تحدثنا عن أحكام تغير المغصوب لو حدث بطبيعته وهنا سيكون حديثنا عن المغصوب لو تغير بفعل الغاصب نفسه وإذا حددنا بشكل أدق فإنه نتناول تغير ذات المغصوب بفعل الغاصب بحيث يتبدل اسمه وتزول معظم منافعه.
ونجري على طريقتنا فنتناول أولا استعراض كلمات الفقهاء في المقام لنخلص بعد ذلك الى معرفة وجهات نظر الفقه واتجاهاته التشريعية في هذه النقطة.
ففي المذهب الحنفي:
ذكر المرغيناني (^١): «. وإذا تغيرت العين المغصوبة بفعل الغاصب حتى زال اسمها وأعظم منافعها زال ملك المغصوب منه عنها وملكها الغاصب وضمنها ولا يحل له الانتفاع حتى يؤدي بدلها كمن غصب شاة وذبحها وشواها أو طبخها أو حديدا فاتخذه سيفا.» وهذا كله عندنا «وفي رواية عن أبي يوسف قيل لا ينقطع حق المالك».
وذكر ابن قاضي سماونة (^٢): ذلك أيضا وضرب أمثلة أخرى كتطبيقات
_________________
(١) الهداية/١٥:٤ وراجع عيون المسائل/ج ٢: عن محمد م ١١٥٠: في رجل غصب حنطة فطحنها ضمن مثلها.
(٢) جامع الفصولين/٩٥:٢.
[ ١٦٢ ]
لما قرروه قال: «ولو عصر عنبا أو سمسما أو زرع برا فأدرك أو حضن البيضة فأفرخت أو غزل قطنا ونسجه. أو قطع ثوبا وخاطه أو غرس ثالة أو خبز دقيقا. فالحكم كما تقدم».
وذكر عبد الله الموصلي (^١): «ولو غصب تبرا فضربه دراهم أو دنانير أو آنية لم يملكه ومن خرق ثوب غيره فأبطل عامة منفعته ضمنه».
أما عند فقهاء المذهب الشافعي:
فقد ذكر الغزالي (^٢) أنه «إذا غصب حنطة فطحنها أو ثوبا فقصره أو خاطه أو طينا فضربه لبنا أو شاة وشواها لم يملك حينئذ شيئا من ذلك بل يرده على حاله وأرش النقص ان نقص».
وذكر الشيرازي (^٣): «ان الطعام إذا طحنه له أن يتركه ويطالبه بمثل طعامه لأن مثله أقرب الى حقه من الدقيق. والمذهب: الأول لأن عين ماله باقية فلا يملك المطالبة ببدله».
وعند فقهاء الحنابلة:
ذكر أبو البركات (^٤): «وإذا غير المغصوب فأزال اسمه كطحن الحب وضرب النقرة دراهم وطبخ الطين آجرا ونحوه فهو لمالكه وعلى الغاصب نقصه
_________________
(١) الاختيار في تعليل المختار/٦٢:٣ وراجع أيضا الجوهرة النيرة لمختصر القدوري وقد علل هذا الرأي بقوله: لأن العين باقية من كل وجه، ولأن الاسم باق وكونه موزونا باق. هذا رأي صاحب المذهب وأما رأي أبو يوسف ومحمد فاعتبرا ملكية الغاصب أيضا في هذه الحالة لأنه أحدث فيها صنعة معتبرة ج ١/ ٣٤٢.
(٢) الوجيز/٢١١:١١ وراجع التكملة: المجموع/شرح المهذب/٧٢:١٤.
(٣) المهذب/١/ ٣٧٦ وراجع أيضا الأنوار/الأردبيلي/ص ٣٦٦.
(٤) المحرر/ص ٣٦١.
[ ١٦٣ ]
ولا شيء له لزيادته وعنه يصير للغاصب وعليه عوضه وعنه يخير المالك بينهما».
فهنا ثلاثة آراء رأي يوافق المذهب الشافعي ورأي يوافق الأحناف في صيرورة المغصوب في هذه الصورة ملكا للغاصب ورأي بالتخيّر.
وذكر في الإقناع (^١): «وإن غصب ثوبا فقصره أو غزلا فنسجه أو فضة أو حديدا فضربه أبرأ أو أواني أو غيرهما أو خشبا فنجره بابا أو نحوه أو شاة فذبحها وشواها. أو حبا فطحنه ردّ ذلك بزيادته وأرش نقصه ولا شيء له».
وذكر البهوتي (^٢): «ولو غصب طينا فضربه لبنا أو آجرا أو فخارا أو غصب حبا فطحنه أو دقيقا فعجنه وخبزه ونحوه ردّ ذلك الى مالكه لأنه عين ماله ولأنه لو فعله بملكه لم يزل عنه فكذا بملك غيره».
وفي المذهب المالكي:
ذكر الدردير (^٣): «ان تغيير ذات المغصوب يعتبر فواتا له قال: وطين لبن. وقمح مثلا طحن ودقيق عجن وعجين خبز فإنه فواتا هنا (وحب بذر) ومتى حصل فوات فليس لربه أخذه إن كان مثليا بل يتعين أخذ مثله إلا برضا الغاصب وإن كان مقوما خيّر ربّه بين أخذه أو أخذ القيمة يوم الغصب».
