اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في شهيد المعركة مع الكفار، هل يصلى عليه، أم لا؟ إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه لا يصلى عليه، وهذا قول المالكية (١) والشافعية على الصحيح (٢) والحنابلة على أصح الروايات (٣) .
واستدلوا بما يلي:
١- عن جابر ﵁ قال: (كان النبي - ﷺ - يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول: أيهم أكثر أخذا للقرآن؟ فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد وقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يغسلوا ولم يصل عليه) (٤) .
٢- عن أنس بن مالك ﵁ (أن شهداء أحد لم يغسلوا، ودفنوا بدمائهم، ولم يصل عليهم) (٥) .
٣- ولأن الشهيد في معركة الكفار لا يغسل مع إمكانية غسله، فلم يصل عليه كسائر من لم يغسل (٦) .
_________________
(١) المدونة (١/١٨٣) والكافي في فقه أهل المدينة المالكية (١/٢٧٩) والتلقين ص (١٤٦) .
(٢) المجموع (٥/٢٢١) وروضة الطالبين (٢/١١٨) ومغني المحتاج (٢/٣٣) .
(٣) المغني (٣/٤٦٧) والكافي في فقه الإمام أحمد (١/٢٨٨) والمستوعب (٣/١٤٠) وشرح منتهى الإرادات (١/٣٥٧) .
(٤) سبق تخريجه.
(٥) سبق تخريجه.
(٦) المغني (٣/٤٦٧) .
[ ١ / ٢٦٨ ]
القول الثاني: أنه يصلى عليه إذا قتل في ميدان المعركة مع الكفار، وهذا قول الحنفية (١) وقول عند الشافعية (٢) ورواية عند الحنابلة (٣) .
واستدلوا بما يلي:
١- عن عقبة بن عامر ﵁ أن النبي - ﷺ - (خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميت ثم انصرف إلى المنبر) (٤) .
وفي رواية (صلى رسول الله - ﷺ - على قتلى أحد بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات ثم طلع المنبر) (٥) .
٢- عن ابن عباس ﵄ قال في شهداء أحد: (أتي بهم رسول الله - ﷺ - يوم أحد فجعل يصلي على عشرة عشرة، وحمزة هو كما هو، يرفعون وهو كما هو موضوع) (٦) .
_________________
(١) المبسوط (٢/٤٩) وبدائع الصنائع (٢/٧٣) .
(٢) المجموع (٥/٢٢١) وروضة الطالبين (٢/١١٨) .
(٣) الكافي في فقه الإمام أحمد (١/٢٨٨) والمغني (٣/٤٦٧) .
(٤) صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الجنائز باب الصلاة على الشهيد، ح رقم (١٣٤٤) وصحيح مسلم بشرح النووي، كتاب الفضائل، باب إثبات حوض نبينا - ﷺ - ح رقم (٢٢٩٦) .
(٥) صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي، باب غزوة أحد، ح رقم (٤٠٤٢) وصحيح مسلم بشرح النووي، كتاب الفضائل باب إثبات حوض نبينا - ﷺ - ح رقم ٣١- (٢٢٩٦) .
(٦) أخرجه ابن ماجة في سننه مع شرح السندي، كتاب الجنائز باب ما جاء في الصلاة على الشهداء ودفنهم ح رقم (١٥١٣) وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الجنائز باب من زعم أن النبي - ﷺ - صلى على شهداء أحد، ح رقم (٦٨٠٣) ورقم (٦٨٠٤) قال البيهقي: هذا أصح ما في الباب وهو مرسل. وأخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب معرفة الصحابة، ح رقم (٤٨٩٥) وهذا من الأحاديث التي تركها في الإملاء، قال الذهبي: سمعه أبو بكر بن عياش من يزيد. انظر: التلخيص بهامش المستدرك (٢/٢١٨) وفيه يزيد بن زياد منكر الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث، وقيل: إن راوي الحديث ليس يزيد بن زياد، وإنما هو ابن أبي زياد الكوفي، وهو لين الحديث، وقد روى له مسلم مقرونا بغيره، وعلى كل حال فالحديث لا يخلو من ضعف. انظر: نصب الراية (٢/٣١٠) وتهذيب التهذيب (١١/٢٨٧) .
[ ١ / ٢٦٩ ]
وقد ورد في هذا المعنى عدة روايات عن ابن عباس وغيره كلها لا تخلو من ضعف (١) .
٣- عن شداد بن الهاد (٢) (أن رجلا من الأعراب جاء إلى النبي - ﷺ - فآمن به واتبعه، ثم قال: أهاجر معك.. فلبثوا قليلا، ثم نهضوا في قتال العدو، فأتى به النبي - ﷺ - يحمل قد أصابه سهم، ثم كفنه النبي - ﷺ - في جبته ثم قدمه فصلى عليه..) (٣) .
