عرفنا رأي الفقهاء في كيفية ضمان المثلي عند التلف وهنا نريد أن نتعرف على كيفية ضمان القيمي.
في المذهب الحنفي:
ذكر ابن قاضي (^٣) سماونة: «في غصب القيمي يجب قيمته يوم غصبه أو يوم إتلافه وفي عدة المفتين للنسفي: من أتلف القيمي فعليه قيمته يوم غصبه».
وذكر المرغيناني (^٤): «. بخلاف ما لا مثل له لأنه مطالب بالقيمة بأصل السبب كما وجد فتعتبر قيمته عند ذلك».
وفي مختصر المسعودي (^٥): «فإن هلك في يده بفعله أو بغير فعله فعليه قيمته يوم غصبه إن لم يكن له مثل وإلا فعليه مثله».
_________________
(١) نهاية المحتاج/الرملي/١٦٢:٥.
(٢) جواهر الكلام/النجفي/ج ٦/باب الغصب.
(٣) جامع الفصولين/٩٣:٢.
(٤) الهداية شرح البداية/١٢:٤.
(٥) مختصر المسعودي/مخطوط /معهد الدراسات الإسلامية/المكتبة/رقم ٨٥. وراجع الاختيار لتعليل المختار/عبد الله الموصلي/٥٩:٣.
[ ١٣٤ ]
ومن هذه النصوص يتبين لنا ان القيمي يكون ضمانه في رأي فقهاء المذهب يوم غصبه.
وفي المذهب الشافعي (^١) يضمن الغاصب قيمة المغصوب أكثر ما كانت قيمة من يوم الغصب الى يوم التلف.
وفي المذهب الحنبلي:
ذكر ابن قدامة (^٢): «. وإن لم يكن مثليا ضمنه بقيمته يوم تلفه في بلده من نقده - أي نقد بلد التلف -».
وذكر ابن النجار (^٣): «. وغيره - وغير المثلي - يضمن بقيمته يوم تلفه في بلد غصبه من نقده».
ويتبين هنا ان فقهاء المذهب الحنبلي على خلاف ما ذهب إليه الأحناف فضمان القيمي على رأيهم - عند التلف - يوم تلفه.
وفي المذهب المالكي:
ذكر ابن جزي (^٤): «. ويرد القيمة فيما لا مثل له كالعروض والحيوان والعقار وتعتبر القيمة في ذلك يوم الغصب لا يوم الرد».
ومن هنا نفهم ان رأي فقهاء المالكية موافق لرأي الأحناف.
وفي المذهب الجعفري:
ذكر الشيخ محمد جواد (^٥) مغنية: إن كان المغصوب قيميا كالحيوان ونحوه فعلى الغاصب ان يدفع قيمة المغصوب يوم تلفه
_________________
(١) الأم/٢٢٠:٣ وكذا في المهذب/الشيرازي/٣٠٧:١، الوجيز/الغزالي/١٢٦:١، الأنوار/الأردبيلي/٣٦٥:١.
(٢) المقنع/٢٤٨/ ٢٤٩:٢.
(٣) منتهى الإرادات/٥١٧/ ٥١٨:١ وكذا ذكر المرداوي في الإنصاف/١٩٤:٦. وانه اختيار المذهب وراجع المغني لابن قدامة/ج ٢٥٨:٥، الإقناع/٣٥١:٢.
(٤) القوانين/ص ٢٨٢. وراجع أيضا البهجة شرح التحفة/التسولي/٣٤٥:٢، مختصر خليل/ص ١٨١.
(٥) فقه الامام الصادق/١٩/ ٢١:٣.
[ ١٣٥ ]
لا قبله ولا بعده وإن طال الأمد لأن يوم التلف هو الوقت الذي تشتغل فيه الذمة بالقيمة.
قال صاحب الجواهر (^١): «الأقوى وجوب القيمة حين التلف وفاقا للفاضل والشهيد الثاني والسيوري والكركي والأردبيلي بل هو المحكي عن القاضي في الدروس والروضة نسبته إلى الأكثر وذلك لأنه وقت الانتقال إلى القيمة وإلا فقبله مكلف برد العين من غير ضمان للنقص السوقي إجماعا.
وقد نقل الشيخ مغنية قولا لجماعة من الفقهاء باعتبار «أعلى القيم» من حين الغصب الى حين الدفع عقابا ثم علق عليه بقوله: «انه مجرد استحسان إضافة الى إجماع الفقهاء على عدم ضمان القيمة السوقية».
وحاصل رأي فقهاء الجعفرية في المسألة ما ذكره السبزواري (^٢) في كفايته فقد ناقش الأقوال في المسألة وقال: «اختلف الأصحاب على أقوال»:
١ - اعتبار قيمته يوم الغصب وذهب اليه الشيخ في المبسوط (^٣) وقد نسبه المحقق إلى الأكثر، وهذا موافق لرأي الحنفية كما ذكرنا.
ضمان أعلى القيم من حين الغصب الى التلف وهو منقول عن الشيخ في الخلاف (^٤) وموضع من المبسوط واختياره ابن إدريس واستحسنه المحقق.
٣ - الضمان بالقيمة يوم التلف (^٥) وهو مذهب ابن البراج والعلامة في المختلف ونسبه في الدروس إلى الأكثر، وهذا موافق لرأي الحنابلة كما ذكرنا.
_________________
(١) جواهر الكلام/١١٥:٦.
(٢) كفاية الأحكام/طبع حجر/باب الغصب.
