ورد في تعريف الغصب في كتب اللغة:
أخذ الشيء ظلما (^١). وزاد آخرون (^٢) «وقهرا» تقديما على «ظلما» الواردة في التعريف المذكور أو تأخيرا.
وقيل (^٣): غصبه يغصبه غصبا أخذه قسرا وقهرا وقد يتعدى الى مفعولين فيقال غصبته ماله وقد يزاد (من) في المفعول الأول فيقال غصبت منه ماله.
وقيل (^٤) «هو أخذ الشيء من الغير لا تغلب متقوّما كان أو لا».
«وغصبه على الشيء قهره، وعصبه منه والاغتصاب مثله» (^٥).
والغصب: مصدر، والغاصب اسم فاعل جمعه غصاب وهي غاصبة» (^٦).
«وبابه ضرب تقول غصبه منه وغصبه عليه» (^٧).
التعريف اصطلاحا:
حتى نتبين المقصود بالغصب ونحدد مفهومه شرعا لا بدّ من استعراض كلمات الفقهاء على اختلاف مذاهبهم بهذا الخصوص.
_________________
(١) لسان العرب:٦٤٨:١. ط: دار صادر وبيروت، تاج العروس ٤١٣:١ ط الخيرية بمصر. مختار الصحاح ط ٤. الصحاح/الجوهري/١٩٤:١ دار الكتاب العربي.
(٢) تهذيب اللغة ٢٦:٨، معجم متن اللغة/احمد رضا/٢٩٨:٤. دار مكتبة الحياة، أقرب الموارد في فصح العربية والشوارد/الشرتوني/٨٧٤:٢.
(٣) فاكهة البستان/عبد الله البستاني/المطبعة الاميركانية ط ١/بيروت.
(٤) كشاف اصطلاحات الفنون/٥: ص ١٠٨٩.
(٥) راجع تاج العروس:٤١٣:١، المعجم الوسيط، ج ٢ مجمع اللغة العربية/ط مصر، والصحاح/الجوهري،١٩٤:١ دار الكتاب العربي.
(٦) المعجم الوسيط: ج ٢.
(٧) مختار الصحاح ط ٤.
[ ٢٦ ]
فلو رجعنا الى الفقه الحنفي لوجدنا تعريفات مختلفة ولو دققنا أكثر لرأينا ان الاختلاف جوهري.
فالكاساني (^١) ذكر أن أبا حنيفة وأبا يوسف قد ذهبا الى أن الغصب «إزالة يد المالك عن ماله المتقوّم على سبيل المجاهرة والمغالبة يفعل في المال».
وقد ذهب محمد بن الحسن الشيباني الى ان «الفعل في المال» ليس بشرط وهذا الاختلاف بين محمد والشيخين تنبني عليه تفريعات عديدة سنذكرها في محلها.
وذكر ابن غانم (^٢) تعريفا آخر للغصب يتحد في المعنى مع التعريف المتقدم إذ قال: «الغصب شرعا هو أخذ مال متقوّم محترم بلا اذن من له الإذن على وجه يزيل يده بفعل في العين».
ثم وضّح القيود الواردة في التعريف قائلا: فخرج بالقيد الأول أي - المال - الحرّ والميتة، وبالثاني خمر المسلم وبالثالث مال الحربي واحترز بالرابع عن الوديعة والقيد الخامس أي «بفعل في العين» لا بدّ منه على أصل الشيخين وبدونه ينطبق الحد على قول محمد فإنهما اعتبرا بالغصب إزالة اليد المحقة بإثبات اليد المبطلة بفعل في العين.
وأورد الموصلي (^٣) تعريفا آخر يتحد في معناه مع التعريفين المتقدمين إذ قال: «الغصب: هو أخذ مال متقوّم محترم مملوك للغير بطريق التعدي.
واشترط أبو حنيفة وأبو يوسف كون المغصوب قابلا للنقل والتحويل على وجه يتضمن تفويت يد المالك ولم يشترط ذلك محمد».
وهذا الخلاف بين أبي حنيفة وأبي يوسف من جهة وبين محمد بن الحسن
_________________
(١) بدائع الصنائع/١٤٣:٧.
(٢) مجمع الضمانات/ص ١١٧.
(٣) الاختيار لتعليل المختار/عبد الله الموصلي/٥٨:٣.
[ ٢٧ ]
الشيباني من جهة أخرى المنصب على اشتراط النقل عند الشيخين وعدمه عند محمد قد نقله غير واحد من فقهاء المذهب والظاهر أن قول محمد هو المختار.
عند متأخري المذهب (^١).
وقد اختلفت تعريفات فقهاء المذهب الشافعي من بعض الوجوه.
جاء في نهاية المحتاج (^٢): وشرعا: الاستيلاء على حق الغير عدوانا والاستيلاء مداره على العرف فليس منه منع المالك من سقي زرعه أو ماشيته حتى تلف فلا ضمان.
(على حق الغير) ولو كلبا وخمرا محترمين وشمل الاختصاصات كحق متحجر ومن قعد بنحو مسجد لا يزعج عنه. وعدوانا على وجه الظلم والتعدي فخرج به نحو مأخوذ بسوم وعارية.
