قلنا ان الغاصب يضمن المغصوب لو تلف بإجماع الفقهاء أما كيف يكون الضمان فهذا ما سنتحدث عنه تفصيلا في هذه النقطة من البحث فنقول:
ان المغصوب التالف لا يخلو اما ان يكون مما له مثل أو مما لا مثل له ولقد ذكرنا ما هو المثلي وما هو غير المثلي في البحث التمهيدي. والذي يهمنا هنا ان الفقهاء قالوا بتضمين الغاصب للمثل ان كان التالف مثليا وللقيمة ان كان قيميا:
جاء في المذهب الحنفي:
ذكر أبو الليث السمرقندي (^٦): «أن غصب مكيلا أو موزونا أو
_________________
(١) الميزان/٦٤:٢.
(٢) بداية المجتهد/٣١٧:٢.
(٣) موسوعة الفقه الإسلامي/١٥٤:٢.
(٤) درر الحكام شرح مجلة الأحكام/علي حيدر/ص ١١٨١.
(٥) القانون المدني العراقي/ص ٥٢.
(٦) خزانة الفقه وعيون المسائل/٣١٧/ ٣١٨:١ تحقيق الدكتور الناهي.
[ ١٢٢ ]
معدودا مما يجوز السلم فيه - أي مثليا - فإن أهلكه أو هلك عنده يضمن مثله.» وذكر الكاساني (^١): «المغصوب لا يخلو أما ان يكون مما له مثل وأما ان يكون مما لا مثل له فان كان مما له مثل. فعلى الغاصب مثله لأن ضمان الغصب ضمان اعتداء والاعتداء لم يشرع إلا بالمثل. الآية (ومن اعتدى عليكم.) وان كان مما لا مثل له فعليه قيمته لتعذر المثلية.» وفي المذهب الشافعي:
جاء في المهذب (^٢): «وان كان مما له كالحبوب والأدهان ضمن بالمثل».
وذكر الغزالي (^٣) ذلك ايضا وقال: «أما المتنومات إذا تلفت فتضمن بأقصى قيمتها من وقت الغصب الى التلف.».
ففي المذهب الحنبلي:
ذكر ابن قدامة (^٤): «وان تلف المغصوب ضمنه بمثله ان كان مكيلا أو موزونا. إلخ».
وذكر المرداوي (^٥): «وان تلف المغصوب: لزمه مثله ان كان مكيلا أو موزونا وكذا لو أتلفه هذا المذهب وعليه الأصحاب سواء تماثلت أجزاؤه
_________________
(١) بدائع الصنائع/١٥٠/ ١٥١:٧. وراجع جامع الفصولين ٩٣:٢. وكذا الاختيار لتعليل المختار/عبد الله الموصلي/٥٩:٣، الهداية المرغيناني/١١/ ١٢:٤.
(٢) المهذب/الشيرازي/ج ١/ص ٣٧٤/ ٣٧٥.
(٣) الوجيز/٢٠٨/ ٢٠٩:١ وراجع اعانة الطالبين/البكري/١٣٨:٣.
(٤) المقنع/٢٤٨/ ٢٤٩:٢ وكذا ذكر في الإقناع/الحجاوي/٣٥٠:٢ وراجع منتهى الإرادات/لابن النجار/٥١٧/ ٥١٨:١.
(٥) الإنصاف في الراجح من الخلاف/١٩٠:٦.
[ ١٢٣ ]
أو تفاوتت كالأثمان والحبوب، والأدهان، وغير ذلك. وجزم به في العمدة».
وجاء في مختصر الإنصاف (^١): «ان تلف المغصوب ضمنه بمثله. ان لم يكن مثليا ضمنه بقيمته.».
وفي المذهب المالكي:
ذكر ابن جزي (^٢): «وان كان قد فات ردّ اليه مثله أو قيمته فيرد المثل فيما له مثل. ويرد القيمة فيما لا مثل له.».