(٣) المبسوط /الشيخ الطوسي/٦٢/ ٦٣:٣ وكذا ذكر في الشرائع/المحقق/١٥٢:٢.
(٤) الخلاف/٢٥٨:١، وذهب العلامة الحلي إليه في تذكرة الفقهاء/ج ٣٨٤/ ٣٩٨:٢. والشهيد الأول في اللمعة الدمشقية راجع الروضة البهية/الشهيد الثاني/ج ٢ ص ١٩٣.
(٥) مسالك الافهام/ج ٢/طبع حجر، منهاج الصالحين/السيد الحكيم/ج ٢ ص ١٨٠.
[ ١٣٦ ]
٤ - أعلى القيم من حين الغصب الى وقت رد القيمة وهو منقول عن المحقق في أحد قوليه: ووجه القول الأول بأن وقت حدوث الغصب أول وقت دخول العين في ضمان الغاصب والضمان إنما هو لقيمته فيقضي به.
ووجه القول الثاني: بأن العين ما دامت موجودة فلا حق لمالكها في القيمة زادت أم نقصت ولهذا لم يحكم عليه بزيادة القيمة السوقية عند نقصانها حين الرد والانتقال إلى القيمة إنما هو عند التلف فتعتبر القيمة في تلك الحال وفيه أيضا ضعف.
ووجه القول الثالث: بأنه مضمون في جميع حالاته التي من جملتها حالة أعلى القيم ولو تلف فيها لزم ضمانه فكذا بعده.
ولعل القول الرابع مبني على الواجب في القيمي رد المثل والانتقال إلى القيمة عند تعذره فجميع الزمان الى حين الرد ضمان لقيمة ما في ذمته. وعلى القول باعتبار القيمة مطلقا لا توجيه لهذا القول.
قال (^١): والاعتبار العقلي العدلي يقتضي المصير الى القول الثالث وهو الضمان بيوم التلف لأن الغاصب في أول زمان الغصب مكلف بإيصال المغصوب الى المالك في ذلك الوقت فإذا لم يفعل كان عليه ان يجبر النقصان الذي حصل للمالك في ذلك الوقت فإذا لم يفعل كان عليه ان يجبر النقصان الذي حصل للمالك بسببه ويجبر النقصان أما برد العين في زمان آخر أو قيمته في الزمان الأول عند تعذر ذلك.
وفي المذهب الزيدي:
ذكر في التاج (^٢): «أما إذا كان التالف قيميا فالواجب في التالف من القيمي من الأصل قيمته يوم الغصب في بلد الغصب لا يوم التلف».
_________________
(١) كفاية الأحكام/السبزواري/طبع حجر/باب الغصب.
(٢) التاج المذهب لأحكام المذهب/العنسي/٣٦٧:٣.
[ ١٣٧ ]
وهذا موافق لرأي الحنفية والمالكية وبعض فقهاء الجعفرية كما أشرنا.
وقد ذكر ابن المرتضى (^١) رأيا آخر وافق فيه اتجاه الشافعية وبعض الجعفرية وهو القول بضمان أعلى القيم من الغصب الى التلف فقد قال: «وفي تالف القيمي أوفر القيم من الغصب الى التلف.
وخلاصة ما استدل به أصحاب الرأي القائلين بضمان القيمي التالف بقيمة يوم الغصب ما يلي:
١ - استدل الأحناف: ان يوم القبض هو «وقت وجوب الضمان لأن الضمان يجب بالغصب ووقت ثبوت الحكم وقت وجود سببه فتعتبر قيمة المغصوب يوم الغصب» (^٢).
ويمكن مناقشة هذا الدليل بأن الحكم بضمان القابض للعين وقت القبض لا يستلزم الضمان بقيمة ذلك الوقت إذ من المتفق عليه ان العين لو كانت باقية لزم ردها الى مالكها وهذا القول يستلزم انتقال ضمان العين حين قبضها إلى القيمة مع فرض بقائها وهو لا وجه (^٣) له.
٢ - ما استدل به السبزواري (^٤) بقوله: «ان وقت حدوث الغصب أول وقت دخول العين في ضمان الغاصب والضمان إنما هو لقيمته فيقضي به حالة ابتدائه».
وهذا الدليل فريب من دليل الكاساني المتقدم ويمكن مناقشته بنفس المناقشة السابقة.
واستدل القائلون بالضمان بأعلى القيم بما خلاصته:
_________________
(١) البحر الزخار/١٧٥:٤.
(٢) بدائع الصنائع/الكاساني/١٥١:٧.
(٣) مفتاح الكرامة/العاملي/٢٤٤:٦.
(٤) كفاية الأحكام/ج ٢/طبع حجر/غير مرقم.
[ ١٣٨ ]
١ - استدل السبزواري من الجعفرية بأن: «المغصوب مضمون في جميع حالاته التي من جملتها حالة أعلى القيم ولو تلف فيها لزم ضمانه فكذا بعده».
ويرد عليه: ان ضمان العين على تقدير تلفها في تلك الحالة لا أثر له إذ من المسلم به ان العين ما دامت باقية فالزيادة السوقية غير مضمونة وضمان القيمة إنما هو على تقدير وقوع التلف لا مطلقا.
٢ - واستدل الشيرازي (^١) من الشافعية بنحو الدليل السابق إذ قال:
«انه غاصب في الحال التي زادت فيها قيمته فلزمه ضمان قيمته كالحالة التي غصب فيها».
وقد تقدم مناقشة ذلك في الدليل السابق.