الظاهر من كلمات الفقهاء في المقام ان هناك اتجاهين في هذه المسألة:
الأول: اتجاه جمهور الفقهاء وأولاء يذهبون الى ان المالك إذا تنازع مع الغاصب في تلف المغصوب أي إذا ادعى الغاصب التلف وأنكر المالك مدعيا البقاء فإن القول قول الغاصب مع يمينه.
ذكر ذلك الشيرازي (^١) من فقهاء المذهب الشافعي قائلا: «إذا اختلف الغاصب والمغصوب منه في تلف المغصوب فقال المغصوب منه هو باق وقال الغاصب تلف فالقول قول الغاصب مع يمينه. وهل يلزمه البدل؟ فيه وجهان. الثاني يلزمه لأنه بيمينه تعذر الرجوع الى العين فاستحق البدل كما لو غصب عبدا فأبق».
وذكر ذلك الأردبيلي (^٢) أيضا.
_________________
(١) المهذب/٣٨٣:١.
(٢) الأنوار لإعمال الأبرار/ص ٣٦٣، منهج الطلاب المطبوع بهامش فتح الوهاب ج ١ ص ٢٣٤، نهاية المحتاج/الرملي/١٧٠:٥.
[ ٢٤٢ ]
وذكر المرداوي (^١) من فقهاء المذهب الحنبلي انه: «لو اختلفا في تلف المغصوب فالقول قول الغاصب مع يمينه على الصحيح من المذهب قال في الفروع: قبل قول الغاصب في الأصح وجزم به في المغني وقدمه الحارثي.
فعلى المذهب للمغصوب منه أن يطالب الغاصب ببدله».
وهو رأي بعض المالكية:
ذكر ابن الحطاب (^٢): «قال: قال في التوضيح: ولم أر في المهمات وجوب اليمين على الغاصب إذا ادعى التلف. ونصّ ابن عبد السلام على وجوب اليمين هنا في التلف».
وهو رأي فقهاء المذهب الجعفري:
ذكر المحقق الحلي (^٣): «وإذا اختلفا في تلف المغصوب فالقول قول الغاصب مع يمينه فإذا حلف طالبه المالك بالقيمة لتعذر العين».
وذكر الشهيد الثاني (^٤): «وكذا يحلف الغاصب لو ادعى التلف وإن كان دعوى التلف خلاف الأصل فلو لم يقبل قوله لزم تخليده الحبس لو فرض التلف. ومتى حلف على التلف طولب بالبدل».
الاتجاه الآخر: وهو اتجاه المذهب الحنفي والزيدي وهؤلاء يذهبون إلى
_________________
(١) الإنصاف/٢١١:٦، زوائد الكافي/ص ١٥٥.
(٢) مواهب الجليل/٢٨٩:٥.
(٣) شرائع الإسلام/١٥٧:٢، مسالك الافهام/الشهيد الثاني/ج ٢ طبع حجر. كفاية الأحكام/السبزواري/ج ٢/طبع حجر. جواهر الكلام/محمد حسن النجفي/ج ٦ طبع حجر/باب الغصب.
(٤) الروضة البهية شرح اللمعة الدمشقية/٥٩:٧.
[ ٢٤٣ ]
أن الغاصب إذا ادعى تلف المغصوب فإنه يحبس مدة بحيث يعلم أنه لو كان باقيا لأظهره ثم يقضي عليه بالبدل.
ذكر عبد الله الموصلي (^١) من الحنفية: «وإن ادعى الهلاك حبسه الحاكم مدة يعلم أنها لو كانت باقية - أي العين المغصوبة لأظهرها ثم يقضي عليه ببدلها. وذكر ابن المرتضى (^٢) من فقهاء الزيدية ذلك قائلا: والقول للمالك في بقاء العين إذ هو الأصل ويريد إسقاط حق المالك فيحبس حتى يظن الحاكم أنها لو كانت باقية سلمها».
وفي المذهب الجعفري ذهب الى هذا الرأي جماعة (^٣) ولكن اشترطوا اقامة المالك البينة على بقاء العين.
ونحن هنا مع هذا الاتجاه لأنه الأقرب الى الصواب ذلك ان الغاصب قد يدعي تلف المغصوب ليتملكه بقيمته بعد ذلك وفي ذلك إضاعة لحقوق العباد واحتيال لأكل أموال الناس بالباطل وهو ما لا تجيزه الشريعة بأي حال.
ثم ان دعوى التلف خلاف الأصل ولا يلزم تخليده الحبس كما ذهب جماعة لأنه إنما يحبس مدة بحيث يعلم أنه لو كان المغصوب باقيا لسلمة. وفي ذلك ردع للغصّاب من سلوك مثل هذه الطرق.