ان المال المغصوب قد يمتزج ويختلط بغيره سواء حدث هذا الاختلاط لوحدة أم بفعل الغاصب.
وهنا نستطيع ان نشخص حالتين للامتزاج:
الاولى: الامتزاج بحيث يمكن تمييزه عن غيره وتخليصه منه.
الثانية: الامتزاج بحيث يتعذر تمييزه عن غيره وهنا يمكننا ان نلحظ ثلاث صور:
١ - الامتزاج بالمساوي.
٢ - الامتزاج بالأجود.
٣ - الامتزاج بالأردإ.
ونعالج هذه المسائل باستعراض آراء الفقهاء في المقام لنتبين حلولهم وآراءهم.
الحالة الاولى: وهي ما امتزج المال المغصوب بغيره وأمكن تمييزه عنه وتخليصه منه وان كان بمشقة. يرى الفقهاء هنا ان الغاصب ملزم بتخليص المال المغصوب وردّه الى مالكه لأن عين المغصوب موجودة فلا يصار الى التعويض بل يجب ردّها.
وهذا هو رأي فقهاء الشافعية (^١) والحنابلة (^٢) والجعفرية.
_________________
(١) المهذب/الشيرازي/ج ٣٧٨:١، منهج الطلاب المطبوع بهامش فتح الوهاب/الأنصاري/ ٢٣٦:١، الأنوار/الأردبيلي/٣٦٦:١، نهاية المحتاج/الرملي/١٨٣/ ١٨٤:٥.
(٢) الإقناع/الحجاوى المقدسي/٣٣٩:٢ وراجع المقنع/لابن قدامة/٢٣٣:٢.
[ ١٩٠ ]
والى نفس الرأي ذهب فقهاء المذهب الزيدي (^١) والظاهر ان فقهاء الحنفية يفصلون في هذا المقام ثم يختلفون بينهم «إلى انه إذا أمكن التمييز بين المخلوط وغيره بلا كلفة ومشقة كخلط الدراهم بالدنانير والبيض بالسود لا يضمن الخالط ويميز وهذا رأي الصاحبين اما إذا أمكن التمييز بكلفة ومشقة كخلط الحنطة بالشعير ذكر في الكتاب انه يضمن الخالط ولم يذكر الخيار للمالك نصا ثم اختلفوا قيل هذا قولهما وفي قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى لا يشترك لأن الحنطة لا تخلو عن حبات الشعير وقيل له الخيار عندهم جميعا وقيل الصحيح انهما لا يشتركان عندهم جميعا (^٢)».
الحالة الثانية: امتزاج المغصوب بغيره وتعذر تمييزه:
قلنا ان هذه الحالة على ثلاث صور اما ان يمتزج المغصوب بالمساوي أو يمتزج بالأردإ منه أو بالأجود. وسنعرض آراء فقهاء كل مذهب بهذا الخصوص يذهب فقهاء المذهب الحنفي «الى ان المغصوب إذا اختلط بغيره وكان هذا الغير من جنسه كخلط الحنطة بالحنطة واللبن باللبن فالخالط ضامن ولا حق للمالك في المخلوط عند أبي حنيفة اما عند الصاحبين فالمالك بالخيار ان شاء ضمنه مثل حقه وان شاء شاركه في المخلوط واقتسماه على قدر حقهما.
اما إذا خلطه بغير جنسه كخلط دقيق الحنطة بدقيق الشعير فالخالط ضامن ولا حق للمالك لأنه استهلاك وهذا بالإجماع عندهم (^٣).».
أما فقهاء المذهب الشافعي:
فقد ذكر الرملي (^٤): «ولو خلط المغصوب
_________________
(١) البحر الزخار لابن المرتضى/١٨٢:٤.
(٢) الفتاوى الهندية/ج ٥: ص ١١٧ وراجع حاشية ابن عابدين/١٦٦:٥.
(٣) راجع الفتاوى الهندية/١١٧:٥ كذا ذكر ابن عابدين في حاشيته على الدر المختار/ ١٦٦/ ١٦٧:٥.
(٤) نهاية المحتاج/١٨٣/ ١٨٤:٥.
[ ١٩١ ]
أو اختلط عنده بغيره. فإن تعذر التمييز كخلط زيت بمثله أو شيرج فالمذهب انه كالتالف فله تغريمه بدله سواء اخلطه بمثله أم بأجود أم بأردأ لأنه لما تعذر رده أبدا أشبه التلاف فيملكه الغاصب إن كان مما يقبل التملك».
