قلنا ان الفقهاء ذهبوا الى تضمين الغاصب المثل عند تلف المثلي المغصوب.
ولكن لو انقطع المثلي من أيدي الناس أو تعذر الحصول عليه فما هو رأي فقهاء المذاهب الإسلامية؟ هنا حصل خلاف بينهم في هذه المسألة سنتبينه من خلال استعراضنا لكلماتهم في المقام.
ففي المذهب الحنفي:
ذكر ابن غانم (^١): «إذا انقطع المثلي. فعليه قيمته يوم الخصومة عند أبي حنيفة ويوم الغصب عند أبي يوسف ويوم الانقطاع عند محمد».
وذكر أبو الليث السمرقندي (^٢): «. وان انقطع من أيدي الناس ولا يوجد مثله في بلده يضمن قيمته يوم الخصومة».
_________________
(١) مجمع الضمانات/١١٧. وكذا جاء في روضة القضاة/السمناني/مخطوط تحقيق الدكتور صلاح الدين الناهي وقد ذكر رأيا لزفر - من فقهاء المذهب الحنفي: يضمن أعلى ما كان قيمته موجودا من يوم الغصب الى يوم الهلاك. وكذا ذكر في مختصر المسعودي/مخطوط /مكتبة الدراسات الإسلامية/وراجع الفتاوى الهندية ج ٥ ص ١٠٥.
(٢) خزانة الفقه:٣١٧/ ٣١٨:١ تحقيق الدكتور الناهي وقد علق على هذه النقطة بقوله: «ويفهم من هذا ان العبرة في الفقه الإسلامي بوقائع الدعوى يوم الخصومة لا بما يطرأ عليها بعد ذلك» وهذا يصح طبعا على رأي أبي حنيفة ومن وافقه.
[ ١٣٠ ]
وفي المذهب الشافعي:
جاء في إعانة الطالبين (^١): «. فإن فقد المثل فيضمن بأقصى قيم من غصب الى فقد».
وقد ذكر الغزالي (^٢) أربعة أقوال في ضمان المثلي عند التلف وقد فقد المثل: قول بأقصى قيمة من وقت الغصب الى التلف وقيل أقصى قيمة المثل من وقت وجد إلى الإعواز وقيل من وقت الغصب إلى الإعواز وقيل الى وقت طلب الضمان.
وقد ذكر الرملي (^٣) عشرة أوجه في حالة فقدان المثل وهي على التوالي:
(١) أقصى من الغصب الى التلف. (٢) من التلف الى التعذر. (٣) الأقصى من الغصب الى تغريم القيمة والمطالبة. (٤) الأقصى من انقطاع المثل إلى المطالبة. (٥) الأقصى من التلف إلى المطالبة. (٦) الاعتبار بقيمة اليوم الذي تلف فيه المغصوب. (٧) بقيمة يوم الإعواز. (٨) بقيمته يوم المطالبة.
(٩) بيوم الحكم بالقيمة. قال والأصح في حالة فقدان المثل: «الأكثر من الغصب الى التلف».
وقد استدل الشيرازي (^٤) بعد ان ذكر اختلاف فقهاء المذهب في هذه المسألة على الرأي المختار «وهو الأكثر من الغصب الى الحكم» قال: لأن الواجب في الذمة هو المثل الى وقت الحكم.
كما ان الواجب في المغصوب رد العين الى وقت التلف ثم يغرم قيمة المغصوب أكثر ما كانت من حين الغصب الى حين التلف فيجب ان يعتبر في المثل أكثر ما كانت قيمته الى وقت الحكم.
_________________
(١) اعانة الطالبين/البكري/١٣٨:٣.
(٢) الوجيز/٢٠٨/ ٢٠٩:١ وراجع الأنوار/الأردبيلي/ج ١ ص ٣٦٠.
(٣) نهاية المحتاج/١٦٢:٥.
(٤) المهذب/٣٧٥:١.
[ ١٣١ ]
أما الرملي (^١) فقد استدل على اختياره الأصح «الضمان بالأكثر من الغصب الى التلف» بقوله: «انه مطالب بالرد في حالة الزيادة إذ هو غاصب فإذا لم يرد كان ضامنا للبدل».
أما في المذهب الحنبلي:
ذكر في المقنع (^٢): «. وان أعوز المثل فعليه قيمة مثله يوم إعوازه. وقال القاضي يضمنه بقيمته يوم القبض وعنه تلزمه قيمته يوم تلفه».
وذكر ابن النجار (^٣): «. فإن أعوز فقيمة مثله يوم إعوازه».
