ان الغاصب إذا زرع الأرض المغصوبة ببذر منه وأدركها المالك وهي مزروعة فللفقهاء ثلاثة اتجاهات:
الأول: اتجاه بعض الحنفية والشافعية وبعض الجعفرية وجماعة من فقهاء الزيدية وبعض المالكية واحتمال عند الحنابلة (^١) وأولاء يرون ان الزرع للغاصب وعليه أجرة الأرض وما يحدث فيها من نقص.
ففي المذهب الحنفي:
ذكر ابن غانم (^٢): «. فان لم يحضر المالك حتى أدرك الزرع فهو للغاصب وللمالك تضمين نقصان أرضه.».
وفي المذهب الشافعي:
ذكر الأردبيلي (^٣): «ولو غصب أرضا وزرعها وجاء فضولي وكرب الأرض دون اذن مالكها لزمته قيمة الزرع للغاصب.».
وفي المذهب الجعفري:
ذكر الشيخ الطوسي (^٤): «فإن غصب أرضا فزرعها بحب نفسه كان الزرع له دون رب الأرض لأنه عين ماله زاد ونما كما لو غصب شعيرا فعلف به دوابه فسمنت فإنها له فإذا ثبت ان الزرع له فان
_________________
(١) المقنع/ابن قدامة/٢٣٤:٢، كشاف القناع/البهوتي/٨٠:٤.
(٢) مجمع الضمانات/ص ١٢٩ وراجع جامع الفصولين/لابن قاضي سماونة/٧٣:٢.
(٣) الأنوار لإعمال الأبرار/٣٦٤:١. تكملة المجموع شرح المهذب/المطيعي/٩١:١٤.
(٤) المبسوط /٩٩:٣ وراجع شرائع الإسلام/المحقق الحلي/١٥٦:٢ ومسالك الافهام الشهيد الثاني/٢: غير مرقم طبع حجر/كتاب الغصب.
[ ٢٢٤ ]
عليه اجرة مثلها - أي الأرض - من حين الغصب الى حين الرد لأن هذه المنافع مضمونة على الغاصب. وان نقصت الأرض فعليه أرش النقص».
وذكر الشيخ محمد جواد مغنية (^١): وإذا طلب المالك ان يبيعه الزرع.
فلا يجبر الغاصب على القبول فقد سئل الإمام الصادق ﵇ عن رجل زرع ارض رجل بغير اذنه حتى إذا بلغ الزرع جاء صاحب الأرض فقال زرعت ارضي بغير اذني فزرعك لي وعليّ ما أنفقت إله ذلك أم لا؟ فقال الامام الصادق ﵇ للزارع زرعه ولصاحب الأرض كراء أرضه.
وفي المذهب المالكي:
ذكر ابن جزي (^٢): «فان زرع في الأرض المغصوبة زرعا فإن أخذها صاحبها في ابان الزراعة فهو مخير بين ان يقلع الزرع أو يتركه للزارع ويأخذ الكراء. وقيل ليس له قلعه وله الكراء ويكون الزرع لزارعه».
وفي المذهب الزيدي:
ذكر ابن المرتضى (^٣): هذا الرأي قائلا: ومن غصب أرضا فزرعها ببذره فالزرع له لقوله ﵌: «الزرع للزراع وان كان غاصبا.» وقد نسب هذا الرأي إلى الهادي والمؤيد وأبو طالب وأبو العباس والفريقان بما رمز لكل منهم.
الاتجاه الثاني: وهو الذي يرى ان الزرع لمالك الأرض وعليه نفقته أي تعويض الغاصب ما أنفقه من بذر ومؤنة الزرع من حرث وسقي وغيرهما.
وهذا هو اتجاه جمهور الحنابلة وهو رأي الامام أحمد بن حنبل وهو اتجاه لبعض فقهاء الزيدية.
_________________
(١) فقه الامام الصادق/١٨:٣، المختصر النافع/المحقق الحلي/ص ٢٥٧.
(٢) القوانين/ص ٢٨٣/ ٢٨٤.
(٣) البحر الزخار/١٨٣:٤.
