إن بقاء المغصوب بيد الغاصب يحمله مسؤولية الضمان عند طرو أي فوات أو استهلاك وليس ذلك فحسب بل أن الغاصب ليكون مسؤولا وضمانا عند حدوث أي تغير يصيب ذات المغصوب أو صفاته.
وحديثنا هنا سيكون منصبا على تغير ذات المغصوب ونتائج ذلك ومقدار المسؤولية التي يتحملها الغاصب.
وحتى نستطيع أن نتبين ذلك في الفقه الإسلامي نجري على طريقتنا في البحث فنستعرض أولا كلمات الفقهاء في هذا المقام ثم نخلص بعد ذلك الى اتجاهات الفقه.
ففي المذهب الحنفي:
ذكر الكاساني (^١): «إذا غصب عصيرا فصار خلا في يده أو لبنا حليبا
_________________
(١) بدائع الصنائع/١٦٠:٧ راجع السعيديات في أحكام المعاملات/محمد سعيد عبد الغفار/ ط ١/ج ٢ ص ٢٢٣.
[ ١٥٨ ]
فصار مخيضا أو عنبا فصار زبيبا أو رطبا فصار تمرا فإنه المغصوب بالخيار إن شاء أخذ ذلك الشيء بعينه ولا شيء له غيره لأن هذا من أموال الربا فلم تكن الجودة فيها بانفرادها متقوّمة فلا تكون متقوّمة. وإن شاء تركه على الغاصب وضمنه مثل ما غصب».
وذكر السمرقندي (^١): «أنه إذا غصب عصيرا فصار خلا أو عنبا فصار زبيبا أو لبنا فصار رائبا. فصاحبه بالخيار: إن شاء أخذه بعينه ولا شيء له وإن شاء ضمنه مثله وسلم له ذلك كله لأنه من أموال الربا».
وذهب سيدي أحمد الدردير (^٢) من فقهاء المالكية:
الى أن تغير الذات: «كعصير تخمير بعد غصبه فلربه مثل العصير لفواته بالتخمير وأن تخلل عند الغاصب خيّر ربّه في أخذه خلا أو مثل عصيرة ان علم قدره وإلا فقيمته لأن المثلي الجزاف يضمن بالقيمة إذا فات».
وذهب الشيرازي (^٣) من فقهاء الشافعية: إلى أنه: «ان غصب عينا فاستحالت عنده بأن كان بيضا فصار فرخا أو كان حبا فصار زرعا أو كان زرعا فصار حبا فللمغصوب منه أن يرجع به لأنه عين ماله فإن نقصت قيمته بالاستحالة رجع بأرش النقص لأنه حدث في يده وان غصب عصيرا فصار خمرا ضمن العصير بمثله لأنه بانقلابه خمرا أسقطت قيمته فصار كما لو غصب حيوانا فمات فإن صار الخمر خلا ردّه وهل يلزمه ضمان العصير مع ردّ الخل؟ وجهان: أحدهما يلزمه لأن الخل غير العصير فلا يسقط برد الخل ضمان ما وجب بهلاك العصير والثاني لا يلزمه».
_________________
(١) تحفة الفقهاء/١١٥:٣.
(٢) الشرح الصغير/٩٠:٤، المدونة/سحنون/٧١:١٤.
(٣) المهذب/٣٧٧:١.
[ ١٥٩ ]
وقد ذكر الغزالي (^١) ان عدم إلزامه هو الأصح.
وذهب فقهاء الحنابلة (^٢):
أنه: «ان غصب عصيرا فتخمر فعليه قيمته فإن انقلب خلاّ ردّه وما نقص من قيمة العصير».
وذكر أيضا (^٣): «وإن غصب بيضا فصار أفراخا أو نوى فصار غرسا ردّه ولا شيء له».
أما في المذهب الجعفري:
فقد ذكر السبزواري (^٤) أنه: «ولو غصب عصيرا فصار خمرا ثم صار خلا كان للمالك ولو نقصت قيمة الخل كان الأرش على الغاصب».
وذكر الشيخ الطوسي (^٥): معللا هذا الرأي: «. لأن هذا عين ماله».
وذكر الشهيد الثاني (^٦): «إذا غصبه عصيرا فصار خمرا ضمن مثله لتنزيله بذلك منزلة التلف لخروجه عن أهلية المالك».
وفي المذهب الزيدي:
ذكر ابن المرتضى (^٧) رأي الإمام يحيى والهادي بعد أن رمز إليهما أن لو
_________________
(١) الوجيز/٢١١:١ راجع تكملة المجموع/٨٠/ ٨١:١٤/المطيعي.
(٢) المقنع/لابن قدامة/٢٥٠:٢ وراجع الإقناع/الحجاوي/٣٥٢:٢.
(٣) المقنع/لابن قدامة/٢٣٦:٢ وراجع الإنصاف/المرادوي/٢٠٠:٦.
(٤) كفاية الأحكام/ج ٢/طبع حجر. باب الغصب.
(٥) المبسوط /٧٢:٣.
(٦) مسالك الافهام/ج ٢/طبعة حجرية/ باب الغصب.
(٧) البحر الزخار/١٨٢:٤.
[ ١٦٠ ]
غصب عصيرا فتخلل لا بعلاج فاستهلاك، كلو تلف في يده أما المؤيد فلم يذهب الى ذلك.
ومن خلال هذا الاستعراض لكلمات الفقهاء في موضوع تغير ذات المغصوب بطبيعتها نستظهر ما يلي:
١ - ان الذات ان انقلبت الى مالا مالية له فهي فوات لها تستوجب الضمان. وعلى هذا إجماع الفقهاء.
٢ - ان انقلبت الذات الى مالا مالية له، ثم استحالت مرة أخرى إلى ماله مالية كالعصير ينقلب خمرا ثم ينقلب خلاّ فإن هناك اتجاهين:
الأول: يذهب الى أن الخل كما في المثال هو عين العصير فيسترده المالك وان ظهر فيه نقص فإنه يغرم أرشه. وهذا رأي الحنابلة والأصح على رأي الشافعية وهو رأي الجعفرية.
الثاني: يذهب الى تخيير المغصوب منه بين أخذ العين كما هي ولا شيء على الغاصب وبين تضمين مثلها. وهو رأي المالكية والحنفية.
وإلى هذا الرأي الثاني ذهب القانون المدني العراقي (^١) في المادة (١٩٤) فقرة أولى إذا تغير المغصوب عند الغاصب فالمغصوب منه بالخيار إن شاء استرد المغصوب عينا مع التعويض عن الإضرار الأخرى وإن شاء ترك المغصوب ورجع على الغاصب بالضمان».
ونحن نميل هنا إلى الرأي الأول وذلك لما يأتي:
١ - ان ذات المغصوب موجودة بعينها ولم تتلف وعليه فلا مسوّغ للضمان.
٢ - ان المغصوب قد فقد خصوصية من خصوصياته المعتبرة عرفا وإذا
_________________
(١) القانون المدني العراقي رقم ٤٠ لسنة ١٩٥١. وراجع محاضرات في المسؤولية المدنية/مرقص/ص ١٥٣/ ١٥٤.
[ ١٦١ ]
ظهر فيه نقص لزم الضمان وعليه فلا مسوّغ أيضا لاسترداد المغصوب كما هو دون تعويض. وهذا ما التفت اليه القانون المدني العراقي في نص المادة المذكورة.
وعليه فالمتحصل ان الغاصب هنا ملزم بردّ المغصوب مع التعويض عن الإضرار الأخرى.