ان الغاصب قد يصرف مبالغ من المال لأجل تنمية المغصوب أو الحفاظ عليه.
وهنا فإذا استرد المالك المغصوب فهل أن للغاصب المطالبة بما أنفقه على المغصوب أم لا يحق له ذلك؟ الظاهر من كلمات الفقهاء في المقام بأنه لا يحق للغاصب المطالبة بما أنفقه على الشيء المغصوب مهما عظمت تلك النفقة وخالف ابن القاسم (^٤) من المالكية ذلك.
_________________
(١) التاج المذهب لأحكام المذهب ٣٥٢:٣.
(٢) البحر الزخار ١٨٧:٤.
(٣) شرح المجلة/منير القاضي/ج ١ ص ١١٤.
(٤) البهجة شرح التحفة/التسولي/٣٤٦:٢.
[ ١١٤ ]
ذكر الكاساني (^١) ذلك وهو من فقهاء الحنفية، قال: «وكذلك لو غصب أرضا فيها زرع أو شجر فسقاه الغاصب وأنفق عليه حتى انتهى بلوغه وكذلك لو كان نخلا أطلع فأبره ولقّحه وقام عليه فهو للمغصوب منه ولا شيء للغاصب فيما أنفق».
وذكر الشافعي (^٢) ذلك أيضا قائلا: «ان ما يحدثه الغاصب فيما اغتصب شيئين. الثاني أثر لا عين موجودة مثل الماشية يغصبها صغارا والرقيق يغصبهم صغارا فيداويهم وتعظم نفقته عليهم حتى يأتي صاحبهم وقد أنفق عليهم أضعاف أثمانهم فليس له شيء».
وذكر سيدي أحمد الدردير (^٣) من فقهاء المالكية أن: «ما أنفق الغاصب على المغصوب كعلف الدابة ومؤنة العبد وكسوته وسقي الأرض وعلاجها وخدمة شجر ونحو ذلك مما لا بدّ منه ففي الغلة أي يكون في نظير الغلة التي استغلها. وإن زادت النفقة على الغلة فلا رجوع للغاصب بالزائد كما أنه إذا كان لا غلة للمغصوب فلا رجوع له بالنفقة لظلمة».
أما في المذهب الجعفري فإنه يظهر من صحيحة أبي ولاد (^٤) التي جاء فيها أنه سأل الإمام الصادق ﵇ قائلا: «اكتريت بغلا الى قصر ابن أبي هبيرة ذاهبا وجائيا بكذا وكذا درهم وخرجت في طلب غريم لي فتوجهت نحو النيل (^٥) فلما أتيته خبرت أنه توجه الى بغداد فاتبعته فظفرت به ورجعت الى الكوفة الى أن قال»:
فأخبرت أبا عبد الله فقال: «أرى عليك مثل كراء البغل ذاهبا من
_________________
(١) بدائع الصنائع/١٦٢:٧.
(٢) الأم/٢٢٦:٣.
(٣) الشرح الصغير/٩٣:٤.
(٤) التهذيب/الشيخ الطوسي/٢١٥/ ٢١٦:٧، الباب الثاني.
(٥) النيل: منطقة قرب الحلة.
[ ١١٥ ]
الكوفة إلى النيل ومثل كرى البغل من النيل الى بغداد ومثل كرى البغل إلى الكوفة وتوفيه إياه».
قال: جعلت فداك: قد علفته بدراهم فلي عليه علفه؟ قال: لا: لأنك غاصب.
أما في المذهب الزيدي فقد ذكر العنسي (^١): «وأعلم ان الغاصب لا يرجع على المالك بما غرم فيها أي في العين المغصوبة سواء كان للبقاء أو للنماء نحو ان تكون دابة فعلفها أو شجرا صغارا فغرسها وسقاها حتى كبرت.
فلا يرجع الغاصب بما غرم في هذه الصور وان زادت به قيمة العين المغصوبة بذلك».
وقد استدل الفقهاء فيما ذهبوا إليه هنا بما يأتي:
أ - ان الغاصب متعد وليس لعرق ظالم حق (^٢).
ب - لأن النفقة التي أنفقها الغاصب ليست عينا قائمة بالجسد كالصبغ في الثوب مثلا وإنما هي مجرد أثر (^٣).
ج - لأن النفقة التي أنفقها الغاصب إنما هي في نظير الغلة التي استغلها من المغصوب لأنه وإن ظلم لا يظلم (^٤).
د - لأنه ليس للغاصب عين مال متقوم قائم في المغصوب (^٥).
ويظهر من كل ذلك ان ما ينفقه الغاصب على المغصوب ان كان عينا منفصلة عن المغصوب كالبناء في الأرض المغصوبة أو ما شاكل ذلك فقد استوضحنا في محله وإن لم يكن كذلك فليس للغاصب مهما عظمت نفقته على المغصوب الرجوع على المالك بل ان ما أنفقه يعتبر هدرا.
_________________
(١) التاج المذهب/٣٥٥:٣، البحر الزخار/لابن المرتضى/١٨٤:٤.
(٢) نفس المصدر.
(٣) الأم/الشافعي/٢٢٦:٣.
(٤) الشرح الصغير/٩٣:٤.
(٥) بدائع الصنائع/١٦٢:٧.
[ ١١٦ ]