وجاء في الأم (^١): «. ومن الشيء الذي يخلطه الغاصب بما اغتصب فلا يتميز منه أن يغصبه مكيال زيت فيصبّه في زيت مثله أو خير منه فيقال للغاصب ان شئت أعطيته مكيال زيت مثل زيته وإن شئت أخذ من هذا الزيت مكيالا. فإن كان صبّ ذلك المكيال في زيت شر من زيته ضمن الغاصب له مثل زيته بتصييره فيما هو شر منه وإن كان صبّ زيته في شيرق أو دهن أو سمن أو عسل ضمن في هذا كله لأنه لا يتخلص منه الزيت ولا يكون له أن يدفع اليه مكيالا مثله. قال ولو غصبه دقيقا فخلطه بدقيق أجود منه أو مثله أو أردأ كان كما وصفت في الزيت».
وهكذا يظهر من كلام فقهاء المذهب ان الغاصب إذا مزج المغصوب يجنسه فوجهان أحدهما: وهو المنصوص ان الخيار الى الغاصب لأنه لا يقدر على رد عين مالكه فجاز أن يدفع مثله كما لو هلك. والثاني: انه يلزمه أن يدفع اليه منه لأنه يقدر على دفع بعض ماله فلا ينتقل الى البدل. وان خلطه بأجود فإن بذل الغاصب للمغصوب منه بقدر المغصوب من المزيج لزمه قبوله وان بذل مثله من غيره فوجهان أحدهما لزوم القبول والثاني يباع الجميع ويقسم الثمن على قدر قيمتيهما لأنه بذلك يصل كل واحد منهما الى عين ماله وان خلطه بما دونه فإن طلب المالك منه بقدر ماله وامتنع الغاصب اجبر على الدفع لأنه رضي بأخذ حقه ناقصا وإن طلب مثله من غيره وامتنع الغاصب اجبر على
_________________
(١) الأم/الشافعي/٢٢٦:٣ وراجع أيضا الوجيز/الغزالي/٢١٢:١، المهذب/ الشيرازي/٣٧٨:١، الأنوار/الأردبيلي/ص ٣٦٦، واعانة الطالبين/البكري/١٤٠:٣، والفتاوى الكبرى/لابن حجر/٩٦/ ٩٧:٣.
[ ١٩٢ ]
دفع مثله لأن المخلوط دون حقه فلا يلزمه أخذه، ومن الأصحاب من قال يباع الجميع ويقسم الثمن بينهما على قدر قيمتيهما وان نقص فعلى الغاصب ضمانه (^١).
وذهب فقهاء الحنابلة الى «أن الغاصب إذا خلط المغصوب بماله على وجه لا يتميز منه مثل ان خلط حنطة أو زيتا بمثله لزمه مثله منه في أحد الوجهين وفي الآخر يلزمه مثله من حيث شاء وإن خلطه بدونه أو خير منه أو بغير جنسه لزمه مثله في قياس التي قبلها وظاهر كلامه انهما شريكان بقدر ملكيهما» (^٢).
وذكر المرداوي (^٣) ذلك أيضا ثم قال: «وهو المذهب وهو ظاهر كلام الإمام أحمد قال في القاعدة الثانية والعشرين، المنصوص في رواية عبد الله وأبي الحارث انه اشتراك فيما إذا خلط زيته بزيت غيره واختاره أبو حامد وابن عبدوس والمصنف».
وذكر أيضا (^٤): «وإن خلطه بدونه أو بخير منه أو بغير جنسه يعني على وجه لا يتميز لزمه مثله في قياس التي قبلها قال القاضي قياس المذهب يلزم الغاصب مثله. قال في الفروع فشريكان بقدر حقهما. وكذا ذكر في الإقناع (^٥) ثم قال: فيباع الجميع ويدفع الى كل واحد قدر حقه».
_________________
(١) المهذب/الشيرازي/ج ١ ص ٣٧٨.
(٢) المقنع/ابن قدامة/٢٤٠/ ٢٤١:٢. راجع كشاف القناع/البهوتي/٩٤:٤.