وذكر في المدونة (^٤): «قلت أرأيت ان اغتصب من رجل فضة فضربها
_________________
(١) الإقناع/الحجاوي/٣٤٣/ ٣٤٤:٢ وراجع الإنصاف/المرداوي/١٤٥/ ١٤٦:٦ وكذا راجع غاية المنتهى/الكرمي/٢٣٨:٢.
(٢) كشاف القناع/٨٨:٤.
(٣) الشرح الصغير/٨٩/ ٩٠:٤.
(٤) المدونة/سحنون/٧١:١٤.
[ ١٦٤ ]
دراهم أو صنع منها حليا. قال: عليه فضة مثلها وما أحفظ أني سمعت من مالك فيه شيئا. قلت: أرأيت ان اغتصب من رجل ترابا فجعلته ملاطا لبنائي ماذا له عليّ قال: عليك مثله».
ويظهر من هذه النصوص موافقة المذهب المالكي لرأي الأحناف القائلين بأن تغير ذات المغصوب يعتبر استهلاكا فيجب الضمان.
أما في المذهب الجعفري:
ذكر الشيخ الطوسي (^١): «إذا غصب شيئا لم يملكه غيره عن صفته التي هو عليها أو لم يغيره مثل إن كان نقرة فضربها دراهم أو حنطة فطحنها أو عصيرا فاستحال خمرا ثم استحال خلا كان عليه الردّ لأنه عين ماله».
وذكر المحقق الحلي (^٢): «ولا يملك العين المغصوبة بتغييرها وإخراجها عن الاسم والمنفعة سواء كان ذلك بفعل الغاصب أو فعل غيره كالحنطة تطحن والكتان يغزل وينسج».
وقد ذكر السبزواري (^٣) ذلك وأعقبه بقوله: «ولا اعرف فيه خلافا بين الأصحاب» ومن هذه النصوص المتقدمة يظهر ان الفقه الجعفري موافق لاتجاه الشافعية في ان تغيير الغاصب لذات المغصوب ليس فواتا ولا يسوغ له تملكها. نعم عليه أرش النقصان.
أما الفقه الزيدي فيبرز فيه اتجاهان: اتجاه يوافق أبا حنيفة وهو رأي الهادي والقاسم من فقهاء المذهب على ما أشار إليه ابن المرتضى (^٤).
_________________
(١) المبسوط /٨٣:٣.
(٢) الشرائع/١٥٣:٢ وكذا ذكر الشيخ محمد جواد مغنية في فقه الإمام الصادق ١٦:٣.
(٣) كفاية الأحكام/ج ٢/طبع حجر/باب الغصب.
(٤) البحر الزخار/١٨١:٤.
[ ١٦٥ ]
وذهب الناصر والمؤيد بالله والإمام يحيى إلى أنه: «مهما كانت العين أو بعضها باقية وجب ردها ولو تغيرت، ووجهه ان الأصول تشهد ان صاحب الملك أولى بملكه». على ما ذكره صاحب الروض (^١).
وذكر في التاج (^٢) قولا بالتخيير بين أخذ العين ولا أرش. وبين قيمتها قبل يوم الغصب.
وفي المذهب الظاهري:
فقد ذهب ابن حزم (^٣) الى القول برأي الشافعية والجعفرية وما هو المذهب عند الحنابلة وعند الأكثر من فقهاء الزيدية وهو أن الغاصب ان غيّر المغصوب فإنه يبقى على ملك مالكه وعليه الرد مع أرش النقصان.
وعليه فنحن نخلص الى القول بأن تغيير الغاصب لذات المغصوب بحيث يتبدل اسمه لا يسوغ للغاصب تملكه على رأي جمهور الفقهاء وعلى رأي (أبي حنيفة) وبعض فقهاء المذهب وفقهاء المالكية على أن فيهم من يقول (^٤) بالتخيير بينها وبين القيمة ويوافقهم بعض الحنابلة (^٥) والزيدية (^٦).
وإذا أردنا أن نتبين وجهة نظر هذا الفريق الثاني من الفقهاء الذين ذهبوا الى أن الغاصب إذا غيّر الشيء المغصوب يتملكه وليس للمالك إجباره على
_________________
(١) الروض النضير/الصنعاني/٦٣/ ٦٤:٤.
(٢) التاج المذهب/العنسي/٣٥٢:٣.
(٣) المحلى/١٤٢/ ١٤٣:٨.
(٤) المواهب/لابن الحطاب/٢٧٧:٥.
(٥) الإنصاف/المرداوي/١٥٠:٦.
(٦) البحر الزخار/لابن المرتضى/١٨١:٦.
[ ١٦٦ ]
رده فإنه يلزم أن نذكر أدلتهم وحججهم التي استندوا إليها ثم ننظر بعد ذلك في حجة الجمهور لنصير إلى رأي بعد ذلك.