[ ٢٢٥ ]
فقد ذكر المرداوي (^١) من فقهاء المذهب الحنبلي ذلك بقوله: «. قال الحارثي: تواتر النص عن احمد: ان الزرع للمالك. وعليه جماهير الأصحاب وجزم به في الوجيز وغيره والزرع لرب الأرض. قال الزركشي: وهذا القول ظاهر كلام الإمام أحمد في عامة نصوصه. وعليه أي المالك النفقة وهي ما أنفق الغاصب من البذر ومؤنة الزرع من الحرث والسقي وغيرهما وهو المذهب.» واما رأي من ذهب من فقهاء الزيدية الى ذلك فقد ذكره ابن المرتضى (^٢) ونسبه الى القاسم وهو ما ذهب إليه في سبل السلام (^٣) وأيده ودلّل عليه.
وذكر الشوكاني (^٤) بعد نقل الحديث المتقدم «ان فيه دليل على ان من غصب أرضا وزرعها كان الزرع للمالك للأرض وللغاصب ما غرمه في الزرع يسلمه له مالك الأرض قال الترمذي: والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم.».
الاتجاه الثالث: هو ما ذهب اليه بعض الحنفية وجماعة من الحنابلة وبعض المالكية وجماعة من الجعفرية وهو القول بأن المالك مخيّر بين إبقاء الزرع في أرضه بأجرة وبين قلعه وعليه نفقته للغاصب.
ذكر ذلك ابن قاضي سماونة (^٥) من المذهب الحنفي قال: «لو غصب أرضا وزرعها ولم ينبت حتى جاء ربها فهو مخيّر لو شاء ترك بذره فيها بأجر المثل ولو شاء ضمن البذر للغاصب ولأبي الليث السمرقندي: لو شاء تركه حتى ينبت ثم يأمره بقلعه ولو شاء أعطاه ما زاد البذر فيها.».
_________________
(١) الإنصاف/١٣١:٦.
(٢) البحر الزخار/١٨٣:٤.
(٣) سبل السلام/٧٢:٣.
(٤) نيل الأوطار/٣٦٠:٥.
(٥) جامع الفصولين/٧٣:٢، خزانة الفقه/السمرقندي/ج ١ ص ٣١٩.
[ ٢٢٦ ]
وفي المذهب الحنبلي:
ذكر ابن قدامة (^١): «وان زرع الأرض فردها بعد أخذ الزرع فعليه أجرتها وان أدركها ربها والزرع قائم خيّر بين تركه الى الحصاد بأجرته وبين أخذه بعوضه».
وذكر ابن النجار (^٢) ايضا: «وان زرع الأرض فليس لربها بعد حصد إلا الأجرة ويخير قبله بين تركه اليه بأجرته أو تملكه بنفقته وهي مثل البذر وعوض لواحقه.».
وهذا الرأي لبعض فقهاء المالكية ايضا على ما ذكره ابن جزي (^٣).
وفي المذهب الجعفري:
ذكر الشهيد الثاني (^٤): «إذا زرع الغاصب الأرض المغصوبة فنماؤه له. قال ابن الجنيد يتخير المغصوب منه بين ان يدفع الى الغاصب نفقته على العين التي يحدثها ويأخذها وبين ان يتركها له» وقد ردّ على هذا الرأي ثم قال: نعم لمالك الأرض إزالة الغرس والزرع وان لم يبلغ أوانه. ويحكم بين ان يبقيه بأجرة وبين ان يتملكه ويغرم مثل البذر.
وهذا الرأي ذهب إليه أبو بكر جابر الجزائري (^٥).
هذه هي الاتجاهات الثلاث في الفقه الإسلامي بخصوص زراعة الأرض المغصوبة وقد احتج أصحاب كل اتجاه على رأيهم بأدلة سنذكرها. ولكن الذي يهمنا ان نذكره قبل ذلك ان الفقهاء يرون وجوب قلع الزرع من الأرض المغصوبة وتحميل الغاصب نتائج عمله بتضمينه ما يطرأ على الأرض من نقص.
_________________
(١) المقنع/٢٣٤:٢.
(٢) منتهى الإرادات/٥٠٩:١، غاية المنتهى/الكرمي/٢٣٥:٢.
(٣) القوانين/ص ٢٨٣.
(٤) مسالك الافهام/ج ٢/طبع حجر/ كتاب الغصب.