وأورد زكريا الأنصاري (^٣) تعريفا مشابها لما تقدم ولكنه استبدل كلمة (بلا حق) بكلمة (عدوانا) وقد اعتبر بناء على هذا التعريف ركوب الدابة والجلوس على الفراش وإزعاج المالك عن داره ودخوله لها بقصد الاستيلاء غصبا.
ومثل هذا التعريف ورد في حاشية البجيرمي وقد عقّب عليه بقوله (ودخل في هذا التعريف: ما لو أخذ مال غيره يظنه ماله فإنه غصب وإن لم يكن فيه إثم) (^٤).
أما الأردبيلي (^٥) فقد جاء تعريفه للغصب أخص من الأول إذ قال:
(الغصب: الاستيلاء على مال الغير بعدوان).
_________________
(١) درر الحكام شرح مجلة الأحكام/علي حيدر/١١٦٧/الكتاب الثامن.
(٢) ج ٥/ص ١٤٣/الرملي.
(٣) منهج الطلاب/الأنصاري/مطبوع بهامش فتح الوهاب ج ١ ص ٢٣١.
(٤) حاشية البجيرمي ج ٣/ص ١٤٧/ ١٤٨.
(٥) الأنوار لإعمال الأبرار/ج ١ ص ٣٥٣.
[ ٢٨ ]
وهذا التعريف يردّ عليه:
انه غير جامع لأفراد المعرف لعدم دخول غصب الكلب وخمر الذمي والحقوق والاختصاص.
وقد اتفق فقهاء المذهب الحنبلي في تعريفهم للغصب مع فقهاء الشافعية، فقد عرفه ابن النجار (^١) بقوله: (الغصب: استيلاء غير حربي عرفا على حق غيره قهرا).
وهذا أوفق التعريفات كما حققه المرداوي في الإنصاف فقد ناقض قول من قال: «الغصب: هو الاستيلاء على مال الغير قهرا بغير حق» وهذا التعريف أورده صاحب المقنع (^٢) وجاء في المحرر ايضا (^٣).
قال في الإنصاف (^٤): «وليس بجامع لعدم دخول غصب الكلب وخمر الذمي والمنافع والحقوق والاختصاص، قال الحارثي وحقوق الولايات كمنصب الامارة والقضاء».
ويظهر من تعريف الشافعية والحنابلة عدم اشتراط النقل لتحقق مفهوم الغصب بل يكفي ان يضع يده على الشيء المملوك للغير عدوانا ليصير غاصبا.
فقد جاء في الروض المربع: «الاستيلاء عرفا على حق غيره مالا كان أو اختصاصا قهرا بغير حق» (^٥).
ويظهر لنا من خلال ذلك ان ركوب الدابة والجلوس على فراش الغير
_________________
(١) منتهى الإرادات/ج ١ ص ٥٠٨.
(٢) المقنع/لابن قدامة/٢٣٢:٢.
(٣) المحرر في الفقه/لأبي البركات/ص ٣٦١.
(٤) الإنصاف/المرداوي/ج ٦ ص ١٢١/ ١٢٤.
(٥) الروض المربع شرح زاد المستقنع/ج ٢ ص ٣٥٠.
[ ٢٩ ]
غصب وقد صرح بذلك في غاية المنتهى (^١) «واستيلاء كل شيء بحسبه فمن ركب دابة واقفه بلا اذن فغاصب».
وقد اتفق أغلب فقهاء المالكية مع فقهاء الشافعية والحنابلة في حد الغصب وأنه:
(أخذ رقبة الملك أو منفعته بغير اذن المالك على وجه الغلبة والقهر دون حرابة) (^٢).
وقد ناقش الدردير (^٣) من ذهب الى ان الغصب «أخذ مال قهرا بلا حرابة» بقوله: (أخذ مال: جنس يشمل الغصب وغيره وهو من اضافة المصدر لمفعوله والفاعل محذوف أي أخذ آدمي مالا والمتبادر من المال الذات فخرج به التعدي وهو الاستيلاء على المنفعة فقط كسكنى الدار وركوب دابة من غير استيلاء على ذات الدار والدابة.).
ولم يشترط في الأخذ حقيقته أي نقل الشيء كما ذهب الى ذلك أبو حنيفة وأبو يوسف بل (المراد بالأخذ الاستيلاء عليه ولو لم يأخذه بالفعل فمن استولى على مال شخص بأن منع ربه منه ولو لم ينقله من موضعه فهو غاصب (^٤).
وجاء في المواهب (^٥): (وقال في الذخيرة قال بعضهم: الغصب: رفع اليد المستحقة ووضع اليد العادية قهرا. وقيل وضع اليد العادية قهرا ويبني على التعريفين ان الغاصب غاصب على الثاني دون الأول لكونه لم يرفع اليد المستحقة).
_________________
(١) غاية المنتهى في الجمع بين الإقناع والمنتهى/ج ٢.
(٢) القوانين الفقهية/ابن جزى/ص ٢٨٢.
(٣) الشرح الصغير/سيدي أحمد الدردير/ج ٤ ص ٨٤/ ٨٥.