وذكر المرداوي (^٤): «وان أعوز المثل فعليه قيمة مثله يوم إعوازه.» قال: وهذا هو المذهب وعليه جماهير الأصحاب وجزم به في الوجيز:
والمحرر، وناظم المفردات وقدمه في الهداية والمغني والشرح والفروع وهو من مفردات المذهب قال الحارثي: اختاره ابن عقيل ثم نقل عن الحارثي قولا آخر: «يلزمه قيمته يوم تلفه وقيل أكثرهما أي أكثر القيمتين».
أما في المذهب المالكي:
فقد ذكر سيدي أحمد الدردير (^٥): «ولو انقطع المثلي كفاكهة وغصبها في ابانها ثم انعدمت صبر وجوبا ويقضي عليه به لوجوده في القابل».
أما في المذهب الجعفري:
ذكر الشيخ الطوسي (^٦): «. وان أعوز المثل طالبه بقيمته فإن لم يقبض القيمة بعد الإعواز حتى مضت مدة يختلف فيها القيمة طالبه بقيمته حين القبض لا حين الإعواز».
_________________
(١) نهاية المحتاج/١٦٢:٥، الفتاوى الكبرى/لابن حجر/٩٥:٣.
(٢) المقنع/لابن قدامة/٢٤٨/ ٢٤٩:٢ وراجع الإقناع/٣٥٠:٢/الحجاوي.
(٣) منتهى الإرادات/٥١٧/ ٥١٨:١.
(٤) الإنصاف/١٩٠:٦.
(٥) الشرح الصغير/٨٨:٤.
(٦) المبسوط /٥٩/ ٦٠:٣.
[ ١٣٢ ]
وذكر الشهيد (^١) الثاني: «. إذا تعذر المثل فإنه يضمن قيمته يوم الإقباض لا يوم الإعواز».
وذكر الشيخ مغنية (^٢): «. انه إذا انقطع المثل ولم يقدر عليه حين الطلب سقط المثل عن الغاصب ووجبت القيمة لقبح التكليف بما لا يطاق ولأنه جمع بين الحقين وهل تعتبر القيمة التي يقادر بها المثل يوم الغصب؟ أو يوم تلف المغصوب أو يوم الإقباض والأداء أو أعلى القيم»؟ هنا ينقل الشيخ مغنية انهم - أي فقهاء الجعفرية - اتفقوا بشهادة صاحب الجواهر على انه يدفع قيمة المثل السوقية حين الإقباض والأداء لأن الثابت في الذمة هو المثل فتعتبر القيمة ساعة الوفاء وعملية تفريغ الذمة تماما كما لو استدان مثليا ثم فقد المثل فإنه يدفع قيمته عند الأداء.
ويتلخص لنا من ذلك ان في هذه المسألة - أي انقطع المثلي حين الطلب - أقوال:
١ - قول بتضمين الغاصب قيمة المغصوب يوم الخصومة. وهو قول أبي حنيفة (^٣) وأكثر فقهاء المذهب الحنفي.
٢ - قول بتضمين الغاصب قيمته يوم انقطاع المثل: وهو قول الامام محمد الحسن (^٤) الشيباني وهو ما ذهب إليه الحنابلة (^٥) أيضا.
٣ - قول بتضمينه يوم الغصب وهو قول أبي يوسف (^٦).
_________________
(١) مسالك الافهام شرح شرائع الإسلام/ج ٢/طبع حجر/ باب الغصب.
(٢) فقه الامام الصادق (ع) /محمد جواد مغنية ج ٣/ص ١٩/ ٢٠.
(٣) خزانة الفقه/لأبي الليث السمرقندي/٣١٧:١.
(٤) مجمع الضمانات/لابن غانم/ص ١١٩.
(٥) المقنع/لابن قدامة/٢٤٨:٢.
(٦) مجمع الضمانات/ص ١١٩.
[ ١٣٣ ]
٤ - قول بتضمينه أقصى القيم من الغصب الى الحكم وهو الرأي المختار في المذهب الشافعي على ما ذكره الشيرازي (^١).
٥ - قول بتضمينه قيمته يوم الأداء وهو الرأي الراجح في المذهب الجعفري (^٢).
ونحن هنا نميل الى القول بأن الغاصب ملزم بالضمان بقيمة يوم الانقطاع حيث ان المثل ما دام موجودا فعلى الغاصب رده وإذ انقطع فحينئذ يكون المصير إلى القيمة ووقت الانقطاع هو الوقت الذي شغلت به ذمة الغاصب فلزم الضمان بقيمة يوم الإعواز.