ان الغاصب قد يؤدي فريضة من الفرائض الشرعية كالصلاة مثلا في مكان مغصوب أو ثوب مغصوب أو قد يحج بيت الله بمال مغصوب فما هو حكم ذلك؟ الظاهر من كلمات الفقهاء في المقام ان هناك اتجاهين اتجاه يرى صحة الصلاة في الأرض المغصوبة واتجاه يرى بطلانها. وكلاهما متفقان على عدم الجواز ابتداء.
أما الاتجاه الأول: فهو اتجاه الشافعية والحنفية والمالكية وبعض الجعفرية وهؤلاء يرون صحة الصلاة في الأرض المغصوبة أو المكان المغصوب أو الثوب المغصوب.
ذكر الشيرازي (^١) من فقهاء الشافعية انه: «لا يجوز ان يصلي في أرض مغصوبة لأن اللبث فيها يحرم في غير الصلاة فلأن يحرم في الصلاة أولى فإن صلى فيها صحت صلاته.».
وذكر النووي (^٢): «ان الصلاة في الأرض المغصوبة حرام بالإجماع وصحيحة عندنا وعند الجمهور من الفقهاء وأصحاب الأصول.».
وذكر القرافي (^٣) من المالكية: «المسألة الأولى: الصلاة في الدار المغصوبة قلنا نحن. بصحتها».
وقال في المسألة الثالثة: «الذي يصلي في الثوب المغصوب أو يتوضأ بماء مغصوب أو يحج بمال محرم كل هذه المسائل عندنا سواء في الصحة.».
_________________
(١) المهذب/٧١:١.
(٢) المجموع شرح المهذب/١٦٩:٣.
(٣) أنوار البروق في انواء الفروق/٨٥:٢.
[ ٢١٤ ]
ومن فقهاء الجعفرية ذكر البحراني (^١): «ان صريح كلام الفضل بن شاذان من قدماء أصحابنا (رضوان الله عليهم) وخواص أصحاب الرضا ﵇ هو الجواز كما نقله في الكافي ثم قال: انه لم ينقل عن الأئمة اشتراط الإباحة في المكان واللباس بالنسبة إلى الصلاة كما ورد اشتراطها بستر العورة والقبلة وطهارة الساتر ونحوها وعليه فلا يكون الإخلال بها مضرا بالصلاة وموجبا لبطلانها فتجوز الصلاة حينئذ في المكان والثوب المغصوبين غاية الأمر انه منهي عن التصرف في المغصوب صلى فيه أم لم يصل وغاية ما يوجبه هذا النهي هو الإثم في التصرف بأي نحو كان ونسب القول بالصحة إلى المجلسي».
وأما الحنابلة (^٢) فالظاهر ان بعضهم يذهب الى القول بالصحة فقد ذكر ابن قدامة: «وتصرفات الغاصب الحكمية كالحج وسائر العبادات والنكاح ونحوها باطلة في إحدى الروايتين والأخرى صحيحة».
وذهب الى هذا الرأي جمهور الحنفية على ما ذكرته كتب الأصول عندهم وقد نقل ذلك بدر المتولي عبد الباسط (^٣) قائلا: «اختلف الفقهاء في مسألة هل يكون الشيء الواحد واجبا وحراما إلى ثلاثة أقوال:
الأول: لجمهور أهل السنة. انه يجوز الجمع بين الوجوب والحرمة في الفعل الواحد بالشخص إذا تعددت جهاته واعتباراته. ومثل لذلك بالصلاة في الأرض المغصوبة والثوب المغصوب».
وأما الاتجاه الثاني: وهو القول بالبطلان أي بطلان الصلاة في الأرض وأما الاتجاه الثاني: وهو القول بالبطلان أي بطلان الصلاة في الأرض
_________________
(١) الحدائق/١٠٤:٧، راجع دراسات في أصول الفقه/محمد كلانتر/٣٤٤:١.
(٢) المقنع/٢. وراجع الإنصاف/المرداوي/٢٠٤:٦.
