ان الغاصب قد يحفر بئرا في الأرض التي غصبها فإذا استرد المالك هذه الأرض فهل يحق له إلزام الغاصب بطمّها؟ وإذا رضي المالك ببقاء تلك البئر فما هو الحكم؟ يظهر من كلمات الفقهاء في المقام انهم اختلفوا في مسألة أحقية المالك في إلزام الغاصب طمّ البئر التي حفرها في أرضه المغصوبة:
_________________
(١) جوهرة القدوري/٣٤٢:١.
(٢) سنن البيهقي/ج ٦/ص ٩١ اخرج الحديث عن طريق عائشة وأخرجه أيضا عن طريق عبد الله بن عمر.
[ ٢٣٥ ]
فذهب الشافعية والحنابلة والجعفرية الى ان المالك إذا طلب من الغاصب طمّ البئر لزمه ذلك.
ذكر الشيرازي (^١) من فقهاء الشافعية ذلك قائلا: «وان غصب أرضا وحفر فيها بئرا فطالبه صاحب الأرض بطمّها لزمه طمها لأن التراب ملكه وقد نقله من موضعه فلزمه ردّه الى موضعه.».
وذكر المرداوي (^٢) من فقهاء الحنابلة ذلك أيضا قائلا: «إذا حفر بئرا أو شق نهرا ونحوه في أرض غصبها فطالبه المالك بطمّها لزمه ذلك ان كان لغرض قاله الحارثي.».
وذكر الطوسي (^٣) من الجعفرية انه: «إذا غصب أرضا وحفر فيها بئرا كان للمالك مطالبته بطمّها لأن على رب الأرض ضررا في ترك طمّها.».
وقد خالف هذا الاتجاه فقهاء الزيدية على ما ذكر العنسي (^٤) قائلا:
«الطمّ ان طلبه صاحب الأرض لم يلزم.».
والرأي الأول هو الراجح لما ذكروه من أدلة معتبرة ولأن الغاصب يتحمل مسؤولية تصرفه في المغصوب.
وهنا لو أراد الغاصب ان يطمّ البئر التي حفرها دون موافقة المالك أو طلبه فهل يحق له ذلك؟ يظهر ان هناك اتجاهين عند الفقهاء:
_________________
(١) المهذب/٣٧٩:١، الام/الشافعي/٢٢١/ ٢٢٢:٣، نهاية المحتاج/الرملي/ ١٧٦:٥.
(٢) الإنصاف ١٤٨:٦، كشاف القناع/البهوتي/٨٨:٤، المقنع/لابن قدامة/٢: ٢٣٦.
(٣) المبسوط /٧٣:٣، مسالك الافهام/الشهيد الثاني/ج ٢/طبع حجر.
(٤) التاج المذهب/٣٥٨:٣.
[ ٢٣٦ ]
الاتجاه الأول: وهو اتجاه الشافعية والصحيح في المذهب الحنبلي ورأي عند الجعفرية (^١). وهو القول بأن الغاصب يملك طمّ البئر ابتداء وان لم يرض المالك.
ذكر الغزالي (^٢) من فقهاء الشافعية انه: «لو حفر بئرا في داره فله طمّها وان أباه المالك. وقد علل ذلك بقوله: «ليخرج عن عهدة التردي» وقد ذكر ذلك الشيرازي (^٣) أيضا معللا ذلك بقوله: «لأن له غرضا في طمّها وهو ان يسقط عنه ضمان من يقع فيها. ولذلك يذهب الشيرازي (^٤) الى ان المالك إذا أبرأ الغاصب من ضمان من يقع فيها ورضي بوجودها فوجهان أحدهما: يصح الإبراء والثاني لا يصح.
أما في المذهب الحنبلي فقد ذكر المرداوي (^٥): «وان أراد الغاصب طمّها ابتداء، فلا يخلو أما أن يكون لغرص صحيح أو لا؟ فان كان لغرض صحيح كإسقاط ضمان ما يقع فيها. فله طمّها من غير اذن ربها على الصحيح من المذهب أما إذا أبرأه المالك من ضمان (^٦) من يقع فيها فلا يملك طمّها في أحد الوجهين على رأي الحنابلة.».
