يعتبر الغصب سببا من أسباب الضمان في الفقه الإسلامي وأسباب الضمان كثيرة إلا ان أشهر أصول الضمانات وأكثرها وقوعا وأوسعها فروعا أربعة:
هي: اليد، الإتلاف، الالتزام، الغرور. والذي يعنينا هنا ان نتعرض الى (اليد) باعتبارها من أسباب الضمان.
ذكر القرافي (^١) من فقهاء المذهب المالكي: «ان أسباب الضمان ثلاثة فمتى وجد واحد منها وجب الضمان. ومتى لم يوجد لم يجب. ثالثهما: وضع اليد غير المؤتمنة فيندرج في غير المؤتمنة يد الغاصب.» وقد اتفق الفقهاء على اعتبار الغصب موجبا للضمان كما أشرنا الى ذلك عند التحقيق في تعريفه ونستعرض هنا كلمات الفقهاء بهذا الخصوص لنتبين هذه الحقيقة بوضوح:
ذكر الكاساني (^٢) من فقهاء الحنفية: «ان وقت وجوب الضمان هو وقت وجود الغصب لأن الضمان يجب الغصب ووقت ثبوت الحكم وقت وجود سببه».
وذكر المرغيناني (^٣): «ان حكم الغصب ان كان مع العلم فحكمه المأثم والمغرم وان كان بدونه فالضمان لأنه حق العبد فلا يتوقف على قصده».
وفي المذهب الشافعي:
ذكر الشيرازي (^٤) ان: «من غصب مال غيره وهو من أهل الضمان في حقه ضمنه لما روى سمرة ان النبي ﵌ قال: «على اليد ما أخذت حتى ترده».
_________________
(١) الفروق/٢٧:٤.
(٢) بدائع الصنائع/١٥١:٧.
(٣) الهداية شرح البداية/١١/ ١٢:٤ وراجع خزانة الفقه/٣١٨:١ تحقيق الدكتور الناهي. وراجع تحفة الفقهاء/السمرقندي/ج ٣ ص ١١٣.
(٤) المهذب/٢٧٤:١ وكذا جاء في تكملة المجموع شرح المهذب/المطيعي/٥٩:١٤.
[ ١١٨ ]
وفي المذهب الحنبلي:
ذكر في العدة (^١): «ومن غصب شيئا فعليه ردّه لقوله ﵌: على اليد ما أخذت حتى تؤدي وعليه اجرة مثله مدة مقامه في يده لأنه فوّت عليه منفعته والمنافع لها قيمة فيضمنها كالأعيان».
وفي المذهب المالكي:
نقلنا قول القرافي في صدر البحث وقد قال ابن رشد (^٢) ايضا: «ان الموجب للضمان أما المباشرة لأخذ المال أو لإتلافه وأما لإثبات اليد عليه».
وفي المذهب الجعفري:
ذكر الشيخ الطوسي (^٣): «ان المنافع تضمن بالغصب كالأعيان مثل منافع الدار والثياب».
وذكر الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء (^٤): «ان أسباب الضمان كثيرة. ومنها اليد والمراد بها: الاستيلاء على مال الغير بغير حق يعني بغير اذن من المالك ولا الشارع فان كان عالما عامدا مختارا فهو عدوان محرم مضاف إلى أثره الوضعي من لزوم دفع غرامته ولو تلف وهو الغصب المعروف وان لم يكن كذلك فلا حرمة بل عليه الضمان فقط».
وفي المذهب الزيدي:
ذكر العنسي (^٥): «ولو كان الفاعل للغصب جاهلا أو ناسيا أو صبيا فيلزمه أحكام الغصب الدنيوية وهي الضمان ولزوم الاستفداء وسائر الأحكام لا الإثم فهو مرفوع عن هؤلاء.»
_________________
(١) العدة شرح العمدة/المقدسي/ص ٢٧١.
(٢) بداية المجتهد ونهاية المقتصد/٣١٦:٢.
(٣) الخلاف/١٧٠:٢.
(٤) تحرير المجلة ج ٣ وراجع أصول الإثبات/مغنية/ص ١٣٧.
(٥) التاج المذهب لأحكام المذهب.
[ ١١٩ ]
وقد ذكر الأستاذ منير القاضي (^١) في شرح المجلة: «انه قد ذهب الفقهاء في وجوب الضمان في حالة وضع اليد الى مذهبين:
مذهب يقول بأن الضمان يكون في الأعيان فقط دون المنافع وهذا هو مذهب أبي حنيفة وقد أخذت به المجلة، ومذهب يقول بأن الضمان يكون على حد سواء في الأعيان والمنافع وهذا هو مذهب أكثر الفقهاء من غير الحنفية كما أنه هو الرأي الذي أخذت به القوانين المدنية الغربية.» وأهم الأدلة التي استند إليها الفقهاء في القول بسببية النصب للضمان هي:
أولا: القاعدة الشريفة (^٢) التي هي بالأصل حديث نبوي وهي: «على اليد ما أخذت حتى تؤدي.» وقد لا حظنا اعتماد الفقهاء عليها عند استعراضنا لكلماتهم في المقام والظاهر ان جهة الاستدلال بهذه القاعدة يتركز فيما يلي:
«ان ظاهر الحديث يشير الى ان ما أخذته اليد على عهدتها أي ان المال المأخوذ الذي صار تحت اليد والاستيلاء على عهدة اليد والذي أخذه وهذا هو عين الضمان، وعليه فالمال الذي وقع تحت اليد العادية على احتمال أو يد غير المأذون على احتمال آخر مع أنه موجود خارجي يعتبر في عهدة الآخذ ومستقر في ذمته بوجوده الاعتباري الى ان يؤدي (^٣).» ثانيا: ان الإجماع يكاد ان يكون معقدا على اعتبار الغصب سببا من
_________________
(١) شرح المجلة ج ١ ص ١٢٨.
(٢) أورد هذا الحديث شهاب الدين ابن حجر العسقلاني في «الدراية بتخريج أحاديث الهداية» ج ١ ص ٢٠٠ وقال عنه أخرجه الأربعة والحاكم واحمد والطبراني وكلهم من رواية الحسن عن سمرة.
(٣) القواعد الفقهية/ الميرزا حسن البجنوردي/١٤٩:١ وما بعدها.
[ ١٢٠ ]
أسباب الضمان وقد نقلنا كلمات الفقهاء بالخصوص ومنه نستظهر مثل هذا الإجماع.
ثالثا: ان القول بوجوب الضمان بمجرد وضع الغاصب يده على المغصوب يتفق مع النزعة الفقهية ومبادئ الشريعة التي تنص على حرمة التصرف بملك الغير أو التجاوز عليه بأي شكل من الأشكال.
رابعا: ان مثل هذا الإلزام سوف يضع الغاصب وجها لوجه أمام مسؤليته المدنية في ضمان المغصوب مما قد يضطره الى التحلل من هذه المسؤلية فيبادر الى ردّ المغصوب وهو ما تستهدفه الشريعة.
خامسا: ان هذا الضمان اضافة إلى أنه سيكون بمثابة ملاحقة للغاصب وقطع الطريق عليه حتى لا يجني ثمار غصبه أو يستغل المغصوب بشكل أو بآخر اضافة الى ذلك فإنه سيكون ولا ريب عاملا فعالا في زرع التهيب والنفرة من التعدي على أموال الناس وحقوقهم.