سبق أن تكلمنا عن تصرفات الغاصب الفعلية أما الآن فسنتحدث على تصرفات الغاصب القولية.
ان وجود المغصوب في يد الغاصب من شأنه أن يغريه بالتصرف فيه مع احتياط الفقه في المقام وإيجابه رد المغصوب للحيلولة بين الغاصب وبين جني ثمار غصبه ولكن مدة بقاء المغصوب في يد الغاصب قد تكون كافية لممارسته كافة التصرفات.
وهنا يلزمنا أن نتعرف على رأي الفقهاء فيما لو تصرف الغاصب بالمغصوب.
وتصرفات الغاصب إما أن تكون من قبيل المعاوضات أو التبرعات وإما أن تكون عبادات كصلاة وحج ونحوها. وإذا كانت هذه النقاط ستشكل مدار البحث فإنه من الضروري أولا أن نتساءل: ترى هل يحق للغاصب بشكل من الاشكال أن يتصرف بالمال المغصوب؟ والذي يظهر لنا ان مما لا خلاف فيه بين الفقهاء في حرمة تصرف الغاصب بالمغصوب بأي نحو كان وقد تقدم في الباب الأول من هذه الرسالة مناقشة هذه النقطة واتضح لنا ان التصرف في ملك الغير بغير إذنه إنما هو أكل للمال
[ ٢٠٦ ]
بالباطل وهو ما نهى عنه القرآن الكريم في كثير من الموارد منها على سبيل الخصوص قوله تعالى ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ﴾ (^١).
وأما الأحاديث الشريفة فقد صرحت بعدم جواز التصرف في ملك الغير بغير إذنه بأي نحو من أنحاء التصرفات. ومنها:
١ - قوله ﵌ (^٢): «لا يحلبنّ أحد ماشية أحد بغير إذنه، أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته (كالغرفة يخزن فيها الطعام) فتكسر خزانته فينتثل طعامه (أي ينثر ويستخرج) فإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم فلا يحلبنّ أحد ماشية أحد إلا بإذنه».
٢ - عن أبي سعيد الخدري (^٣): «قال: قال رسول الله ﵌: لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحل صرار ناقة بغير إذن أهلها».
٣ - (^٤) - عن عاصم بن كليب عن أبيه ان رجلا من الأنصار أخبره قال:
خرجنا مع النبي ﵌ فلما رجع استقبله داعي امرأة فجاء وجيء بالطعام
_________________
(١) البقرة/١٨٨.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه،٣٨:٢ عن عبد الله بن مسلمة عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر عن رسول الله (ص). وأخرجه البيهقي في السنن:٩٢:٦ عن نافع أيضا عن ابن عمر. وجاء الحديث نفسه في الفتح الرباني/١٤٢:١٥ عن ابن عمر. وذكره عن أبي هريرة مع اختلاف في اللفظ.
(٣) الفتح الرباني/١٤٦:١٥.
(٤) جاء هذا الحديث في المنتقى من اخبار المصطفى/لابن تيمية/٤٠٩:٢. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد:١٧٢/ ١٧٣. وفي الفتح الرباني/الساعاتي/١٤٦:١٥ روى هذا الحديث عن عاصم أيضا ورواه عن جابر بن عبد الله.
[ ٢٠٧ ]
فوضع يده ثم وضع القوم فأكلوا فنظر آباؤنا رسول الله ﵌ يلوك لقمة في فمه ثم قال أجد لحم شاة أخذت بغير إذن أهلها فقالت المرأة يا رسول الله اني أرسلت إلى النقيع يشتري لي شاة فلم أجد فأرسلت الى جار لي قد اشترى شاة ان أرسل بها إليّ بثمنها فلم يوجد فأرسلت الى امرأته فأرسلت إليّ بها فقال رسول الله ﵌: اطعميه الأسارى.
ومن منطوق هذه الأحاديث الشريفة يتضح لنا عدم جواز تصرف الغاصب في المال المغصوب مهما كان هذا التصرف.
وقد اجمع فقهاء المذاهب الإسلامية على حرمة التصرف في ملك الغير وأمواله بدون إذنه. كما يفهم ذلك من تحريمهم الصلاة في الأرض المغصوبة أو في الثوب المغصوب باعتباره تصرفا في المغصوب بدون إذن المالك.
وسنذكر ذلك تفصيلا في المبحث الثالث من هذا الفصل.