أشرنا قبل قليل الى ان فقهاء الأحناف ذهبوا الى تضمين الغاصب قيمة الدابة المغصوبة إذا جنى عليها الغاصب أو غيره بقطع طرف منها واحتجوا الى ان هذه الجناية تعتبر استهلاكا لها من كل وجه والظاهر أنهم ذهبوا الى ذلك لكون الدابة غير مأكول اللحم إنما تراد للركوب أو الحمل
_________________
(١) المحلى/١٣٥:٨.
(٢) الهداية/١٦:٤.
(٣) المجموع شرح المهذب/٧٧:١٤.
(٤) شرائع الإسلام/المحقق الحلي/١٥٢:٢.
[ ٢٠٢ ]
فقطع طرف منها يعطل فيها هذا المعنى. وبالرغم من وجاهة هذا الرأي إلا أن الرأي الذي رجحناه وهو ان الغاصب إنما يضمن أرش النقصان ويسترد المالك المغصوب يبدو أكثر دقة لأنه موافق للأصول المعتبرة وأكثر شمولية إذ لو أردنا أن ننظر في مسألة ما لو غصب أحد عربة ركوب حديثة أو عربة حمل حديثة وأحدث فيها خللا بكسر آلة منها أو تحطيم شيء فيها أدى الى تعطيلها عن الحركة والسير فما هو الحكم هنا؟ يبدو ان رأي الجمهور وهو الرأي الراجح هو الأوفق هنا حيث يضمن الغاصب أرش النقص الذي حدث مع استرداد المالك للمغصوب واحتفاظه بحقه في التعويض عن الإضرار الأخرى.
أما إذا حدث في المغصوب عيب يؤدي الى نقصان قيمته فللفقهاء اتجاهان:
الأول: اتجاه جمهور (^١) الفقهاء: وهو تضمين الغاصب.
الثاني: اتجاه فقهاء المالكية (^٢): وقد ذهبوا الى تخيير المغصوب منه بأخذ قيمة المغصوب يوم الغصب أو يأخذه بعيبه ولا شيء له.
وهذا الرأي الثاني يرد عليه ان تضمين الغاصب المغصوب لا وجه له إذ المغصوب موجود غاية الأمر انه حدث فيه عيب فلا يصار الى البدل. وقد استدل أصحاب الاتجاه الأول وهو الاتجاه الذي نذهب اليه بما يلي:
١ - انه كان على الغاصب ان يدفعه صحيحا مما حدث به من عيب كان ضامنا (^٣) له».
_________________
(١) بدائع الصنائع/الكاساني/١٥٧:٧، الأم/الشافعي/٢٢١:٣ المحلى/١٣٥:٨، الإقناع/الحجاوي/٣٤٥:٢، شرائع الإسلام/المحقق الحلي/١٥٢:٢.
(٢) المدونة/محنون/٦٠:١٤، مواهب الجليل/لابن الحطاب/٢٨٦:٥.
(٣) الأم/٢٢١:٣، المهذب/الشيرازي/٣٧٦:١.
[ ٢٠٣ ]
٢ - أنّ أرش النقص إنما يستقر بنقصان العين وقد وجد (^١).
ونضيف ان الغاصب إنما يضمن هنا ايضا لعموم قوله ﵌: «على اليد ما أخذت حتى تؤدي.» ووجه الاستدلال انه أخذه صحيحا فلزم ردّه بحاله وإذا حدث عيب به انقص قيمته لزمه الضمان.
_________________
(١) الإقناع/٣٤٥:٢، كشاف القناع/البهوتي/٩١:٤.
[ ٢٠٤ ]