وذكر ابن رشد (^٣): «فإذا ذهبت عينه فإنهم اتفقوا على أنه إذا كان مكيلا أو موزونا أن على الغاصب المثل. أعني مثل ما استهلك صفة ووزنا».
أما في المذهب الجعفري:
ذكر الشيخ الطوسي (^٤): «فما له مثل إذا غصب غاصب من هذا شيئا فإن كان قائما رده وإن كان تالفا فعليه مثله».
وذكر في محل آخر (^٥): «وما لا مثل له فإن أتلفها فكمال القيمة».
وذكر المحقق الحلي (^٦): «فإن تلف المغصوب ضمنه الغاصب بمثله إن كان مثليا. فإن لم يكن مثليا ضمن قيمته».
_________________
(١) مختصر الإنصاف/ابن عبد الوهاب/ص ٣٩١ وراجع غاية المنتهى/٢٤٦:٢. وراجع العدة شرح العمدة/ص ٢٧٣.
(٢) القوانين/ص ٢٨٢ وراجع البهجة شرح التحفة ٣٤٥:٢.
(٣) بداية المجتهد/٣١٧، وراجع المدونة/لسحنون/٧٤:١٤.
(٤) المبسوط - ٥٩/ ٦٠:٣.
(٥) نفس المصدر ج ٦٢:٢.
(٦) شرائع الإسلام - ١٥٢،٢، وراجع حكاية الأحكام/ج ٢/طبع حجر، الروضة البهية/٣٧:٧، فقه الامام الصادق - ١٩:٣.
[ ١٢٤ ]
وفي المذهب الزيدي:
ذكر في التاج (^١): «في بيان ما يلزم الغاصب إذا تلفت العين في يده واعلم انه يلزمه في تالف المثلي مثله».
ثم ذكر في موضع آخر (^٢): «وأما إذا كان التالف قيميا فالواجب في التالف القيمي من الأصل قيمته يوم الغصب».
أما في المذهب الظاهري:
فقد ذكر ابن حزم (^٣) ان أبا حنيفة ومالك قالا: «أما ما يكال أو يوزن فعليه مثله وأما ما عدا ذلك من العروض والحيوان فالقيمة. وقال أصحابنا المثل في كل ذلك ولا بدّ فإن عدم المثل فالمضمون له مخير بين ان يمهله حتى يوجد المثل وبين ان يأخذ القيمة قال أبو محمد: وهذا هو الحق الذي لا يجوز خلافه وما نعلم لمن قضى بالقيمة حجة أصلا».
والقضاء العراقي (^٤) تطبيقات متعددة في هذا الموضوع والتفرقة بين القيمي والمثلي في الضمان.
والأدلة على ضمان المثلي التالف يكون بالمثل آيات وأحاديث وأدلة أوردها الفقهاء: أما الآيات فمنها:
أ - قوله تعالى: «﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾» (^٥).
وقد استدل بهذه الآية الشريفة غير واحد من الفقهاء (^٦) في وجوب
_________________
(١) التاج المذهب لأحكام المذهب/العنسي/٣٦٥:٣.
(٢) نفس المصدر/ص ٣٦٧.
(٣) المحلى/١٤٠:٨، وراجع ص ١٣٥.
(٤) قضاء محكمة التمييز/رقم الاضبارة ٣١٤/ ١٩٤٢ في ٣/ ١٩٤٢/٢٨.
(٥) سورة البقرة:١٩٤.
(٦) بدائع الصنائع الكاساني ١٥٠:٧ ١٥١، المبسوط الطوسي ٥٩:٣ ٦٠.
[ ١٢٥ ]
التعويض بالمثل عند تلف المثلي. وقد ذكر القرطبي (^١) في تفسيره: اختلف العلماء فيمن استهلك أو أفسد شيئا من الحيوان أو العروض التي لا تكال ولا توزن فقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما وجماعة من العلماء: عليه في ذلك المثل ولا يعدل إلى القيمة إلا عند عدم المثل لقوله تعالى «﴿فَمَنِ اعْتَدى﴾».