(٣) محاضرات في أصول الفقه/ج ١ ص ٣٥/ ٣٦/ط ١/ ١٩٥٥/مطبعة دار المعرفة/ بغداد.
[ ٢١٥ ]
المغصوبة والثوب المغصوب وبطلان الحج بالمال المغصوب فهو اتجاه جمهور الحنابلة وجمهور متأخري الجعفرية والزيدية.
فقد ذكر المرداوي (^١) من فقهاء الحنابلة: «قوله: والموضع المغصوب يعني لا تصح الصلاة فيه وهو المذهب وعليه جماهير الأصحاب وقطع به كثير منهم في المختصرات».
وقال (^٢): «من صلّى في ثوب حرير أو مغصوب لم تصح صلاته هذا المذهب بلا ريب مطلقا وعليه جماهير الأصحاب».
وذكر أيضا (^٣): «الحج بمال مغصوب، كما قال المصنف والصحيح من المذهب انه لا يصح، نص عليه قال ابن ابي موسى: وهو الصحيح من المذهب وجزم به في الوجيز وغيره».
ومن فقهاء الجعفرية ذكر المحقق الحلي (^٤): «الثوب المغصوب لا يجوز الصلاة فيه. والمكان المغصوب لا تصح الصلاة فيه للغاصب ولا لغيره ممن علم بالغصب وإن صلّى عالما بالغصبية كانت صلاته باطلة».
وذكر السيد اليزدي (^٥): «والصلاة في المكان المغصوب باطلة».
وذكر شيخ الإسلام الشوكاني (^٦) من الزيدية: «ومن شروط صحة الصلاة إباحة ما يقلّ مساجده فلا يجزى منزل غصب».
_________________
(١) الإنصاف/٤٩١:١.
(٢) نفس المصدر ص ٤٥٧.
(٣) نفس المصدر/٢٠٥:٦.
(٤) شرائع الإسلام/٤٨/ ٤٩:١.
(٥) العروة الوثقى/١٩٣:١.
(٦) السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار/١٥٦:١، مطابع الاهرام/القاهرة ١٣٩٠ هـ.
[ ٢١٦ ]
وقد استدل أصحاب كل اتجاه على رأيهم بأدلة نذكرها هنا:
أولا: استدل الذاهبون إلى صحة عبادة الغاصب مع تلبسه بالمغصوب بما يأتي:
أ - «انه لو قال الأمر لمن تجب عليه طاعته اكتب هذه الصحيفة ولا تكتبها في المسجد فكتبها في المسجد فإنه مطيع من جهة انه كتب وعاص من جهة انه كتب في المسجد» (^١).
ب - «انه لو لم تصح الصلاة في الأرض المغصوبة لم يسقط الواجب بها وقد انعقد الإجماع على عدم أمرهم الظلمة حتى بعد التغلب عليهم بإعادة هذه الصلوات» (^٢).
ج - «ان متعلق الأمر قد وجد فيها بكماله مع متعلق النهي فالصلاة من حيث هي صلاة حاصلة غير ان المصلي جنى على حق صاحب الدار فالنهي في المجاور. ثم انه كما يتحقق الغصب وإن قارن مأمورا يتحقق المأمور وإن قارن تحريما فما أمر الله تعالى إلا بالصلاة ولم يشترط فيها بقعة مباحة بل أوجب الصلاة مطلقا وحرم الغصب ولا يلزم من تحريم الشيء أن يكون عدمه شرطا كما انه لو سرق في صلاته لم تبطل صلاته» (^٣).
د - ما ذكره الغزالي (^٤) في المستصفى قائلا: «هذه المسألة قطعية ليست اجتهادية والمصيب فيها واحد لأن من صحح الصلاة أخذه من الإجماع وهو قطعي. فمن صححها يقول هو عاص من وجه متقرب من وجه ولا استحالة في ذلك».
_________________
(١) محاضرات في أصول الفقه/بدر المتولي عبد الباسط /٣٥/ ٣٦:١.
(٢) نفس المصدر.
(٣) أنوار البروق في انواء الفروق للقرافي/٨٥:٢ مطبوع بهامش الفروق.
