قلنا ان المغصوب يجب رده الى المغصوب منه إن كان قائما عند الغاصب ولكن قد يتعذر أحيانا رد المغصوب بأي شكل من الأشكال وعنده يضمن الغاصب البدل فإن كان مثليا فمثلي وإن قيميّا فقيمي:
والذي يظهر لنا من استعراض كلمات الفقهاء في المقام ان المغصوب إن كان باقيا وتعذر رده فإنه حينئذ يصار الى البدل.
ففي المذهب الحنيفي:
جاء في شرح المجلة:
«لو خلط الغاصب الحنطة المغصوبة أو خلط الشعير المغصوب بحنطة فيكون قد استهلك الحنطة أو الشعير ويلزمه ضمان البدل» (^١).
وذكر ابن عابدين (^٢) انه: «ولو ابتلع لؤلؤة فمات لا يشق بطنه لأن حرمة الآدمي أعظم من حرمة المال وقيمتها في تركته». وفي الشرح جاء:
قوله: (فمات) فلو بقي حيا يضمن قيمتها ولا ينتظر الى ان تخرج منه.
وجاء في روضة الفقهاء (^٣): «ولا فرق بين ان يتعذر الرد على المالك بفعل الغاصب أو بفعل الله تعالى أو بفعل غيره من الناس لأن الغصب يقتضي الضمان عند تعذر رد العين وهو مأمور برد العين الى مالكها وترك التعدي».
وفي المذهب الشافعي:
ذكر الشيرازي (^٤) انه: «ان غصب جوهرة
_________________
(١) دور الحكام شرح مجلة الأحكام/علي حيدر/الكتاب الثامن/ص ١١٨٢.
(٢) حاشية ابن عابدين/١٦٨:٥.
(٣) روضة الفقهاء/السمناني/مخطوط /بتحقيق الدكتور الناهي.
(٤) المهذب:٣٨٠ وكذا جاء في الأنوار لإعمال الأبرار/الأردبيلي/ص ٣٦٣.
[ ١١٢ ]
فبلعتها بهيمة له للغاصب فلو كانت البهيمة مما لا تؤكل ضمن قيمة الجوهرة لأنه تعذر ردها فضمن البدل.
وجاء أيضا: «وإن ذهب المغصوب من اليد وتعذر رده بأن كانت بهيمة فضلت كان للمغصوب منه المطالبة بالقيمة لأنه حيل بينه وبين ماله فوجب له البدل كما لو تلف وإذا قبض البدل ملكه لأنه بدل ماله فملكه كبدل التالف ولا يملك الغاصب المغصوب لأنه لا يصح تملكه بالبيع بالتضمين كالتالف فإن رجع المغصوب وجب رده على المالك».
وفي المذهب الحنبلي:
ذكر المرداوي (^١) في الإنصاف: «وإن غصب فرسا فشرد أو شيئا تعذر رده مع بقائه ضمن قيمته فإن قدر عليه بعد رده أخذ القيمة. هذا المذهب وعليه الأصحاب».
وذكر ابن قدامة انه (^٢): «ان غصب فرسا فشرد أو شيئا تعذر رده مع بقائه ضمن قيمته».
وفي المذهب الجعفري:
قال المحقق الحلي (^٣): «وإذا تعذر تسليم المغصوب دفع الغاصب البدل ويملكه المغصوب منه ولا يملك الغاصب العين المغصوبة ولو عادت كان لكل منهما الرجوع».
_________________
(١) الإنصاف:١٩٩:٦.
(٢) المقنع:٢٤٩:٢ وكذا في العدة شرح العمدة/لبهاء الدين المقدسي/ص ٢٧٣، وفي كشاف القناع/البهوتي/٨٥/ ٨٦:٤.
(٣) شرائع الإسلام/١٥٣:٢ وراجع مسالك الافهام/الشهيد الثاني/طبع حجر/ج ٢/ غير مرقم.
[ ١١٣ ]
وفي المذهب الزيدي:
ذكر العنسي (^١) أنه: «إذا تعذر الرد لزم قيمة الحيلولة فأي شيء مغصوب من المنقول خرج من يد الغاصب وتنوسخ أي تنوقل فتعذر على الغاصب رده لمالكه في الحال ضمن قيمته لمالكه ولا يشترط الإياس من عوده».
وذكر ابن المرتضى (^٢): قال: «ولو ابتلع الغصب حيوان لا يؤكل غرّم الغاصب قيمة الغصب».
وعليه فيظهر من ذلك اتفاق كلمة الفقهاء هنا على أنه حين تعذر رد المغصوب وتحقق ذلك يصار إلى التعويض.
وبهذا جاءت القاعدة الفقهية: «إذا بطل الأصل يصار الى البدل (^٣) أي أن الشيء الواجب الإيفاء به إذا تعذر إيفاؤه بنفسه لسبب ما فإنه يجب إيفاء بدله لأن البدل قائم مقام المبدل معنى».