اتفق الفقهاء في مسألة براءة الغاصب من الضمان على أنه متى عادت سلطة المالك على ملكه واستطاع أن يتصرف فيه كما لو كان في يده فإن الضمان حينئذ يسقط عن الغاصب.
وهنا كيف نتحقق سيطرة المالك على المغصوب: هل بمجرد مصير العين المغصوبة تحت يده سواء علم أنها ملكه أم لا؟ أم يشترط علمه بأن هذا الشيء الذي تحت يده إنما هو ملكه وعين ماله؟
_________________
(١) شرح القانون المدني/١٨٠:٢/محمد كامل مرسي وراجع أيضا محاضرات في المسؤولية المدنية/سليمان مرقص/١٥٧/ ١٥٨.
(٢) راجع مجلة نقابة المحامين/عمان/ص ٤١٠/لسنة ١٩٥٣.
[ ١٥٢ ]
للفقهاء هنا رأيان:
الرأي الأول: وهو رأي جمهور الفقهاء من الشافعية والراجح عند الحنابلة وعليه جمهور الجعفرية والناصر من فقهاء الزيدية: وهؤلاء ذهبوا الى أن علم المالك بأن هذا الشيء الذي صار تحت يده إنما هو ماله ومملوك له شرط في تحقق براءة الغاصب من الضمان.
فقد ذكر الشيرازي (^١) من فقهاء الشافعية: «ان رهنه - أي المغصوب - عند مالكه أو أودعه أو آجره منه وتلف عنده فإن علم انه له برئ الغاصب من ضمانه لأنه أعاده إلى يده وسلطانه. وإن لم يعلم فوجهان يبرأ لأنه عاد اليه والثاني لا. لأنه لم يعد الى سلطانه وإنما عاد اليه على أنه أمانة».
وذكر البجيرمي (^٢): أن العلم شرط على رأي أغلب فقهاء المذهب.
وذكر المرداوي (^٣) من فقهاء الحنابلة: «ولو وهب المغصوب لمالكه أو إهداء إليه برئ على الصحيح من المذهب لأنه سلمه إليه تسليما تاما».
وذكر ابن قدامة (^٤): «وان رهنه عند مالكه أو أودعه إياه أو آجره أو استأجره على قصارته وخياطته لم يبرأ إلا أن يعلم وان أعاره إياه برئ علم أو لم يعلم، قال في الإنصاف وهو المذهب جزم به في الوجيز».
أما في المذهب الجعفري:
فقد ذكر الشيخ الطوسي (^٥): «إذا أطعمه مالكه فهل تبرأ ذمة الغاصب أم لا؟ قال نظرت فإن كان المالك عالما بأنه
_________________
(١) المهذب/٣٨١:١، الأنوار/٣٦٩:١، الوجيز/الغزالي/٢٠٧:١.
(٢) حاشية البجيرمي/١٥١:٣.
(٣) الإنصاف/١٨٩:٦، القواعد والفروع الفقهية/لابن اللحام/ص ٨٩.
(٤) المقنع/٢٤٦/ ٢٤٧:٢.
(٥) المبسوط /٨٩:٣.
[ ١٥٣ ]
ملكه فأكله مع العلم بحاله برئت ذمة الغاصب لأنه رضي بأكل مال نفسه فبرئت ذمة الغاصب منه».
وفي المذهب الزيدي:
ذكر ابن المرتضى (^١): «ويبرأ الغاصب بمصير العين الى المالك بأي وجه كان من إطعامه إياها من غير استهلاك أو إعارته أو نحوها وان جهلها. وخالف الناصر في أحد قوليه واشترط العلم».
أما الرأي الثاني: فهو لفقهاء الحنفية وهو وجه عند الشافعية واتجاه عند الحنابلة وهو لأغلب فقهاء الزيدية. وكل هؤلاء لا يشترطون علم المالك لتتحقق براءة الغاصب من الضمان بل يكفي من وجهة نظرهم أن تقع العين المغصوبة تحت يده أو يتصرف بها تصرف الملاّك.
وذكر ابن قاضي سماونة (^٢) انه: «لو وضع الغاصب المغصوب بين يدي مالكه بريء وإن لم توجد حقيقة القبض وكذا المودع وذكر أيضا أنه لو اطعم المالك الشيء المغصوب أو كساه إياه بريء وإن لم يعلم المالك وأجمعوا أنه لو وهبه له وسلمة أو باعه منه وهو لا يعلم به بريء».
