ذكرنا في المبحثين المتقدمين كيفية ضمان المغصوب لو نقصت قيمته أو زادت بسبب تغير الذات أو الصفات وحديثنا هنا سيكون منصبا على تغير قيمة المغصوب بسبب نقصان السعر.
ونستعرض أقوال الفقهاء بهذا الخصوص:
في المذهب الحنفي:
ذكر المرغيناني (^١): «وإن نقص في يده ضمن النقصان لأنه يدخل جميع اجزائه في الضمان بالغصب فما تعذر رد عينه يجب رد قيمته بخلاف تراجع السعر، إذا رد في مكان الغصب لأنه عبارة عن فتور الرغبات دون فوت الجزء».
وذكر الكاساني (^٢): «. ونقصان السعر ليس بنقصان المغصوب بل لفتور يحدثه الله تعالى عزّ شأنه في قلوب العباد لا صنع للعبد فيه فلا يكون مضمونا».
ومن هذه النصوص يظهر ان فقهاء الأحناف لا يقولون بتضمين الغاصب النقصان الذي يطرأ على المغصوب بسبب تراجع السعر.
وفي المذهب الشافعي:
ذكر الشافعي (^٣): «ولو غصبه جديدا قيمته عشرة ثم ردّه جديدا
_________________
(١) الهداية/٤.
(٢) البدائع/١٥٥:٧ وكذا راجع الجوهرة النيرة لمختصر القدوري/٣٤٠:١ وراجع مختصر المسعودي/ص ١٢٣.
(٣) الام/٢٢١:٣.
[ ١٨٣ ]
قيمته خمسة لرخص الثياب لم يضمن شيئا من قبل أنه ردّه كما أخذه».
وذكر الرملي (^١): «ولو ردّ المغصوب ناقص القيمة بسبب الرخص لم يلزمه شيء لبقائه بحاله والفائت رغبات الناس».
وذكر الأردبيلي (^٢): «نقصان القيمة بانخفاض السوق لا يضمن إذا لم ينضم اليه تلف الجزء فإن انضم ضمن».
وهذه النصوص التي نقلناها عن فقهاء الشافعية تشير بوضوح الى عدم تضمين الغاصب نقصان السعر وهو رأي الفقه الحنفي كما ذكرنا.
وذهب فقهاء الحنابلة الى هذا الرأي متفقين مع الحنفية والشافعية.
ذكر المرداوي (^٣): «وان نقصت العين أي قيمة العين لتغير الأسعار لم يضمن. نص وهو المذهب وعليه جماهير الأصحاب».
وذكر الحجاوي المقدسي (^٤): «وان نقصت قيمة العين بتغير السعر لم يضمن سواء ردت العين أو تلفت».
وفي المذهب المالكي:
ذكر الدردير (^٥): «أو نقص سوقها فليس بفوات ويتعين عليه أخذه».
وهذا الرأي موافق لرأي الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة.
وفي المذهب الجعفري:
ذكر الشيخ الطوسي (^٦): «. إذا غصب ثوبا
_________________
(١) نهاية المحتاج/١٧٢/ ١٧٣:٥. وراجع الوجيز/الغزالي/٢١٠:١.
(٢) الأنوار/ص ٣٦٥ وكذا راجع المهذب/الشيرازي/٣٧٤:١.
(٣) الإنصاف/١٥٥:٦.
(٤) الإقناع/٣٤٥:٢ وراجع أيضا: كشاف القناع/البهوتي/٩١:٤، منتهى الإرادات/٥١٣:١.
(٥) الشرح الصغير/٩٤:٤ وراجع المدونة/٦٠:١٤.
(٦) المبسوط /٧٢:٣.
[ ١٨٤ ]
قيمته عشرة دراهم فزادت قيمته لزيادة السوق فبلغت عشرين ثم عادت قيمته إلى عشرة أو دونها نظرت فإن هلك الثوب قبل الرد فعليه قيمته أكثر ما كانت من حين الغصب الى حين التلف وإن لم يتلف وكان قائما بحاله رده ولا يرد ما نقص من القيمة لأنه لا دليل عليه».
وكذا ذكر في المسألة (١٥) من كتابه الخلاف وعقب عليه بقوله (^١):
«وبه قال جميع الفقهاء والدليل ان الأصل براءة الذمة فمن علق عليها شيئا فعليه الدلالة».
وذكر المحقق الحلي (^٢): «. ومع ردّه - أي المغصوب - لا يرد زيادة القيمة السوقية».
