ان الغاصب قد يبيع المغصوب أو يتجر به أو يرهنه أو يؤجره الى غير ذلك من أنواع التصرفات فما هو حكم ذلك؟ وما هو حدود تصرفاته؟ وهنا نستعرض أولا أقوال الفقهاء لنخلص الى اتجاهات الفقه الإسلامي في الموضوع.
ففي المذهب الحنفي:
ذكر ابن قاضي سماونة (^١): «ولو دفع أرضا غصبه الى غيره مزارعة فأجاز المالك فلو سنبل ولم يسمن فهو للمالك ولا يضمن الغاصب نقص الأرض
_________________
(١) جامع الفصولين/٦٦:٢.
[ ٢٠٨ ]
ولو سمن الزرع وانتهى لم تلحقه الإجازة والزرع للغاصب ويتصدق به ويضمن نقص الأرض».
وجاء في الفتاوى الهندية (^١): «إذا باع الغاصب المغصوب من رجل وأجاز المالك بيعه صحت الإجازة إذا استجمعت الإجازة شرائطها وهي قيام البائع والمشتري والمعقود عليه وان تكون الإجازة قبل الخصومة عند أبي حنيفة.».
وفي المذهب الشافعي:
ذكر الأردبيلي (^٢): «إذا اتجر الغاصب بالمغصوب أو بمال الغير في يده وديعة أو رهنا أو سوما أو عارية بغير اذن المالك فان باع أو اشترى بعينه بطل ولا يملك العوض وإذا سلم وفات غرم بالمثل أو القيمة وما حصل من الربح إن أمكن ردّه الى صاحب كل عقد ردّه.».
وفي المجموع (^٣): «لو غصب أموالا وباعها وتصرف في أثمانها مرة بعد اخرى. وقلنا بالجديد فقولان حكاهما امام الحرمين والغزالي أصحهما البطلان. لأنه ممنوع من كل تصرف.».
وفي المذهب الحنبلي:
ذكر المرداوي (^٤): «وتصرفات الغاصب الحكمية كالحج وسائر العبادات والعقود كالبيع والنكاح ونحوها باطلة في إحدى الروايتين وهي المذهب.
_________________
(١) الباب الرابع عشر ج ٥ ص ١٣٢ وراجع الهداية/المرغيناني/٥١:٣. الفتاوى الخانية/١٤٤:٢.
(٢) الأنوار لإعمال الأبرار/٣٦٧:١.
(٣) المجموع النووي/٢٦٠:٩ وراجع الوجيز/الغزالي/٨٠:١.
(٤) الإنصاف ٢٠٣/ ٢٠٤:٦.
[ ٢٠٩ ]
قال في التلخيص في باب البيع: وان كثرت تصرفاته في أعيان المغصوبات يحكم ببطلان الكل على الأصح. وعنه تصح موقوفة على الإجازة.».
وذكر ابن النجار (^١): «وحرم تصرف غاصب في مغصوب بما ليس حكم من صحة وفساد كإتلاف واستعمال كلبس ونحوه وكذا بما له حكم كعبادة وعقد لا يصحان.».
وفي المذهب المالكي:
يرون صحة الإجازة بعد البيع كما جاء في المدونة (^٢).
وفي المذهب الجعفري:
ذكر المحقق الحلي (^٣): «فلو باع ملك غيره وقف على اجازة المالك أو وليه على الأظهر ولا يكفي سكوته مع العلم ولا مع حضور العقد فان لم يجز كان له انتزاعه من المشترى ويرجع المشترى على البائع بما دفعه اليه وما اغترمه من نفقة أو عوض عن اجرة أو نماء.».
وذكر القمي (^٤) ان بيع الغاصب يصح ولا ينفذ إلا بعد الإجازة ونسب ذلك الى أكثر الفقهاء في المذهب.
وفي المذهب الزيدي:
ذكر العنسي (^٥): «فان تصرف الغاصب في العين المغصوبة سواء أجر
_________________
(١) منتهى الإرادات/٥١٩:١ وراجع الإقناع/الحجاوي/٣٥٣:٢. الروض المربع/ البهوتي/٣٧٩:٢، غاية المنتهى/الكرمي/٢٤٨:٢.
(٢) المدونة/٥٤:١٤ وراجع مواهب الجليل شرح مختصر خليل/لابن الحطاب/٥: ٢٩٠، الفروق/القرافي/٢٤٢:٣. جواهر الإكليل/الابي الأزهري/١٥٢:٢.
(٣) شرائع الإسلام/١٦٥:١.
(٤) غنائم الأيام/ص ٥٤٠ وراجع المكاسب/الشيخ الأنصاري/١٢٨.
(٥) التاج المذهب لأحكام المذهب/٣٥٦:٣.
[ ٢١٠ ]
أو نحوه من العقود التي تلحقها الإجازة كبيع وهبة أو نحوهما فموقوف ذلك التصرف على اجازة المالك إذ الغاصب فضولي فإن أجاز لفظا أو اجرى منه ما هو بمعنى الإجازة كالمطالبة بالأجرة مع علمه بالتأجير صحت الإجارة واستحق المسمى.».
وذكر ابن المرتضى (^١): «نقلا عن أبي حنيفة وأصحابه إذا باعها الغاصب وتلف الثمن في يده ثم أجاز المالك نفذ البيع وبريء المشتري وقال مالك بل يضمن إذ الإجازة لا تلحق التالف قلنا: بل تلحقه.».
