كنا قد تطرقنا في الباب الأول الى الحديث عن زوائد المغصوب وهل يمكن اعتبارها مغصوبة مضمونة عند التلف أم لا. وقد أوضحنا في محله آراء الفقهاء بهذا الخصوص.
وهنا نريد ان نتحدث عن منافع المغصوب وهل هي مضمونة أم غير مضمونة؟ ونستعرض آراء الفقهاء بهذا الخصوص.
ففي المذهب الحنفي:
ذكر السمرقندي (^١): «ان المنافع لا تضمن بالغصب والإتلاف» وذكر الكاساني (^٢): «وعلى هذا تخرج منافع الأعيان المنقولة المغصوبة انها ليست بمضمونة عندنا».
وقد فرق المتأخرون بين المعد للاستغلال أو مال اليتيم أو الوقف وبين غيرها فقالوا بضمان الغاصب فيها دون غيرها.
جاء في اللباب (^٣): «ولا يضمن الغاصب منافع ما غصبه من ركوب الدابة وسكنى الدار. لأنها حصلت على ملك الغاصب. وهذا فيما عدا ثلاثة مواضع فيجب فيها أجر المثل على اختيار المتأخرين وعليه الفتوى وهو ان يكون وقفا أو ليتيم أو معدا للاستغلال».
ويظهر من ذلك ان المذهب الحنفي لا يلتزم القول بضمان المنافع إلا ما استثناه المتأخرون.
_________________
(١) تحفة الفقهاء/١٢٧:٣ وكذا في الاختيار/الموصلي/٦٤:٣.
(٢) البدائع/١٤٥:٧ وراجع الفتاوى الكاملية/ص ٢١٣، مختصر الطحاوي/ص ١١٨.
(٣) اللباب شرح الكتاب/١٤٤:٢ وإلى هذا التفصيل: ذهب ابن نجيم/الأشباه والنظائر/ص ٢١٤.
[ ١٤٠ ]
وفي المذهب الشافعي:
ذكر في حاشية البجيرمي (^١): «ويلزمه مع ردّ المغصوب والأرش أجرة مثله لمدة إقامته في يده ولو لم يستوف المنفعة ولو تفاوتت المدة ضمن في كل بعض من أبعاض المدة أجرة مثله فيه».
وذكر الرملي (^٢): «وتضمن منفعة الدار ونحوهما من كل منفعة يستأجر عليها بالتفويت - بالاستعمال - والفوات: وهو ضياع المنفعة من غير الانتفاع كإغلاق الدار في يد عادية لأن المنافع متقومة فضمنت بالغصب كالأعيان سواء كان مع ذلك أرش نقص أم لا كما يأتي فلو كان للمغصوب أجرة متفاوتة في المدة ضمن كل مدة بما يقابلها.».
ويظهر من ذلك ان المذهب الشافعي يلتزم القول بضمان المنافع الفائتة تحت يد الغاصب سواء التي انتفع بها أو فاتت بدون انتفاع.
وفي المذهب الحنبلي:
وافق رأي فقهاء الشافعية في القول بضمان المنافع بالفوات والتفويت.
ذكر المرداوي (^٣): «وان كان للمغصوب اجرة: فعلى الغاصب اجرة مثله مدة مقامه في يده يعني إذا كانت تصح إجارته. هذا المذهب وعليه جماهير الأصحاب. ثم قال: منافع المقبوض بالعقد الفاسد كمنافع المغصوب تضمن بالفوات والتفويت».
_________________
(١) حاشية البجيرمي/١٥١:٣.
(٢) نهاية المحتاج/١٦٨:٥ وراجع ايضا المهذب/الشيرازي/٣٧٤:١، وكذا حاشية الشرقاوي/١٥١:٢ وراجع الأم/الشافعي/٢٢٢:٣، الأنوار لإعمال الأبرار/ص ٣٦٣ والفتاوى الكبرى/لابن حجر/٩٤:٣.
(٣) الإنصاف في الراجح من الخلاف/٢٠١:٦ وكذا في الإقناع/الحجاوي/٣٥٢:٢ وراجع زوائد الكافي/ص ١٥٤.
[ ١٤١ ]
وذكر في المقنع (^١): «ولو غصب جارحا فصاد به أو شبكة أو شركا فأمسك شيئا أو فرسا عليه أو غنم فهو لمالكه.».