(٤) نفس المصدر/والصحيفة.
(٥) مواهب الجليل/لابن الحطاب/ج ٥ ص ٢٧٤.
[ ٣٠ ]
وعرف الغصب في المذهب الجعفري بعدة تعريفات.
فقد عرفه المحقق الحلبي (^١) بأنه: «الاستقلال بإثبات اليد على مال الغير عدوانا، ولا يكفي رفع يد المالك ما لم يثبت الغاصب يده فلو منع غيره من إمساك دابته المرسلة فتلفت لم يضمن أما لو قعد على بساطه أو ركب دابته ضمن».
وأورد الشهيد الثاني (^٢) في مسالكه التعريف المتقدم وعقب عليه بقوله:
«هذا تعريفه بحسب مفهومه شرعا وهو قريب من معناه اللغوي والمراد بالاستقلال الاستبداد به بغير مشارك. وينتقض لو اشترك اثنان في غصب مال بحيث يعجز كل واحد الاستقلال به منفردا».
وناقشه في الروضة (^٣) أيضا بعد ان أورد التعريف وقال: «فلو أبدل الاستيلاء بالاستقلال لشمل ما لو اشترك اثنان فصاعدا في غصب مال لصدق الاستيلاء مع المشاركة».
أما العلامة الحلي (^٤) فقد أورد التعريف المتقدم ثم أورد تعريفات أخرى قال: «وقيل: هو الاستيلاء على مال الغير بغير حق. ولا حاجة الى التقييد بالعدوان بل يثبت الغصب وحكمه من غير عدوان كما لو أودع ثوبا عند إنسان ثم جاء وأخذ ثوبا للمستودع على ظن أنه ثوبه وهذا أعم من الأوائل».
وناقش الشهيد (^٥) الثاني في الروضة من أبدل بغير حق بالعدوان. وقال
_________________
(١) شرائع الإسلام/١٥٠:٢.
(٢) مسالك الافهام/الشهيد الثاني/ج ٢/الطبعة الحجرية/ غير مرقم.
(٣) الروضة البهية شرح اللمعة الدمشقية/١٧/ ١٨:٧.
(٤) تذكرة الفقهاء/٣٧٢:١٣ طبع حجر.
(٥) الروضة البهية شرح اللمعة الدمشقية/١٧/ ١٨:٧/تحقيق كلانتر.
[ ٣١ ]
عنه: «ليس بجيد. بل الأجود الافتقار الى قيد العدوان الدال على الظلم وقد تلخص أن الأجود في تعريفه هو: «الاستيلاء على حق الغير عدوانا».
وقد خلص الى هذا التعريف الأخير بعد مناقشة التعاريف المتقدمة كما نقلنا ذلك عنه في مناقشته «للاستقلال».
وقد ناقش أيضا من أورد (المال) في تعريفه لأنه حينئذ: «لا يكون جامعا للأفراد كالتحجير وحق المسجد والمدرسة ونحوه» مما لا يعد مالا فإن الغصب متحقق. وكذا بالنسبة للحر الصغير والمجنون إذا تلف تحت يده بسبب كلدغ الحية فإنه يضمنه عند المصنف كما اختاره في الدروس فلو أبدل الحق بالمال لشمل جميع ذلك.
أما المذهب الزيدي:
فانا نلاحظ ان فقهاء المذهب قد اتفقوا مع جمهور الفقهاء في بيان حد الغصب:
فقد ذكر ابن المرتضى (^١): «الغصب: هو الاستيلاء على مال الغير عدوانا وإن لم ينو في الأصح».
وجاء في التاج المذهب (^٢): «هو الاستيلاء على مال الغير عدوانا وإن لم ينو المستولي الغصب بل أراد اللعب والمزاح، والاستيلاء هو إثبات اليد على الشيء والعدوان إثبات اليد لا بأذن الشرع وقد اتجه صاحب التاج الى التعريف الأجود فصوّب العبارة الواردة في الأزهار فقال: هو الاستيلاء على ما هو للغير. ليدخل في ذلك الحق فيثبت في غصب الحقوق».
_________________
(١) البحر الزخار/ج ٤ ص ١٤٤/ابن المرتضى.
(٢) التاج المذهب لأحكام المذهب/العنسي/ج ٣ ص ٣٤٣.
[ ٣٢ ]
وقد تناول صاحب الروض الغصب وعرفه بقوله: «هو الاستيلاء على مال الغير أو حقه عدوانا فلا تدخل السرقة لأنها اختلاس ويدخل في الاستيلاء استعمال عبد الغير وركوب دابته فإنه يضمن، وقيل وفيه الجلوس على فراش الغير إذا كان لمثله اجرة وتدخل في الحق المنافع كمنفعة الكلب والسرجين ويخرج بالعدوان المغانم وما انتزع من يد الغاصب للحفظ» (^١).
وأما ابن حزم الظاهري (^٢) فقد ذكر تعريفا يتحد في مضمونه مع تعريف الجمهور إذ قال: «الغصب أخذ الشيء بغير حقه ظلما».
وهذا التعريف أقرب الى التعريف اللغوي كما حققنا.