلعه إلا ان يشاء رب الأرض ان يأخذه بقيمته.».
وذكر الدردير (^٤): «وخيّر رب الشيء المغصوب إذا كان أرضا ان بنى الغاصب عليها أو غرس فيها شجرا فالخيار لربه لا للغاصب في أخذ ما غصب من الأرض وما فيها من بناء أو غرس مع دفع قيمته منقوضا ان كان له قيمة بعد النقض لا ما لا قيمة له كتراب.».
وذكر ابن جزي (^٥): «من غصب أرضا فغرس فيها أشجارا لا يؤمر
_________________
(١) شرائع الإسلام/١٥٦:٢، مسالك الافهام/الشهيد الثاني/ج ٢/طبع حجر/ الغصب. فقه الامام الصادق/محمد جواد مغنية/١٨:٣، المبسوط الطوسي/٧٣:٣.
(٢) التاج المذهب/العنسي ٣٥٦:٣.
(٣) ج ١٤/ص ٧٤.
(٤) الشرح الصغير/٩١:٤.
(٥) القوانين/ص ٢٨٣.
[ ٢٣٣ ]
بقلعها وللمغصوب منه ان يعطيه قيمتها بعد طرح اجرة القلع كالبنيان.».
هذان هما الرأيان اللذان استخلصناهما في هذه المسألة ولقد استدل أصحاب الاتجاه الأول بعدة أدلة نذكر منها:
١ - بقوله ﵌: «ليس لعرق ظالم حق» وقد استدل بهذا الحديث القدوري (^١) من فقهاء الحنفية والشافعي (^٢) والشيرازي (^٣) من الشافعية والمقدسي (^٤) من الحنابلة والشهيد الثاني من الجعفرية (^٥).
ومعنى هذا الحديث ما ذكر في هامش المنتقى (^٦): قال الترمذي عن محمد ابن المثنى سألت أبا الوليد الطيالسي عن قوله وليس لعرق ظالم حق فقال العرق الظالم الغاصب الذي يأخذ ما ليس له قلت: هو الرجل الذي يغرس في أرض غيره؟ قال: هو ذاك. اهـ.
وهكذا يتضح مفهوم هذا الحديث ودلالته على المراد. والأكثر من ذلك ان هذا الحديث إنما ورد في مناسبة لها دلالة على المراد وهي ما ذكره البيهقي (^٧) قال: «. عن يحيى بن عروة عن أبيه قال: اختصم رجلان من بياضة الى رسول الله ﵌ غرس أحدهما نخلا في أرض الآخر فقضى رسول
_________________
(١) جوهرة القدوري/٣٤٢:١.
(٢) الام/٢٢٢:٣.
(٣) المهذب/٣٧٨:١.
(٤) العمدة شرح العمدة/ص ٢٧٣.
(٥) مسالك الافهام/ج ٢/طبع حجر.
(٦) المنتقى من اخبار المصطفى/٣٩٥:٢.
(٧) سنن البيهقي/٩٩:٦ وقد اخرج هذا الحديث في الدارقطني ج ٢ ص ٢١٧ عن عائشة، والساعاتي/في الفتح الرباني/١٤٨:١٥ عن عبادة بن الصامت ان رسول الله قضى انه ليس لعرق ظالم حق. وأورده ابن حجر العسقلاني في بلوغ المرام/ص ١٩٠ وأخرجه الشوكاني/في نيل الأوطار/٣٥٩:٥ وذكره في الدراية/شهاب الدين العسقلاني/ج ١ ص ٢٠١.
[ ٢٣٤ ]
الله ﵌ لصاحب الأرض بأرضه وأمر صاحب النخل ان يخرج نخله منها قال: قال عروة فلقد أخبرني الذي حدثني قال رأيتها وانه ليضرب في أصولها بالفؤوس وانه لنخل عمّ حتى أخرجت.» ٢ - ما ذكره القدوري (^١) بقوله: «ان ملك صاحب الأرض باق فإن الأرض لم تصر مستهلكة والغصب لا يتحقق فيها فيؤمر الغاصب بتفريغها كما إذا شغل ظرف غيره بطعامه».
٣ - ما ورد عن الرسول ﵌: «من بنى في أرض قوم بغير إذنهم فله نقضه».
هذه هي أهم الأدلة في المقام وهي قوية معتبرة تنهض في اسناد هذا الرأي ولذا فنحن نميل اليه ولا يسعنا المصير الى غيره خصوصا وان الحديث (^٢) قد ورد في تأكيد هذا الحكم وليس له ما يعارضه على ما نعلم.
أما الرأي الآخر وهو رأي المالكية فلم أعثر لا في كتبهم ولا في غيرها على ما يسنده أو يؤيده لا من رواية معتبرة ولا من حجة منطقية.