وأما في المذهب الشافعي:
فقد ذكرنا قول الشيرازي (^٣) وإن القول ببراءة الغاصب مع عدم علم المالك وجه في رأي فقهاء المذهب.
أما الحنابلة (^٤) فقد فرقوا بين رهن المغصوب عند مالكه وإجارته أو إيداعه فرأوا العلم شرطا لتحقق البراءة وبين أن يهبه الشيء المغصوب أو يهديه الى المالك أو يعيره إياه فإنه حينئذ يبرأ الغاصب من الضمان سواء علم المالك أم لم يعلم.
_________________
(١) البحر الزخار/١٧٩:٤.
(٢) جامع الفصولين/٩٤/ ٩٥:٢.
(٣) المهذب/٣٨١:١، وراجع الوجيز/الغزالي/٢٠٧/ ٢٠٨:١.
(٤) المقنع/لابن قدامة/٢٤٦/ ٢٤٧:٢، وراجع الإنصاف/المرداوي/١٨٩:٦.
[ ١٥٤ ]
أما الزيدية: فقد ذكر ابن المرتضى (^١): «ويبرأ بمصير العين الى المالك بأي وجه كان من إطعامه أيها من غير استهلاك أو نحوهما وان جهلها».
وذكر العنسي (^٢) في التاج: «وكذا - أي يبرأ - لو باعها منه أو رهنها أو يعيره إياها أو نحو ذلك فإنه يبرأ بشرط أن يكون المالك عند قبضه مختارا أو مكرها وأن يكون على حال يصح الرد اليه وأن جهل المالك مصيرها اليه».
وذكر أيضا أنه إذا أبرأ المالك أحد الغاصبين بريء الآخرون، إذ الإبراء إسقاط لما تعلق في الذمة بسبب هذه العين فلم يختص.
ولم أر - في حدود اطلاعي - لأصحاب الرأي الثاني دليلا لا من المعقول ولا من المنقول وغاية ما عثرت عليه ما ذكره ابن المرتضى من انه حتى مع عدم علمه بأن هذا الشيء إنما هو ماله المغصوب منه فإن الغاصب يبرأ من الضمان «لأن المالك قد وصل الى حقه» (^٣).
أما أصحاب الاتجاه الأول الذين ذهبوا الى أن الغاصب لا يبرأ من الضمان إلا بإرجاع المغصوب الى المالك وتحقق علمه بذلك فإنهم استدلوا:
١ - «بأن الغاصب إنما ضمن لأنه أزال يد المالك وسلطانه عن المال وبالتقديم اليه مع عدم علمه لم تعديده وسلطانه حقيقة وإنما عاد اليه على أنه أمانة أو تبرع» (^٤).
٢ - أن الردّ لم يتحقق عرفا هنا وإنما يزول عنوان الغصب الموجب للضمان بكل ما دلّ على رضا المالك ببقاء العين المغصوبة في يد الغاصب أو
_________________
(١) البحر الزخار/١٧٩:٤.
(٢) التاج المذهب/لأحكام المذهب/٣٦٣/ ٣٦٤:٣.
(٣) البحر الزخار/١٧٩:٤.
(٤) المهذب/الشيرازي/٣٨٠:١.
[ ١٥٥ ]
بما اعتبره العرف ردّا وظاهر أن العرف هنا إنما يعتبر إطعام المالك طعامه المغصوب بدون علمه أو إعارته له أو ما شاكل اما من باب التغرير أو أمانة.
وعليه فنحن نميل هنا الى القول الأول الذاهب الى اشتراط العلم في صحة تحقق الرد وبالتالي براء الغاصب من الضمان.
والملاحظ هنا أن القانون المدنية (^١) يوافق رأي الحنفية ومن تابعهم فيذهب الى أن علم المالك ليس بشرط لتحقق الرد المبرء للغاصب من الضمان وإلى ذلك أيضا ذهبت مجلة الأحكام العدلية (^٢).
_________________
(١) محاضرات في القانون المدني/مرقص/ص ١٥٢/ ١٥٣.
(٢) شرح المجلة/منير القاضي/١٤:١.
[ ١٥٦ ]