(٥) منهاج المسلم/باب الغصب/ط ٣ دار الفكر/بيروت/١٩٧١.
[ ٢٢٧ ]
سواء من يذهب الى ان الزرع للمالك فله قلعه والنظر فيما إذا يطرأ على الأرض نقص أم من يذهب الى ان الزرع للغاصب فإنهم أيضا يرون ان للمالك وجوب قلعه استنادا الى قوله ﵌: «ليس لعرق ظالم حق».
نلحظ ذلك بما ذكره ابن قاضي سماونة (^١) وابن غانم (^٢) من فقهاء المذهب الحنفي وما ذكره النووي (^٣) في المجموع وهو من الشافعية وفي المذهب الحنبلي ذكره صاحب مختصر الإنصاف (^٤) وذكره المحقق الحلي (^٥) من الجعفرية والعنسي (^٦) من الزيدية.
اما الآن فسنذكر أدلة كل فريق من الفقهاء:
استدل الذاهبون الى ان الزرع الذي زرعه الغاصب في الأرض المغصوبة إنما يكون لمالك الأرض وان ليس للغاصب شيء منه استدلوا على ذلك بما يأتي:
أولا - بما ورد عن رسول الله ﵌ قوله (^٧): «من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء ونرد عليه نفقته.» وهذا الحديث في رأيهم صريح في تقرير هذا الحكم ونفي أن يكون للغاصب ما زرعه في أرض الغير تعديا.
_________________
(١) جامع الفصولين/٧٣:٢.
(٢) مجمع الضمانات/ص ١٢٨/ ١٢٩.
(٣) تكملة المجموع شرح المهذب/٩١:١٤.
(٤) مختصر الإنصاف/لابن عبد الوهاب/باب الغصب/ص ٣٩٠.
(٥) شرائع الإسلام/٢/ ١٥٦.
(٦) التاج المذهب لأحكام المذهب/٣٥٦:٣.
(٧) أخرجه الساعاتي في الفتح الرباني/١٤٨:١٥ واستدل به المقدسي في العدة شرح العمدة/ص ٢٧٣ وهو من فقهاء المذهب الحنبلي، وأخرجه الشوكاني في نيل الأوطار/٥: ٣٥٩ كما ذكره الصنعاني في سبل السلام/٧٢/ ٧٣:٣ وقد استدل به ايضا على ما ذهب اليه. وذكره ابن حجر العسقلاني في بلوغ المرام/ص ١٩٠ وقد أخرجه عن رافع بن خديج/ط ٢ مصطفى البابي/مصر.
[ ٢٢٨ ]
ثانيا - «ان الزارع بأرض غيره ظالم ولا حق له بل يخير بين إخراج ما غرسه وأخذ نفقته عليه. والقول انه دليل على ان الزرع للغاصب حمل له على خلاف ظاهره وكيف يقول الشارع ليس لعرق ظالم حقه ويسميه ظالما وينفي عنه الحق ونقول بل له الحق (^١).».
هذه أهم الأدلة التي استدل بها أصحاب الاتجاه الثاني في الفقه الإسلامي.
أما أصحاب الاتجاه الأول والذين ذهبوا الى أن الزرع للغاصب وليس للمالك إلا اجرة الأرض فقد استدلوا بما يأتي:
أولا - بما رووه عن الرسول ﵌ من قوله: «الزرع للزارع وإن كان غاصبا».
وقد استدل به ابن المرتضى (^٢) من فقهاء الزيدية.
ونقل الشيخ محمد جواد مغنية (^٣) رواية عن الإمام الصادق ﵇ بنفس المضمون ذكرناها آنفا.
وهذا الحديث مع فرض تمام صحته صريح في تقرير ان الزرع للغاصب.
ثانيا - ان تملك مال الغير بغير إذنه يتوقف على دليل ناقل عن حكم الأصل: عموم قوله ﵌: «لا يحل مال امرؤ مسلم إلا عن طيب نفس منه».
وعلى هذا «فما دام الزرع نماء مال الغاصب فلا وجه لتمليكه لمالك (^٤) الأرض».
_________________
(١) هذا الدليل ذكره الصنعاني من الزيدية في سبل السلام/٧٢/ ٧٣:٣.
(٢) البحر الزخار/١٨٣:٤.