(٤) المستصفى/الغزالي/ج ١ ص ٧٨/ ٧٩.
[ ٢١٧ ]
هـ - ما ذكره البحراني (^١) من فقهاء الجعفرية من انه لم ينقل عن الأئمة (﵈) اشتراط الإباحة في المكان. الى آخر ما نقلناه عنه قبل قليل.
وقد ردّ أيضا على من احتج (بأن النهي في العبادة يقتضي الفساد فتكون الصلاة باطلة لفساد جزئها. وإن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده فيفسد) ردّ على ذلك قائلا: «إن الأمر بالشيء إنما يقتضي النهي عن ضده العام الذي هو نفس الترك أو الكف لا الأضداد الخاصة الوجودية».
هذه هي أهم أدلة هذا الفريق من الفقهاء الذين ذهبوا الى صحة الصلاة في المكان المغصوب والصلاة في الثوب المغصوب وإن كان يحرم عليه ابتداء أن يصلي في المغصوب وإنه يأثم بذلك.
واستدل الفريق الآخر من الفقهاء على بطلان الصلاة في المغصوب بما يأتي:
أ - ما ذكره الغزالي (^٢) أيضا بقوله: «إن من أبطلها أخذه من التضاد الذي بين القربة والمعصية ويدعى كون ذلك محالا بالعقل فالمسألة قطعية».
ب - «ان التصرف في الثوب المغصوب أو في المكان المغصوب قبيح ولا تصح نية القربة فيما هو قبيح» (^٣).
ج «انه - أي الغاصب - مأمور بإبانة المغصوب ورده الى مالكه فإذا افتقرا الى فعل كثير كان مضادا للصلاة والأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده، والنهي يقتضي الفساد» (^٤).
د - رواية إسماعيل بن جابر الجعفي عن الصادق ﵇: «لو ان الناس
_________________
(١) الحدائق/١٠٤/ ١٠٥:٧.
(٢) المستصفى/الغزالي/ج ١ ص ٧٨/ ٧٩.
(٣) الخلاف/الشيخ الطوسي/ج ١ طبع حجر.
(٤) مستمسك العروة الوثقى/السيد محسن الحكيم/٢٢١:٥.
[ ٢١٨ ]
أخذوا ما أمرهم الله به فأنفقوه فيما نهاهم عنه ما قبله منهم ولو أخذوا ما نهاهم الله تعالى عنه فأنفقوه فيما أمرهم الله تعالى به ما قبله منهم» (^١).
هـ - ما ورد عن أمير المؤمنين علي ﵇ في وصيته لكميل بن زياد النخعي: «يا كميل انظر فيم تصلي وعلام تصلي إن لم يكن من وجهه وحله فلا قبول» (^٢).
و- «إن النهي عن المغصوب نهي عن وجوه الانتفاع به والحركات فيه انتفاع فتكون محرمة منهيا عنها ومن الحركات القيام والقعود والركوع والسجود وهي أجزاء الصلاة فتكون منهيا عنها فتفسد» (^٣).
ونحن بعد ذلك كله إنما نرجح رأي الذاهبين الى القول بصحة الصلاد في المغصوب بالنسبة للغاصب مع كونه آثما لقوة أدلة الفريق الذاهب الى هذا الرأي وقوة ما يرد على أدلة الذاهبين الى البطلان من ردود وإشكالات بما سوف نذكره بعد قليل.
ولأن أداء العبادة من الصلاة في المغصوب لا يستلزم التصرف فيه على ما سيتحقق وان استلزمه فإن ذلك ليس من مصاديق اجتماع الأمر والنهي على القول بعدم الاجتماع واما على القول بصحة اجتماع الأمر والنهي مع تعدد الجهة فلا منافاة إذن وليس للبطلان سبيل على هذا المورد.
وقد نوقشت أدلة القول ببطلان الصلاة في الأرض المغصوبة أو الثوب المغصوب بمناقشات كثيرة وخاصة في كتب الأصول (^٤) وفي مبحث «اجتماع
_________________
(١) المستمسك.
