لا بدّ لنا ونحن نريد بحث نظرية الغصب في الفقه الإسلامي المقارن ان نتطرق الى صلة الغصب بفلسفة الملكية باعتبار ان الغصب هو أحد الأعمال غير المشروعة التي تقع على الملك.
«ان حقّ الملكية الفردية يتصل بنظرية القانون الطبيعي تلك النظرية التي لم يستطع النقد ان يخمد أنفاسها لأن ما وجه إليها من تفنيد يتصل بخصائص القانون الطبيعي التقليدية ولا ينفي وجود هذا القانون.» (^١).
ان ميل الإنسان إلى احتياز الأشياء مركوز في طبيعته الإنسانية وهي ظاهرة حياتية لا يمكن التغافل عنها بحال مهما كانت الحجج والمبررات. ومن هنا يبدو ان القول الذاهب الى ان مسيرة الإنسان الحياتية قد شهدت صراعات دامية بسبب الملكية وعليه يلزم إسقاطها من الحساب لإيجاد حياة لا تبرز فيها ظواهر عدائية أو دامية يبدو ان هذا القول بعيد عن الصفة العلمية والواقعية. وان الحق يقتضينا ان نتعامل مع هذه الظاهرة - ميل الإنسان إلى التملك - بروح أكثر جديّة وواقعية فنسعى إلى إيجاد تخطيط متكامل ومتناسق يعنى بتنظيم هذا الحق - حق الملكية - مصادر اكتسابه ووسائل نمائه وطرق استثماره وتوظيفه وضمانات حمايته وحينذاك نكون قد أمنا ما يمكن ان يتأتى من فوضى إطلاقه بلا قيود أو شروط.
وهنا لو رجعنا الى مجمل التشريعات الإسلامية بهذا الخصوص لا نكشف لنا وبجلاء عظم ما تمتلكه هذه التشريعات من تخطيط وتنظيم رائعين لهذا الحق.
ومن هنا ايضا واستنادا الى القانون الطبيعي نرى أن الشريعة الإسلامية قد أولت حق الملكية أهمية خاصة فاحترمته أولا وأقرته وكفلت في تشريعاتها
_________________
(١) حق الملكية في ذاته/الدكتور صلاح الدين الناهي.
[ ٢٣ ]
وسائل نمائه وطرق حمايته ومن خلال ذلك وباعتبار ان الغصب سبب من أسباب الكسب غير المشروع من جهة وطريق يهدد الملكية الفردية ويحول دون استثمارها على الوجه الأكمل نجد الفقه الإسلامي يعالجه بأسلوبه الخاص فيحمل الغاصب مسؤوليات خاصة تجعله يقف وجها لوجه امام التزام لا قبل له به فيسعى للتحلل من هذا الالتزام. ويتناول الفقه هنا كافة الاحتمالات القائمة سواء استغلال المغصوب والانتفاع به أو زيادته أو نقصانه وكل ما يمكن ان يطرأ عليه (^١).
وهذا ما سنتحدث عنه تفصيلا في رسالتنا هذه.
_________________
(١) استخلصنا هذا البحث من: ١ - حق الملكية في ذاته/الأستاذ صلاح الدين الناهي/ص ١٥٦/معهد الدراسات العربية ١٩٦٠/ ١٩٦١. ٢ - اشتراكية الإسلام/مصطفى السباعي. ٣ - الملكية في الشريعة الإسلامية مع المقارنة بالشرائع الوضعية/علي الخفيف/ط ١/ ١٩٦٦.
[ ٢٤ ]