يظهر لنا بعد استعراض تعريفات الفقهاء المتقدمة أن هنالك ثلاثة اتجاهات تلتقي عندها كلمات الفقهاء في بيان حد الغصب.
١ - اتجاه يذهب إلى أن حد الغصب: هو إزالة اليد المحقة بإثبات اليد المبطلة بعفل في العين أو كما ورد على لسانهم:
«أخذ مال متقوّم محترم مملوك للغير على وجه يزيل يده بفعل في العين بطريق التعدي».
وهذا هو (اتجاه أبي حنيفة وأبي يوسف) (^٣) من الأحناف. وكذلك (الهادي وأبي طالب) (^٤) من الزيدية كما ذكرنا.
_________________
(١) الروض النضير شرح مجموع الفقه الكبير/الصنعاني/ج ٣ ص ٤٠١.
(٢) المحلى/١٤٤:٨.
(٣) راجع: خزانة الفقه وعيون المسائل/لأبي الليث السمرقندي/ص ٣١٧/تحقيق الدكتور الناهي، مجمع الضمانات ص ١١٧/لابن غانم، الهداية/المرغيناني/٧:٣.
(٤) البحر الزخار/لابن المرتضى/١٧٦:٤.
[ ٣٣ ]
وبمثل هذا التعريف ورد في شريعة النصارى (^١) إذا جاء «الغصب: هو أخذ مال متقوّم محترم بلا اذن مالكه كالمباح وغير المتقوّم كالمحرم».
وهو نفس اتجاه القانون الروماني إذ جاء في المدونة (^٢) «الغصب: انتزاع مال مملوك للغير بالقوة» والانتزاع يفيد الإزالة.
٢ - والاتجاه الثاني: لا يشترط إزالة يد المالك بفعل واقع في العين بل يكفي إثبات اليد المبطلة.
وقد جاء على لسانهم:
الغصب: «هو الاستيلاء على مال الغير عدوانا قهرا».
وهذا هو اتجاه جمهور الشافعية وجمهور الحنابلة والمالكية وجماعة من فقهاء الجعفرية وجماعة من فقهاء الزيدية والظاهرية وقد ذكرنا ذلك عنهم في المبحث الأول تفصيلا.
وقد ذهب القانون المدني الجديد (^٣) الى هذا التعريف إذ جاء فيه:
«الغصب هو الاستيلاء على مال غيره بغير حق».
٣ - أما الاتجاه الثالث فإنه يوافق الاتجاه الثاني في أن إثبات اليد هو المعوّل عليه والأساس في حد الغصب إلا أنه يخالفه في قيود التعريف.
فالغصب هنا: هو: «الاستيلاء على حق الغير بغير حق قهرا».
_________________
(١) مختصر الشريعة/قرة علي/ص ٧٨: ويظهر تأثر المؤلف بالفقه الإسلامي خصوصا وانه من المتأخرين والذين عاشوا ضمن الأجواء الإسلامية فهو عاش وولد في لبنان وعاش فترة في جبل عامل حيث العلماء والفقهاء كما ورد في ترجمته في نفس الكتاب المذكور.
(٢) مدونة جوستنيان/ترجمة عبد العزيز فهمي/ص ٢٥٣.
(٣) شرح القانون المدني/محمد كامل مرسي/١٧٣:٢.
[ ٣٤ ]
وهذا هو تعريف جماعة من الشافعية والحنابلة والمالكية والجعفرية والزيدية. وقد نقلنا ذلك عنهم في المبحث الأول.
وقد أوردنا أثناء استعراضنا لهذه التعريفات ما يرد عليها من إشكالات ونعود هنا للناقش ثم نختار.
يرد على التعريف الأول الذي جاء فيه أن حد الغصب: هو إزالة اليد المحقة بإثبات اليد المبطلة بفعل في العين ما يلي:
أ - اشتراط (الفعل في العين) ليتحقق الغصب أمر لا حجة لهم عليه لا شرعا ولا عرفا. أما الشرع فإنه لم يرد في نصوصه ما يؤيد ذلك بل العكس هو الصحيح إذ ورد في النبوي أحاديث جمة في صحة غصب العقار كما سيأتي تحقيقه في محله من هذه الرسالة (^١).
وأما العرف فإنه من الثابت فيه أن من وضع يده عدوانا على ملك غيره من دار أو عقار يقال له غاصب.
وقد ذكر صاحب تكملة شرح المجموع (^٢): «ان كل ما لم يصر به المال مسروقا لم يصر به مغصوبا كالمنع والإحالة» دليله ما روى عطاء بن يسار عن ابن عمر أن النبي ﵌ قال: «ان أعظم الغلول عند الله أن يأخذ الرجل من أرض غيره إلى أرض نفسه» فأطلق على الأرض حكم الغلول والغصب وروى عنه ﵌ قوله: «لعن الله سارق المنار قيل وما سارق المنار قال أن يأخذ الرجل العلامة من أرضه إلى أرض غيره فجعل ذلك سرقة. ولأن ما ضمن به المنقول ضمن به غير المنقول كالعقود ولأنه عدوان فجاز أن يضمن به غير المنقول كالجناية. فأما الجواب بأن ما لم ينقل مختص بالمنع كالحبس فهو أن المحبوس عن ماله حصل التعدي عليه دون ماله فلم يصر المال مغصوبا وخالف
_________________
(١) الكهف/آية ٧٩.
(٢) التكملة الثانية المجموع شرح المهذب/٦٥:١٤.
[ ٣٥ ]
ما لو تصرف فيه مع اشتهار القول عرفا أن فلانا غصب دارا أو أرضا».
ب - ان قيد «على وجه يزيل يده الواردة في التعريف يمنع من دخول ما لو أخذ الغاصب المال من يد المستأجر أو المودع أو المرتهن لأن الغاصب في هذه الصورة لم يزل يد المالك «فيلزم زيادة أو يقصر يده» (^١) على ما حققه صاحب شرح العناية.
ج - ان غاصب الغاصب لم يزل يد المالك لأن يد المالك زالت بغصب الغاصب الأول وإزالة الزائل غير متصورة.
ولقوة هذه الحجج نصفح عن التعريف الأول.
أما التعريف الثاني: الذي هو: «الاستيلاء على مال الغير عدوانا».
فإنه على سلامته مما ورد على الأول فإنه يرد عليه أن إيراد (المال) في التعريف قيد مانع من دخول بعض أفراد المعرّف فيه كالمنفعة والحق والاختصاص ومما لأمراء فيه أن الاستيلاء عليها عدوانا يعتبر غصبا في متعارف الشرع.
أما التعريف الثالث: الذي هو: «الاستيلاء على حق الغير بغير حق».
فإنه سالم مما ورد على التعريفين المتقدمين ولكنه استبدل كلمة بغير حق بكلمة (عدوانا) وهذا ليس بجيد بل الأجود افتقاره الى قيد العدوان لدلالته على الظلم (^٢).
وعليه فإنه يترشح عندنا التعريف الآتي:
الغصب: (هو الاستيلاء على حق الغير عدوانا) وهذا التعريف هو الذي تنبني عليه أحكام الضمان الواردة في هذه الرسالة.
_________________
(١) شرح العناية على الهداية/البابرثي/٣٦١/ ٣٦٢:٧.
(٢) الروضة البهية/الشهيد الثاني/١٧/ ١٨:٧.
[ ٣٦ ]