(٣) فقه الإمام الصادق (ع) /١٨:٣.
(٤) مسالك الافهام/الشهيد الثاني/ج ٢/طبع حجر. كشاف القناع/البهوتي/٨٠:٤.
[ ٢٢٩ ]
ثالثا - ان حديث «من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء».
يحتلم فيه وجوه منها:
أ - أنه أراد أنه زرع أرضهم ببذرهم (^١).
ب - أنه ليس له في الزرع حق الترك والاستبقاء بما بينه بقوله ﵌:
«ليس لعرق ظالم حق» (^٢).
وما استدل به الفريقان تردّ عليه أمور:
١ - ان ما استدل به أصحاب الاتجاه الثاني من قوله ﵌: «من زرع في أرض قوم. إلخ» يحتمل الوجوه التي ذكرها أصحاب الاتجاه الأول.
وعليه فيمكن عدم الاعتماد عليه في تقرير هذا الحكم.
٢ - ان حديث: «ليس لعرق ظالم حق» وإن كان قد ورد في مناسبة خاصة ذكرناها عند تخريج هذا الحديث إلا أنه يمكن إعطاءه صفة التعميم وعنده يمكننا أن نستند إليه أيضا في منع مالك الأرض من تملك ما زرعه الغاصب لأنه لا وجه له شرعا.
٣ - ما استدل به أصحاب الاتجاه الأول من قوله ﵌: «الزرع للزراع وإن كان غاصبا» لم يخرجه أحد من رواة الحديث على ما ذكره الصنعاني في سبل السلام (^٣) ولم أر تخريجه أيضا في كتب الحديث. وقال عنه الشوكاني: «ولم أقف على هذا الحديث فينظر فيه» وأما رواية الشيخ مغنية (^٤)
_________________
(١) البحر الزخار/١٨٣:٤.
(٢) تكملة المجموع شرح المهذب/المطيعي/٩١:١٤.
(٣) سبل السلام/٣: الغصب. نيل الأوطار/٣٦١:٥.
(٤) فقه الإمام الصادق/١٨:٣.
[ ٢٣٠ ]
فإنها إضافة الى معارضتها لما ورد عن الرسول ﵌ من قوله: «من زرع في أرض قوم. إلخ» فإنها غير صريحة في المقام.
وقد عقّب الشيخ (^١) بعد ذلك بقوله: «وتجدر الإشارة الى أن للمالك أن يجبر الغاصب على إزالة الزرع قبل أن ينضج وإن تضرر ضررا جسيما لأنه هو الذي سبب الإضرار لنفسه هذا بالإضافة إلى أجرة المثل مدة بقاء الزرع في الأرض».
وهذا لا يتسق مع ما أورده من الرواية.
ولذلك كله فنحن نرشح الاتجاه الثالث في الفقه الإسلامي الذي يذهب الى أن المالك مخير بين تملك الزرع بنفقته وبين تركه للغاصب مع استيفاء أجرة الأرض. وذلك للأسباب التالية:
١ - ان هذا الرأي يتفق مع روح العدالة التي يتحراها الفقه الإسلامي دائما ولأن فيه مصلحة الطرفين وعدم إلحاق الضرر بأي منهما ذلك لأن الغاصب وإن كان معتديا بوضع البذر والزرع في أرض الغير بدون إذنه إلا أنه لا ينبغي أن يقابل بعدوان مثله أي بمصادرة ملكه مطلقا وتمليك ما زرعه للمالك لأن هذا كما عرفنا لا وجه له شرعا. وأما من جهة المالك فإن إعطاءه حق التخيير بإبقاء زرع الغاصب في أرضه بأجرة أو بتملكه لقاء تعويض عادل للغاصب ان ذلك بمثابة إعادة تصرف المغصوب منه في ملكه تصرفا كاملا جريا مع قاعدة «الناس مسلطون على أموالهم».
٢ - ان هذا الرأي يتفق مع قاعدة «لا ضرر ولا ضرار» ويمكن أن يستند إليها.
٣ - ان هذا الرأي يحول بين ان يجني الغاصب ثمار غصبه في عين الوقت الذي يحفظ له حقه من الهدر.
_________________
(١) فقه الإمام الصادق «ع» /٣/ص ١٩.
[ ٢٣١ ]