قالوا: وهذا عموم في جميع الأشياء كلها وعضدوا ذلك بقضية القصعة التي كسرت كما سيأتي.
ب - قوله تعالى «وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ» (^٢).
وعمومها يستفاد منه ما ذكرناه من وجوب المثل في تلف المثلي. وكذلك قوله تعالى «فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ ٣ النَّعَمِ».
وهناك آيات أخرى تصلح بعمومها للاستدلال على ما ذكرنا من مثل قوله تعالى «وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها» (^٤).
أما الأحاديث التي استدل بها بعض الفقهاء على تضمين الغاصب بالمثل إن كان المغصوب التالف مثليا: فمنها:
١ - عن أنس (^٥): ان رسول الله ﵌ كان عند بعض نسائه فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم لها بقصعة فيها طعام فضربت بيدها فكسرت
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن ٣٥٧:٢ وراجع مجمع البيان الطبرسي ٢٨٨:٢.
(٢) النحل:١٢٦.
(٣) المائدة:٩٨.
(٤) الشورى:٤٠.
(٥) ذكر هذا الحديث عن أنس الصنعاني في سبل السلام ٧٠/ ٧١:٣ وأخرجه الحافظ ابن حجر العسقلاني في بلوغ المرام من أدلة الأحكام ص ١٩٠. عن أنس أيضا. قال: ورواه البخاري والترمذي وسمى الضاربة عائشة وذكر الزيادة في الحديث. وقد استدل به على ما ذكرنا أيضا.
[ ١٢٦ ]
القصعة، فضمها وجعل فيها الطعام وقال كلوا، ودفع القصعة الصحيحة وحبس المكسورة.
وقد زاد بعضهم على هذا النص قوله ﵌: «طعام بطعام وإناء بإناء» وفي هذا الحديث دلالة على ان من استهلك على غيره شيئا كان مضمونا بمثله.
وهو متفق عليه بالمثلي من الحبوب.
وأورد أحاديث أخر قال (روى عن عثمان وابن مسعود انهما قضيا على من استهلك فصلانا بفصلان مثلها).
ومن طريق عبد الرزاق بن معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن شريح انه قضى في قصّار شق ثوبا ان الثوب له وعليه مثله فقال الرجل أو ثمنه فقال شريح: انه كان أحب إليه من ثمنه قال: انه لا يجد قال: لا وجد.
وعن قتادة انه قضى في ثوب استهلك بالمثل.
قال فإن قالوا: فإنكم لا تقضون بالمكسور للكاسر فقد خالفتم الحديث قلنا: انه لا يخلو من أحد وجهين - أي فعل الرسول ﵌.
أما انها لم تصلح لشيء فأبقاها كما يحل لكل إنسان منا ما فسد جملة من متاع غيره ولم ينتفع منه بشيء وأما ان قصعة عائشة التي أعطى كانت خيرا من التي كانت لزينب فجبر ﵊ تلك الزيادة بتلك الكسارة وإلا فنحن على يقين انه لا يعطي أحدا مال غيره بغير حق.
قال بعد ذلك: فإذا عدم المثل من نوعه فكمل ما قاربه وساواه فهو أيضا مثل له من هذا الباب (^١).
وذكر هذه الأحاديث صاحب الروض النضير (^٢) في الاستدلال بضمان المثل بمثله إلا عند عدمه.
_________________
(١) راجع المحلى لابن حزم ١٤٠/ ١٤١:٧.
(٢) الروض النضير ٦٤/ ٦٥:٤ السياغي.
