ان المغصوب قد يحدث به نقص عند الغاصب اما باستعماله أو بغير استعماله وفي هذه الحالة فما هو الحكم هنا؟ وهل يجب عليه الضمان أم ماذا؟ هذا ما سنبحثه في هذه النقطة مستعرضين أقوال الفقهاء مستخلصين نتائج ذلك ومقارنين بما ذهب اليه القانون هنا.
عند استعراضنا لكلمات فقهاء الحنفية في المقام نجد:
ان الكاساني (^١) يقول: «. إذا سقط عضو من المغصوب وهو في يد الغاصب بآفة سماوية أو لحقه. عرج أو شلل. يأخذه المالك ويضمنه النقصان لوجود فوات جزء من البدن أو فوات صفة مرغوب فيها.» وقد علّل ذلك بقوله: «وهلاك كل المغصوب مضمون بكل القيمة فهلاك بعضه
_________________
(١) بدائع الصنائع/١٥٥:٧ وراجع ايضا الجوهرة النيرة/٣٤:١.
[ ١٧٨ ]
يكون مضمونا بقدره لما ذكرنا ان ضمان الغصب ضمان جبر الفائت فيتقدر بقدر الفوات».
وذكر أبو جعفر الطحاوي (^١): «إذا نقص المغصوب عند الغاصب في يديه فعلى الغاصب ضمان قيمة نقصانه للمغصوب منه يردها مع المغصوب على المغصوب منه».
وذكر في الفتاوى الكاملية (^٢): «لو غصب حمارا فعرج عنده فما الحكم؟ والجواب ما في البزازية عرج الحمار المغصوب في يد الغاصب ان كان يمشي مع العرج ضمن النقصان.».
وفي المذهب الشافعي:
ذكر الشافعي (^٣): «ولو اغتصبه زيتا فأغلاه على النار فنقص كان عليه ان يسلمه اليه وما نقص مكيلته.».
وذكر الرملي (^٤): «. ولو نقص بالاستعمال بأن بلى الثوب باللبس ففي الأصح انه يجب الأرش».
وهذا موافق لرأي الأحناف في وجوب ضمان النقصان:
وفي المذهب الحنبلي:
ذكر في المقنع (^٥): «وان نقص المغصوب نقصا غير مستقر كحنطة ابتلّت وعفنت خيّر ربها بين أخذ مثلها وبين تركها حتى يستقر فسادها ويأخذها وأرش نقصها.».
_________________
(١) مختصر الطحاوي/ص ١١٧.
(٢) ص ٢٠٨/ ٢١٠ وراجع ما في تحفة الفقهاء/لأبي الليث السمرقندي/ج ٣ ص ١١٥ ومختصر المسعودي/مخطوط /معهد الدراسات الإسلامية العليا/رقم ٩٨٥.
(٣) الام/٢٢٦:٣ وراجح المهذب/الشيرازي/٣٧٦:١.
(٤) نهاية المحتاج/١٧٠:٥.
(٥) .٢٣٩:٢ وراجع الإنصاف/المرداوي/١٥٨:٦.
[ ١٧٩ ]
وفي الإقناع (^١): «وان زرع الأرض فردها بعد أخذ الزرع فهو للغاصب وعليه أجرتها إلى وقت تسليمها وضمان النقص.».
وذكر ابن النجار (^٢): «ويضمن نقص مغصوب ولو رائحة مسك ونحوه.».
ومن هذه النصوص يتضح لنا ان فقهاء الحنابلة يوافقون الحنفية والشافعية فيما ذهبوا اليه من القول بضمان النقص الذي يطرأ على المغصوب وهو عند الغاصب.
وفي المذهب المالكي:
ذكر ابن جزي (^٣): «إذا نقص المغصوب عند الغاصب فصاحبه مخير بين ان يأخذ قيمته يوم الغصب ويتركه للغاصب وبين ان يأخذه ويأخذ قيمة النقص ان كان من فعل الغاصب وان كان من فعل الله لم يأخذ قيمة النقص.».
وذكر في تهذيب الفروق (^٤): «والنقصان الطارئ على المغصوب اما من قبل المخلوق واما من قبل الخالق كأن يكون بأمر من السماء وليس له في الثاني إلا يأخذه ناقصا أو يضمنه قيمته يوم الغصب. وقيل ان له ان يأخذه ويضمن الغاصب قيمة العيب واما الأول فأما ان يكون بجناية الغاصب أو بجناية غيره عليه وهو عنده فالمغصوب من الأول مخير في المذهب بين ان يضمنه القيمة يوم الغصب أو يأخذه وما نقصته الجناية يوم الجناية عن ابن القاسم وعند سحنون ما نقصته الجناية يوم الغصب.».
_________________
(١) .٣٣٩/ ٣٤٠:٢.
(٢) منتهى الإرادات/٥١٢:١.