(٢) تحف العقول/لابن شعبة الحراني/ص ١٢٢/نشر مؤسسة الأعلمي/بيروت ١٣٩٤ هـ.
(٣) مستمسك العروة الوثقى/محسن الحكيم/٢٢١:٥.
(٤) كفاية الأصول/كاظم الخراساني/ج ١، حقائق الأصول/الحكيم/ج ١، دراسات في أصول الفقه/كلانتر/ج ١ ص ٣٤٤ وما بعدها.
[ ٢١٩ ]
الأمر والنهي» باعتبار إن هذه المسألة من مصاديق هذا المبحث على رأي جمهورهم. والذي يهمنا في المقام أن نختار الردود المناسبة لأدلة القائلين بالبطلان وهي:
أ - «إن نية القربة المعتبرة في الصلاة إنما هي في أفعال الصلاة لا في التصرف في الثوب أو المكان ثم انه ليس من أفعال الصلاة بل من شرائطها ولذا لا اشكال ظاهر في صحة الصلاة مع الغفلة عن التستر أصلا والقصد شرط في صحة العبادة وقد تحقق في محله ان الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضده» (^١).
ب - «ان الرد قد لا يجب لتعذره فتأمل أو يجب ولا يكون ضدا منافيا للصلاة لحضور المالك أو الواسطة في الإيصال إليه» (^٢).
ج - «أما الإنفاق في رواية إسماعيل فظاهر في غير ما نحن فيه مع انها - أي الرواية - لا تدل على أكثر من كون الإباحة شرطا في القبول وكذا رواية تحف العقول مع انها ضعيفة غير مجبورة بالعمل».
د - «إن كون القيام والقعود والركوع والسجود من قبيل الحركات لا يخلوا من تأمل أو منع فإن المفهوم منها عرفا انها من قبيل الهيئة القائمة بالجسم فتكون من مقولة الوضع لا من قبيل الحركة لتكون من مقولة الفعل، نعم الحركة من قبيل المقدمة لوجودها وحرمة المقدمة لا توجب النهي عن ذيها ولا فساده، وما ذكرنا هو المطابق للمرتكز العقلائي فإن التذلل والخضوع واستشعار مشاعر العبودية إنما يكون بالهيئة الخاصة التي يكون عليها العبد في مقام عبادة مولاه لا بالحركة المحصلة لها كما لا يخفى ثم ان الحركة الصلاتية
_________________
(١) مستمسك العروة الوثقى/محسن الحكيم/٢٢١/ ٢٢٢:٥.
(٢) نفس المصدر.
[ ٢٢٠ ]
الواجبة قائمة بالبدن والحركة الغصبية قائمة بالمغصوب فتكون إحداهما غير الأخرى في الخارج ضرورة ان تباين المغصوب وبدن المكلف يستلزم تباين الحركة القائمة بأحدهما والحركة القائمة بالآخر فيمتنع أن تكون الحركة الصلاتية عين التصرف في المغصوب في الخارج كي يكون المقام من صغريات مسألة الاجتماع - اجتماع الأمر والنهي» (^١).
هـ - «وان أريد النهي عنه من حيث الغصب وقبح التصرف في مال الغير بدون إذنه فما ذكر من البطلان المترتب على ذلك ممنوع لأن القدر المقطوع به من بطلان العبادة بتوجه النهي إليها إنما هو إذ توجه إليها من حيث كونها عبادة لأن التعليق على الوصف مشعر بالعلية لا من جهة أخرى كما نحن فيه والنهي هنا إنما توجه الى القيام على المغصوب من حيث تحريم التصرف فيه من إذن المالك لا من حيث عدم جواز الصلاة عليه ولزوم اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد مع اختلاف الحيثيتين غير ضائر إذ وجه المحالية بتكليف ما لا يطاق المترتب على ذلك إنما يلزم مع اتحاد الجهة» (^٢).
_________________
(١) مستمسك العروة الوثقى/محسن الحكيم/٢٢٢/ ٢٢٣:٥.
(٢) الحدائق الناضرة/يوسف البحراني/١٠٥/ ١٠٦:٧.
[ ٢٢١ ]