فهنا من وجهة نظر الحنبلي قول بالضمان مطلقا بالنسبة للمنافع.
وقد وافقهم على ذلك فقهاء المذهب الجعفري فذهبوا الى القول بأن الغاصب يضمن منافع المغصوب بالفوات والتفويت وعلى ذلك كلمتهم:
ذكر الطوسي (^٢): «المنافع تضمن بالغصب كالأعيان وجملته ان كل منفعة تضمن بعقد الإجارة فإنها تضمن بالغصب كمنافع الدار والدابة والثياب.» وذكر المحقق الحلي (^٣): «فوائد المغصوب مضمونة بالغصب. أو منافع كسكنى الدار وركوب الدابة وكذا منفعة كل ما له اجرة بالعادة».
وذكر الشهيد (^٤) الثاني في الروضة: «ويضمن أيضا أجرة المغصوب كالدار والأثاث والحانوت والعقار والأرض الصالحة للانتفاع بها - ان كان له اجرة لطول المدة التي غصبه فيها سواء استعمله أو لا لأن منافعه أموال تحت اليد فتضمن بالفوات والتفويت ولو تعددت المنافع.».
وقد اتفق فقهاء الزيدية مع جمهور الفقهاء في القول بضمان المنافع فقد ذكر ابن المرتضى (^٥): «وكما تضمن العين تضمن منافعها إذا فوتها مدة لبثها فتلزم الأجرة.».
_________________
(١) لابن قدامة/٢٣٥/ ٢٣٦:٢ وراجع منتهى الإرادات/لابن النجار/٥٠٨:١.
(٢) المبسوط /٦٤:٣ وراجع الخلاف/الطوسي/٢٥٨:٢.
(٣) شرائع الإسلام/ج ١٥٤:٢ وراجع مسالك الافهام/الشهيد الثاني/ج ٢ طبع حجر.
(٤) الروضة البهية شرح اللمعة الدمشقية/الشهيد الثاني/٤٦:٧ وراجع أيضا كفاية الأحكام/السبزواري/طبع حجر/ج ٢، جواهر الكلام النجفي/١٢٩:٦.
(٥) البحر الزخار/لابن المرتضى/١٧٧/ ١٧٨:٤.
[ ١٤٢ ]
وذكر في الروض النضير (^١): «ومن ركب دابة غيره ضمن، وهذا كالأول من انه يحتمل ان يكون الضمان لمنافعها وهو اجرة المثل على الركوب وهو المتبادر ويحتمل ان يكون المراد به ضمانها إذا تلفت تحت يده كما حمله عليه صاحب المنهاج».
ووافق رأي الجمهور فقهاء الظاهرية: فقد ذهب ابن حزم الى ضمان منافع المغصوب سواء بالفوات والتفويت.
فقد ذكر (^٢): «ومن غصب أرضا فزرعها أو لم يزرعها فعليه ردّها وما نقص منها ومزارعته مثلها لما ذكرنا من انه حال بين صاحبها وبين منفعة أرضه».
أما فقهاء المالكية: فقد اتجه أكثرهم (^٣) إلى القول بضمان منافع المغصوب المستوفاة سواء كانت منافع دور أم حيوانات. فقد روى هذا عن مالك اختاره الدردير. أما ابن القاسم (^٤) فقد ٥ فرق بين ضمان منافع الدور والأرضين وبين منافع الحيوان.
على انهم اتفقوا (^٥) جميعا على عدم ضمان المنافع غير المستوفاة.
_________________
(١) الروض النضير/السياغي/٦٦:٤.
(٢) المحلي/لابن حزم/١٣٥:٧.
(٣) المدونة/٦٢:١٤، حاشية الدسوقي/٤٤٨:٣، توضيح الأحكام/الزبيدي/ ١٢١:٣.
(٤) المدونة/٦٢:١٤، مواهب الجليل/٢٨٥:٥/لابن الحطاب.
(٥) الشرح الكبير المطبوع بهامش حاشية الدسوقي/٤٤٨:٣، القوانين/لابن جزى/ ٢٨٣ الشرح الصغير/٩٢:٤/الدردير. البهجة شرح التحفة/٣٤٥:٢.
[ ١٤٣ ]