والاتجاه الآخر: يذهب الى ان طمّ البئر التي حفرها الغاصب في أرض المغصوب منه لا يتم إلا بإذن المالك وانه إذا أبرأه ورضي باستبقاء البئر سقط الضمان عن الغاصب. وهذا هو رأي الحنفية واتجاه عند الحنابلة وعند الجعفرية
_________________
(١) المبسوط /الشيخ الطوسي/٧٣:٣.
(٢) الوجيز/٢١١:١، نهاية المحتاج/الرملي/١٧٦:٥.
(٣) المهذب/٣٧٩:١.
(٤) نفس المصدر.
(٥) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف/١٤٨:٦.
(٦) المقنع/لموفق الدين بن قدامة/٢٣٦:٢.
[ ٢٣٧ ]
فقد ذكر ابن غانم (^١) من فقهاء الحنفية ذلك بقوله: «ولو حفر بئرا في دار غصب ورضي به المالك وأراد الغاصب الطمّ يمنع عندنا خلافا للشافعي.».
وذكر ابن قدامة (^٢) من فقهاء الحنابلة ذلك بقوله: «وان غصب أرضا فحفر فيها بئرا ووضع ترابها في أرض مالكها لم يملك طمّها إذا أبرأه المالك من ضمان ما يتلف بها في أحد الوجهين.».
وذكر المحقق الحلي (^٣) من فقهاء الجعفرية ذلك أيضا قائلا: «ولو حفر الغاصب في الأرض بئرا كان عليه طمّها مع كراهية المالك؟ قيل نعم لتحفظها من درك التردي ولو قيل للمالك منعه كان حسنا، والضمان يسقط عنه برضا المالك باستبقائها».
وذكر الشيخ محمد جواد مغنية (^٤): «. ولو أراد الغاصب ان يطمّ البئر ويرجع الأرض كما كانت فهل للمالك منعه من ذلك؟ الجواب: أجل له ذلك لأن الطمّ يستلزم التصرف في ملك الغير ولا يجوز لأحد ان يتصرف في ملك غيره إلا بإذنه، أجل إذا تضرر إنسان بسبب البئر في هذه الحال فلا مسؤولية على الغاصب.».
وهذا الرأي ذهب إليه الزيدية ايضا على ما ذكره العنسي (^٥).
وعليه فهذا الاتجاه الثاني الذي يذهب الى ان طمّ البئر التي يحفرها الغاصب لا يتم إلا بإذن المالك وانه إذا أبرأه ورضي ببقاء البئر سقط الضمان عن
_________________
(١) مجمع الضمانات/ص ١٢٨.
(٢) المقنع/٢٢٣٦:٢، الإنصاف/المرداوي/١٤٨:٦.
(٣) شرائع الإسلام/١٥٦:٢، مسالك الافهام/الشهيد الثاني/ج ٢/طبع حجر.
(٤) فقه الامام الصادق/١٩:٣، جواهر الكلام/الشيخ محمد حسن النجفي/ج ٦، مفتاح الكرامة/محمد جواد الحسيني العاملي/ج ٦.
(٥) التاج المذهب لأحكام المذهب/٣٥٨:٣.
[ ٢٣٨ ]
الغاصب ان هذا الاتجاه في الفقه الإسلامي هو الذي نميل اليه ونرشحه في المقام وذلك لما يأتي:
نقول بأن أصحاب الاتجاه الأول إنما يذهبون الى القول بأن الغاصب يملك طمّ البئر التي حفرها في أرض المغصوب منه وان ابى المالك ذلك لغرض إسقاط الضمان عن الغاصب فيما إذا تردى في البئر أحد وهذا وان كان صحيحا باعتباره يتضمن رفع الضرر عن الغاصب وفيه مصلحة للطرفين إلا انه من جهة أخرى يستلزم التصرف في ملك الغير بدون اذنه وهو ممنوع على ما تبيناه لأنه ينطوي على قصر سلطنة المالك عن ملكه وهو لا وجه له.
ونقول ايضا ان الاتجاه الثاني يعالج نقطة إسقاط الضمان عن الغاصب دون ان يقع في محذور التصرف في ملك الغير بغير اذنه وذلك لاشتراطه رضا المالك في الموضوع فإن رضي المالك ببقاء البئر فلا وجه لإجباره على طمّها ثم هو في هذا الحال يكون قد تحمل مسؤولية الضرر المتأتي من وجودها لأنه حين رضي ببقائها فكأنه هو الذي حفرها.
[ ٢٣٩ ]