(٣) الإنصاف/١٦١:٦ وراجع العدة شرح العمدة/ص ٢٧٣ والمحرر/لأبي البركات/ ص ٣٦١: ونقل قول القاضي ان ما تعذر تمييزه كالتالف.
(٤) الإنصاف/١٦٣:٦.
(٥) الإقناع/الحجاوي/٣٤٦:٢ وراجع منتهى الإرادات/لابن النجار/ج ١ ص ٥١٣/ ٥١٤ وغاية المنتهى/الكرمي ٢٤١:٢.
[ ١٩٣ ]
وجاء في زوائد الكافي (^١): «وإذا خلط المغصوب بدونه فطلب المالك المثل فأباه الغاصب فهل يلزمه ذلك: وجهان»:
أما في المذهب الجعفري:
فقد ذكر المحقق (^٢) الحلي: «إذا غصب دهنا كالزيت أو السمن فخلطه بمثله فهما شريكان، وإن خلطه بأدون أو أجود قيل: يضمن المثل لتعذر تسليم العين وقيل يكون شريكان في فضل الجودة ويضمن المثل في فضل الرداءة إلا أن يرضى المالك بأخذ العين».
أما خلط المغصوب بغير جنسه فيعتبر استهلاكا ويضمن المثل. وذهب الشيخ الطوسي (^٣) إلى أنه إذا خلطه بجنسه وكان أجود منه فالغاصب بالخيار بين أن يعطيه من عينه أو مثله من غيره وإن باعه قسم الثمن بينهما على قدر كل. قال والصحيح إن هذا كالمستهلك فيسقط حقه من العين ويصير في ذمة الغاصب لأنه قد تعذر أن يصل الى عين ماله بعينها فانتقل إلى الذمة.
أما إذا خلطه بمثله فهو كالمستهلك والغاصب بالخيار بين أن يعطيه بكيله من عينه أو مثله من غيره وفي الناس من قال هو شريكه فيه يملك مطالبته بقسمته يأخذ مثل كيله منه وهو أقرب لأنه قدر على بعض عين ماله وبدل الباقي ولا معنى أن يجبر على مثل من غيره مع وجود بعض العين.
وفصل الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (^٤) من الفقهاء من الفقهاء المتأخرين هذه المسألة: فقال: «إذا امتزج المغصوب: فإن أمكن التميز فلا اشكال. وإلا
_________________
(١) ص ١٥٢/لابن عبيدان.
(٢) شرائع الإسلام/١٥٤:٢.
(٣) المبسوط /٧٩:٣.
(٤) تحرير المجلة/ج ٣ كتاب الغصب وراجع أيضا مسالك الافهام/الشهيد العاملي/ج ٢ طبع حجر وكفاية الأحكام/السبزواري/ج ٢ طبع حجر كتاب الغصب، الروضة البهية/ الشهيد الثاني/٥٥:٧ وفقه الإمام الصادق/محمد جواد مغنية/٢٢:٢.
[ ١٩٤ ]
فلا يخلو اما أن يمتزج بالمساوي: فيقسم ويأخذ كل واحد حقه أو يبقى على الشركة عينا لا قيمة. أو يمتزج بالأعلى فهو كما في المساوي لأن الزيادة الحاصلة صفة حصلت بفعل الغاصب عدوانا فلا يسقط حق المالك مع بقاء عين ماله كما لو صاغ النقرة وعلف الدابة فسمنت أو يمزجه بالأدنى فإن القول بالانتقال إلى القيمة أو المثل أقرب الى الصواب لأنه جمع بين الحقين».
أما في المذهب الزيدي:
فقد ذكر العنسي (^١): «ويملك الغاصب ما استهلكه بخلطه سواء خلطه بملكه أو بملك غيره حتى تعذر التمييز وليس من ذوات الأمثال المستوية جنسا ونوعا وصنعة وأما المختلف نوعه وصفته فيملكه كما مرّ مع تعذر التمييز».
وذكر ابن المرتضى (^٢): «. وخلط القيمي هنا بحيث لا يمكن تمييزه وهو لجماعة، استهلاك، إلا عند من أوجب في القيمي مثله. المذهب الزيدي، والناصر والمؤيد»:
لا خلط المثلي، بل يصير مشتركا فيقسم كيلا أو وزنا.
وذهب الهادي: إلى أنه استهلاك لالتباسه كالقيمي.
قلنا: لا يبطل حقه من العين مع قلة التفاوت.