يظهر لنا من كلمات الفقهاء في المقام ان الفقه الإسلامي في مسألة تصرف الغاصب بالمغصوب على اتجاهين:
الاتجاه الأول: القول بصحة تصوف الغاصب بالمغصوب ببيع واجازة واعارة ونحوها من العقود موقوفا كل ذلك على اجازة المالك فإن أجاز نفذ البيع ونحوه وان لم يجز فباطل.
وهذا هو رأي جمهور الفقهاء من الحنفية وأكثر الإمامية وأكثر المالكية ومنهم مالك بن انس والزيدية وهو ما ذهب اليه بعض الحنابلة ايضا على رواية (^٢).
والاتجاه الثاني: وهو اتجاه الحنابلة على الصحيح من المذهب واتجاه الشافعية وهو القول بعدم صحة تصرفات الغاصب وان كل عقد يجريه من بيع ونحوه باطل.
وقد استدل أصحاب الاتجاه الأول على رأيهم بالأدلة التالية:
_________________
(١) البحر الزخار ١٨٦:٤.
(٢) الإنصاف/المرداوى/٢٠٣:٦.
[ ٢١١ ]
١ - استدل الجعفرية (^١) بعمومات الكتاب الكريم مثل قوله تعالى:
﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ فإن الآية بعمومها شاملة لبيع الغاصب وأمثاله بعد صدور الإجازة من المالك لانتسابه إليه بالإجازة فيصدق عليه انه عقده ويلزمه الوفاء به.
٢ - واستدل الأحناف (^٢): «ان من أصلنا ان ماله مجيز حال وقوعه يتوقف على الإجازة وان الإجازة في الانتهاء كالإذن في الابتداء ولكن الشرط لتمام العقد الإجازة ببقاء المتعاقدين والمعقود عليه والمجيز وذلك كله باق هنا».
٣ - واما المالكية (^٣): فقد ذكروا ان بيع الغاصب إنما هو بيع فضولي وبيع الفضولي يقع صحيحا موقوفا على الإجازة.
اما الذين أبطلوا التصرف فقد استندوا الى قوله تعالى ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ﴾ (^٤).
واستندوا ايضا الى خبر حكيم بن حزام الذي كان يبيع ما ليس عنده ثم يسعى في شرائه وتسليمه للمشتري فنهاه ﵌ عن ذلك بقوله «لا تبع ما ليس عندك (^٥)».
وقد أجيب على ذلك بما يأتي:
أ - ان غاية ما يستفاد من هذه الآية ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ﴾. إلخ انه لا حل ولا رفع للحرمة قبل رضى المالك. وهذا عين ما يقول به القائلون بصحة بيع الفضولي فهم قد جعلوه موقوفا على اجازة المالك ولا يعني لديهم
_________________
(١) نهج الفقاهة/السيد الحكيم/٢٢٠:١.
(٢) المبسوط /السرخسي/٦١/ ٦٢:١١.
(٣) الشرح الكبير/الدردير/مطبوع بهامش حاشية الدسوقي/٤٥٧:٣.
(٤) آية ١٨٨ سورة البقرة.
(٥) تهذيب الأحكام/الطوسي/٢٣٠:٧.
[ ٢١٢ ]
لترتب آثار البيع وأهمها نقل ملكية المبيع. اما الجزء المعوّل عليه والذي به ينفذ البيع وتترتب عليه آثاره فهو رضى المالك وأجازته (^١)».
ب - ان النهي في المعاملات لا يفيد الفساد وان ما ورد في خبر حكيم ابن حزام يختص حكمه بما استدل به عليه وإنما ذكر جوابا حين سأله ان يبيع الشيء ثم يمضي ويشتريه ويسلمه (^٢).
أو ان المراد به النهي عن بيع ما ليس عنده ولا يملكه من الأعيان المشخصة التي عند غيره على وجه بيع المالك لها، لا على جهة إيقاع العقد الموقوف على رضى المالك (^٣).
اما ما استدلوا به من أدلة العقل كقولهم بعدم جواز التصرف في مال الغير إلا باذنه وان الرضا اللاحق لا ينفع في رفى القبح الثابت في تصرف الفضولي فمردود بأن العقد على مال الغير موقوفا على أجازته ليس تصرفا فيه، نعم يصح قولهم فيما لو كان عقد الفضولي وحده سببا لترتب آثار البيع دون توقف على اجازة المالك اما والحال خلاف ذلك حيث لا مناص من هذه الإجازة كشرط لنفاذ العقد وترتب آثاره فان قولهم غير وارد (^٤).
ولذلك كله ولقوة ما أورده أصحاب الاتجاه الأول القائلون بصحة تصرفات الغاصب لأن حكمه حكم الفضولي بل هو فضولي أيضا لأن الفضولي هو «الكامل الغير مالك للتصرف ولو كان غاصبا» لقوة ما أوردوه من أدلة نرجح رأيهم ونعتمده هنا (^٥).
_________________
(١) جواهر الكلام/محمد حسن النجفي/المتاجر/ص ٥٤.
(٢) تذكرة الفقهاء/العلامة الحلي/٧: ص ٨.
(٣) جواهر الكلام/ المتاجر/ص ٥٦.
(٤) راجع بلغة الفقيه/بحر العلوم/ج ٢/ص ١٧٠ وما بعدها.
(٥) المكاسب/الشيخ الأنصاري/١٢٤:١.
[ ٢١٣ ]