وفي المذهب الزيدي:
ذكر في التاج (^٣): «. الا نقصان السعر فإنه لا يضمنه كما لو غصب دابة قيمتها مائتا درهم فردها وقيمتها مائة فقط لم يلزمه ما نقص إذا كان زيادة السعر ونقصانه يرجع الى الرغبات لا لو تجدد الغصب كأن يتمكن من الرد ولم يرد حتى حصل النقص فيضمن ذلك النقص في القيمي فقط لا المثلي فيرده أو مثله ولا يضمن السعر مطلقا».
ومن هذا النص يتبين لنا ان فقهاء المذهب الزيدي يوافقون الفقهاء جميعا في عدم ضمان المغصوب ان نقصت قيمته السوقية لأن ذلك في رأيهم راجع الى رغبات الناس.
وأما فقهاء المذهب الظاهري فقد ذهب ابن حزم الى خلاف ما ذهب اليه الفقهاء إذ أنه يرى أنه يلزم الغاصب ردّ ما نقص من الثمن فقد ذكر في
_________________
(١) الخلاف/الشيخ الطوسي/١٧١:٢ وراجع الروضة البهية/الشهيد الثاني/٥٤:٧.
(٢) المختصر النافع/ص ٢٥٦ وراجع كفاية الأحكام/السبزواري/ج ٢/طبع حجر وكذلك مسالك الافهام/الشهيد الثاني/ج ٢/طبع حجر باب الغصب.
(٣) التاج المذهب لأحكام المذهب/الصنعاني/٣٥٨:٣.
[ ١٨٥ ]
محلاة (^١): «وأما الزيادة في الثمن فإنه حين زاد ثمن كان فرضا عليه رده الى صاحبه بجميع صفاته فكان لازما له أن يرده اليه وهو يساوي تلك القيمة فإذا لزمه ذلك ثم نقصت قيمته فإنه لا يسقط ردّ ما لزمه ردّه».
أما مجلة الأحكام (^٢) فقد ذهبت إلى رأي الجمهور بالقول بعدم ضمان نقصان السعر كما جاء ذلك في المادة (٩٠٠) إذ جاء: إذا تناقص سعر المغصوب وقيمته بعد الغصب فليس لصاحبه ان لا يقبله وأن يطالب بقيمته التي كانت في زمان الغصب.
وقد ذهب القانون المدني (^٣) إلى رأي الجمهور فلم ير تضمين الغاصب نقصان السعر بل «ليس للمغصوب منه إلا أن يقبله كما هو دون إخلال بحقه في التعويض عن الإضرار الأخرى».
ويظهر من ذلك ان المغصوب إذا نقصت قيمته السوقية وكان هو باق بحاله فللفقهاء رأيان:
الأول: رأي جمهور الفقهاء: وهم يذهبون الى أن الغاصب هنا لا يضمن نقصان السعر.
الثاني: رأي ابن حزم: وهو يرى الضمان محتجا بقوله: «انه حين زاد ثمنه كان فرضا عليه رده الى صاحبه بجميع صفاته فكان لازما له أن يرده اليه وهو يساوي تلك القيمة فإذا لزمه ذلك ثم نقصت قيمته فإنه لا يسقط رد ما لزمه رده».
أما أصحاب الاتجاه الأول فقد احتجوا لرأيهم بما يلي:
_________________
(١) المحلى/١٣٩:٨.
(٢) دور الأحكام شرح مجلة الأحكام/علي حيدر/الكتاب الثامن/ص ١٢١٢.
(٣) شرح القانون المدني/محمد كامل مرسي/١٧٩:٢.
[ ١٨٦ ]
١ - ان الأصل براءة الذمة فمن علق عليها شيئا فعليه الدلالة (^١).
٢ - ان نقص السوق ليس بفوات (^٢) ولأن المغصوب باق والفائت رغبات الناس (^٣).
٣ - ان تراجع السعر عبارة عن فتور الرغبات دون فوت الجزء (^٤).
ولقوة هذه الأدلة ولما قررناه سابقا من أن المغصوب إن كان موجودا بعينه لم يطرأ عليه نقص فإنه يرد بحاله ولا يضمن الغاصب شيئا نرجح هذا الرأي.
_________________
(١) الخلاف/الشيخ الطوسي/١٧١:٢.
(٢) الشرح الصغير/الدردير/٩٤:٤.
(٣) نهاية المحتاج/الرملي/١٧٢/ ١٧٣:٥.
(٤) الهداية/المرغيناني/٤.
[ ١٨٧ ]