(٣) القوانين/ص ٢٨٤ وراجع البهجة شرح التحفة/التسولي/٣٤٥:٢.
(٤) .٦٢:٤ وراجع الشرح الصغير/الدردير/٩٤:٤.
[ ١٨٠ ]
وفي المذهب الجعفري:
ذكر المحقق الحلي (^١): «انه إذا غصب شيئين تنقص قيمة كل واحد منهما عند الافراد عن صاحبه كالخفين فتلف أحدهما يردّ الباقي مع قيمة التالف مجتمعا فإذا فرض ان قيمة المجموع عشرة وكل منهما خمسة ومنفردا ثلاثة كان على الغاصب ردّ الباقي مع الخمسة.».
وذكر ايضا (^٢): «ولو حدث في المغصوب عيب مثل تسويس التمر أو تخريق الثوب ردّه مع الأرش ولو كان العيب غير مستقر كعفن الحنطة قال الشيخ: يضمن قيمة المغصوب ولو قيل برد العين مع أرش العيب الحاصل كان حسنا».
وذكر الشيخ مغنية (^٣): «وإذا حدث في المغصوب عيب كالحب يصيبه السوس والعفونة والثوب يصير خلقا. والحيوان يهزل أو يمرض أو يفقد عضوا من أعضائه. كل ذلك وما اليه لا يمنع من الرد بل يجب على الغاصب ان يرد المغصوب على عيبه المتجدد عنده مع الأرش ويدفع للمالك التفاوت بين قيمة المغصوب حين الغصب وقيمته حين الرد سواء أحدث العيب والنقصان بسبب الغاصب أو بسبب آخر».
ورأي فقهاء المذهب الجعفري موافق لرأي جمهور الفقهاء في تضمين النقصان الطارئ على المغصوب عند الغاصب.
وفي المذهب الزيدي نفس اتجاه الفقهاء:
_________________
(١) شرائع الإسلام/١٥٣:٢ وراجع المبسوط /الشيخ الطوسي/٧٢:٣ وراجع مسالك الافهام/الشهيد الثاني/ج ٢ طبعة حجرية، كفاية الأحكام/السبزواري/ج ٢ طبع حجر.
(٢) شرائع الإسلام/ج ٢/ ١٥٣.
(٣) فقه الامام الصادق/١٧:٣ وراجع مسالك الافهام/الشهيد الثاني/ج ٢ طبع حجر وكفاية الأحكام/السبزواري/ج ٢/طبع حجر.
[ ١٨١ ]
وذكر العنسي (^١): «ويجب على الغاصب أرش ما نقص من العين المغصوبة إذا كان بغير فعله ولو بأمر غالب كتهدم الدار وجرح الدابة وغرق السفينة وتحطم السيارة أو نحو ذلك فإنه يلزم الغاصب إذا ردّه بأرش ذلك النقصان.» ومن استعراضنا لكلمات الفقهاء نجد انهم على اختلاف مذاهبهم ومدارسهم الفقهية قد اتفقوا على تضمين الغاصب أرش نقصان ما يطرأ على المغصوب ما عدا فقهاء المالكية فقد ذهبوا الى تخيير المغصوب منه بين ترك المغصوب وأخذ قيمته يوم غصبه وبين أخذه وقيمة النقصان هذا في حالة كون النقصان من قبل الغاصب. اما إذا حدث النقصان بأمر من السماء فلا ضمان عليه في رأيهم (^٢).».
ورأي المالكية يرد عليه هنا انه مع وجود المغصوب لا مسوّغ لتضمين الغاصب كما قررنا غاية الأمر انه حدث فيه نقص وحيث يجب الضمان لو تلف كل المغصوب فكذا يضمن لو تلف بعضه.
وقد ذهب القانون المدني العراقي (^٣) هنا إلى رأي الجمهور «إذا نقصت قيمة المغصوب بسبب استعمال الغاصب إياه أو بفعله لزمه الضمان أي انه يكون المغصوب منه حق استرداد المغصوب والمطالبة بفرق القيمة وبالتعويض عن الإضرار الأخرى التي أصابت المغصوب بسبب الغصب.».
والى ذلك ذهب شراح المجلة (^٤).
_________________
(١) التاج المذهب لأحكام المذهب/٣٥٧:٣ وراجع الروض النضير/السياغي/٣: ٤٠٢.
(٢) البهجة شرح التحفة/التسولي/٣٤٥:٢، القوانين/لابن جزى/ص ٢٨٤.
(٣) محاضرات في المسؤلية المدنية/سليمان مرقص/ص ١٥٥، القانون المدني العراقي المادة (١٩٥).
(٤) شرح المجلة/منير القاضي/٢٣:١، درر الحكام/علي حيدر/الكتاب الثامن ص ١٢١٢.
[ ١٨٢ ]