قلنا ان الغاصب يلزمه الضمان بوضع يده على المغصوب واستيلائه عليه.
وهنا فلو استولى على المغصوب شخص آخر بأي نحو من الأنحاء فهل يجب عليه الضمان أيضا فيكون للمالك الحق في مطالبته إما برد العين وتسليمها أو ببدلها ان تلفت؟ وهل يجب الضمان مطلقا بدون قيود؟ وإذا ألزمه المالك بالضمان فهل يرجع على أحد؟ هذه المسائل سنتعرض لها عند هذه النقطة من البحث لعلاقتها بصميم بحثنا.
وعندما نبدأ الحديث عنها فإنما نجري على طريقتنا في استعراض كلمات الفقهاء في المقام لاستخلاص آرائهم:
ففي المذهب الحنفي:
ذكر الكاساني (^١): «. ولو غصب من إنسان شيئا فجاء آخر وغصبه منه فهلك في يده فالمالك بالخيار إن شاء ضمن الأول وإن شاء ضمن الثاني فلأنه فوت يد الأول. لأنه وجد من كل واحد منهما سبب الضمان إلا أن المضمون واحد فخيرنا المالك لتعين المستحق فإن اختار أن يضمن الأول رجع هو بالضمان على الثاني لأنه ملك المغصوب من وقت غصبه فتبين أن الثاني غصب ملكه وان اختار - أي المالك - تضمين الثاني فلا يرجع على أحد لأنه ضمن بفعل نفسه».
_________________
(١) بدائع الصنائع/١٤٤:٧.
[ ١٤٩ ]
وفي الذهب الشافعي:
ذكر الشيخ زكريا الأنصاري (^١): «وضمن آخذ مغصوب من الغاصب وإن جهل الغصب وكانت يده أمينة تبعا لأصله والجهل وان أسقط الإثم لا يسقط الضمان. وقال: والقرار عليه أي على آخذه أن تلف عنده كغاصب من غاصب فيطالب بكل ما يطالب به الأول ولا يرجع على الأول إن غرم ويرجع عليه الأول إن غرم إلا إذا كانت القيمة في يد الأول أكثر فيطالب بالزائد الأول فقط».
وفي المذهب المالكي:
ذكر سيدي أحمد الدردير (^٢): «وآكل من طعام مغصوب علم بأنه مغصوب فإنه يضمن لربه ما أكله ولربه الرجوع عليه ابتداء لأنه بعلمه الغصب صار غاصبا كغيره. ويغرم أولهما يسارا ومن أخذ منه الغرامة لا يرجع على صاحبه».
وفي المذهب الحنبلي:
ذكر البهوتي (^٣) انه: «متى انتقلت العين المغصوبة عن يد الغاصب الى غير المالك لها فالمنقلة إليه بمنزلة الغاصب في كون المالك يملك تضمين العين والمنفعة لأنه ان كان عالما بالحال كان غاصبا وإن كان جاهلا فلعموم قوله ﵌: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» ولأن العين المغصوبة صارت في يده بغير حق فملك المالك تضمينه كما يملك تضمين الغاصب لكن إنما يستقر عليه ما دخل ضمانه من عين أو منفعة وما عداه فعلى الغاصب ان لم يعلم».
_________________
(١) منهج الطلاب المطبوع بهامش حاشية البجيرمي/١١٤:٣.
(٢) الشرح الصغير/٨٦:٤.
(٣) كشاف القناع/٩٩:٤ وراجع المحرر في الفقه/لأبي البركات/ص ٣٦٢.
[ ١٥٠ ]
وهذا يفهم منه ان الأيدي المتعاقبة على المغصوب أيدي ضمان سواء علموا أم جهلوا.
وفي المذهب الجعفري:
ذكر المحقق (^١) الحلي: لو تعاقبت الأيدي الغاصبة على المغصوب تخير المالك في إلزام أيهم شاء أو إلزام الجميع بدلا واحدا.
وذكر الشهيد الثاني (^٢): «والأيدي المتعاقبة على المغصوب أيدي ضمان سواء علموا جميعا بالغصب أم جهلوا لتحقق التصرف في مال الغير بغير إذنه فيدخل في عموم على اليد وان انتفى الإثم عن الجاهل فيتخير المالك في تضمين من شاء ويرجع الجاهل منهم بالغصب إذا رجع المالك عليه على من غره فسلطه على العين أو المنفعة ولم يعلم بالحال وهكذا الآخر الى ان يستقر الضمان على الغاصب العالم».
وفي المذهب الزيدي:
ذكر ابن المرتضى (^٣): «ان من قبض مغصوبا ولو جاهلا بغصبه ضمنه ولا يبرأ برده الى الغاصب».
ومن هذه النصوص المتقدمة نفهم أن حكم غاصب الغاصب هو نفس حكم الغاصب الأول من حيث ترتب الضمان والالتزام برد المغصوب الى مالكه. غاية الأمر أن غاصب الغاصب مع العلم بالغصبية فإنما يستحق الإثم مع الضمان وأما ان كان جاهلا فإنما عليه الضمان فحسب لعموم قوله: ﵌: «على اليد ما أخذت حتى تؤدي».
_________________
(١) شرائع الإسلام/١٥٠:٢.
(٢) الروضة البهية شرح اللمعة الدمشقية/٢٥/ ٢٦:٧ وكذا جاء في كفاية الأحكام السبزواري/ج ٢/طبع حجر، وفي مسالك الافهام/الشهيد الثاني/ج ٢/طبع حجر.
(٣) البحر الزخار/١٧٩:٤.
[ ١٥١ ]
وبنفس هذا الاتجاه الفقهي أخذ القانون المدني العراقي (^١) فقد جاء في المادة (١٩٨) منه:
«غاصب الغاصب حكمه حكم الغاصب فإذا غصب أحد من الغاصب المال المغصوب وأتلفه أو تلف في يده فالمغصوب منه مخيّر ان شاء ضمنه الغاصب الأول وإن شاء ضمنه الغاصب الثاني فإذا ضمن الغاصب الأول كان لهذا أن يرجع على الثاني وإذا ضمن الثاني فليس له أن يرجع على الأول».
وإلى ذلك ذهب القضاء الاردني (^٢) كما جاء في استئناف القضية رقم ٢٠ لسنة ١٩٥٣ وقد أشارت المحكمة الى عدة مبادئ قانونية تتعلق بالموضوع منها:
١ - غاصب الغاصب من حيث ترتب الضمان هو في حكم الغاصب نفسه.
٢ - عبارة غاصب الغاصب تعني كل شخص انتقل اليه المال المغصوب من الغاصب الأول.