[ ١٢٧ ]
وإضافة الى ما تقدم من الآيات والأحاديث نجد ان الفقهاء قد أجمعوا أو يكادون كما نقلنا ذلك عند استعراضنا لكلماتهم وقد نقل هذا الاتفاق أيضا الشعراني (^١) قال:
«واتفق الأئمة إلا في رواية لأحمد على ان العروض والحيوان وكل ما كان غير مكيل ولا موزون إذا غصب وتلف يضمن بقيمته وان المكيل والموزون يضمن بمثله إذا وجد».
وهو يقصد بالأئمة الأربعة أبو حنيفة، ومالك والشافعي وأحمد في رواية.
وهناك رأي يستند الى العقل في استنباط هذا المعنى من الآيات المتقدمة خلاصته:
١ - «ان القيمة مثل من حيث الصورة ولأن ضمان الغصب ضمان جبر الفائت ومعنى الجبر بالمثل أكمل منه من القيمة فلا يعدل عن المثل إلى القيمة إلا عند التعذر» (^٢).
٢ - «ان المثل يعرف بالمشاهدة والقيمة تعرف بالاجتهاد وما يعلم يقدم على ما يجتهد (^٣) فيه».
وذكر الشيرازي (^٤) ما يقرب من هذا المعنى بقوله: «ان إيجاب المثل رجوع إلى المشاهدة والقطع وإيجاب القيمة رجوع الى الاجتهاد والظن فإذا أمكن الرجوع الى القطع لم يرجع الى الاجتهاد كما لا يجوز الرجوع الى القياس مع النص».
وأضيف الى ذلك: «ان إرجاع مثل العين أقرب الى العين بنظر العرف
_________________
(١) الميزان ص ٦٢. ونقل الاتفاق ابن رشد بداية المجتهد ٣١٧:٢.
(٢) البدائع الكاساني ١٥٠/ ١٥١:٧.
(٣) المبسوط الطوسي ٥٩:٣.
(٤) المهذب ٣٧٥:١.
[ ١٢٨ ]
والعقلاء وأقرب الى روح العدالة وإرجاع الحق إلى أهله اللذين تتحراهما الشريعة المقدسة».
والخلاف قد وقع هنا بعد اتفاقهم على أنه إذا ذهبت عينه وكان مكيلا أو موزونا ان على الغاصب المثل واختلفوا في العروض فقال مالك (^١): لا يقضي في العروض من الحيوان وغيره إلا بالقيمة يوم استهلك.
وقال أبو حنيفة والشافعي ان الواجب في ذلك المثل ولا تلزم القيمة إلا عند عدم المثل. وذهب الى ذلك ابن حزم (^٢).
والظاهر ان حجة مالك فيما ذهب اليه قول الرسول ﵌: «من أعتق شقصا له في عبد قوّم عليه الباقي قيمة العدل».
وجهة الاستدلال به انه لم يلزمه المثل وألزمه القيمة.
وقد ناقش ابن حزم (^٣) هذا الرأي بما يلي:
١ - ان الشريك لم يستهلك شيئا ولا غصب شيئا ولا تعدى أصلا بل أعتق حصته التي أباح الله تعالى له عتقها وإنما هو حكم من الله أنفذه.
٢ - انه يلزم ان كان المعتق المذكور مستهلكا حصة شريكه ولذلك يضمن القيمة بأن يوجبوا ذلك عليه معسرا كان أو موسرا كما يفعلون في كل مستهلك وهم لا يفعلون هذا (أي القائلون بضمان القيمة هنا).
وليس لهم ان يدعوا إجماعا هنا لأن ابن أبي ليلى وزفر بن الهذيل يضمنون معسرا أو موسرا.
_________________
(١) بداية المجتهد ٣١٧:٢ ابن رشد.
(٢) المحلى ١٤٠:٧.
(٣) نفس المصدر.
[ ١٢٩ ]
ثم ذكر بعد ذلك حديث القصعة المكسورة مستندا إليه في وجوب ضمان المثل إلا عند عدمه.