القول الثالث: التخيير بين الصلاة على الشهيد وعدمها، قال بهذا الحنابلة في رواية (٤)، وهو قول ابن حزم (٥) .
واستدلوا على عدم الصلاة بحديث جابر ﵁ السابق، وفي الصلاة عليه بحديث عقبة بن عامر ﵁ السابق، فكأنهم أرادوا الجمع بين الأدلة والأقوال.
_________________
(١) انظر: نصب الراية (٢/٣٠٩) وشرح سنن أبي داود لابن القيم بحاشية عون المعبود (٨/٢٨٣) وما بعدها.
(٢) شداد بن الهاد واسم الهاد أسامة على المشهور، بن عمرو بن جابر بن بشر الليثي، وسمي بالهاد، لأنه يوقد النار ليلا للسارن، وهو صحابي جليل. انظر: الإصابة (٣/٢٦٢) ت (٣٨٧٦) وأسد الغابة (٢/٣٥٧) ت (٢٣٩٩) .
(٣) أخرجه النسائي في سننه مع شرح السندي، كتاب الجنائز باب الصلاة على الشهداء ح رقم (١٩٥٢) والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الجنائز باب المرتث والذي يقتل ظلما في المعترك، ح رقم (٦٨١٧) والمصنف لعبد الزراق، باب الصلاة على الشهيد وغسله، ح رقم (٩٥٩٧) والحاكم في المستدرك، كتاب معرفة الصحابة ح رقم (٦٥٢٧) وقد سكت عنه، وسكت عنه الذهبي في التلخيص بهامش المستدرك، وقال الألباني في أحكام الجنائز وبدعها: إسناده صحيح ورجاله كلهم على شرط مسلم ما عدا بن الهاد لم يخرج له شيئا. ولا ضير فإنه صحابي معروف (ص: ٨١) .
(٤) الإنصاف (٢/٥٠٠) .
(٥) المحلى بالآثار (٣/٣٣٦) .
[ ١ / ٢٧٠ ]
المناقشة والترجيح
ناقش الحنفية استدلال أصحاب القول الأول بحديث جابر ﵁ بما يلي:
١- أن حديث جابر ليس بقوي (١) .
٢- أن جابر كان يومئذ مشغولا، فقد قتل أبوه وأخوه وخاله، فرجع إلى المدينة ليدبر كيف يحملهم إلى المدينة، فلم يكن حاضرا حين صلى النبي - ﷺ - ولذا روى ما روى، ومن شاهد النبي - ﷺ - فقد روي أنه صلى عليهم (٢) فكأنهم يقولون: شهادة إثبات صلاة النبي - ﷺ - على شهداء أحد مقدم على شهادة النفي.
والجواب على هذه المناقشة ما يلي:
١- أما إنه ليس بقوي فهذه دعوى مردودة فقد رواه الشيخان البخاري ومسلم، وقد اتفقت الأمة على قبول ما أثبتاه في صحيحهما.
٢- أن شهادة النفي إنما ترد إذا لم يحط بها علم الشاهد، ولم تكن محصورة، أما ما أحاط به علمه وكان محصورا فيقبل بالاتفاق، وهذه قصة معينة أحاط بها جابر وغيره علما، ثم رواية الإثبات ضعيفة، فوجودها كالعدم (٣) .
ونوقش ما استدل به الحنفية ومن معهم بما يلي:
١- المراد من الصلاة على شهداء أحد في حديث عقبة بن عامر، الدعاء لهم، وهذا التأويل لا بد منه لأمرين:
الأول: أن النبي - ﷺ - إنما فعل ذلك قبل موته بعد دفنهم بثمان سنين، ولو كانت صلاة الجنازة المفروضة، لما أخرها ثمان سنين.
_________________
(١) المبسوط (٢/٥٠) وبدائع الصنائع (٢/٧٤) .
(٢) المرجعان السابقان في هامش رقم (١) .
(٣) المجموع (٥/٢٢٦) .
[ ١ / ٢٧١ ]
الثاني: أن الصلاة على القبر عند الحنفية تكون إلى ثلاثة أيام (١) والجمهور لا يرون الصلاة على الشهيد، فليس المراد من حديث عقبة صلاة الجنازة بالإجماع، فوجب تأويل الحديث بأن المراد من الصلاة الدعاء لهم (٢) .
ويظهر أن حديث عقبة خارج محل النزاع، لأن النزاع في الصلاة على الشهيد قبل دفنه، وحديث عقبة إنما هو في الصلاة بعد الدفن.
٢- ونوقش حديث ابن عباس وما جاء في معناه من روايات متعددة: أنها ضعيفة كلها، والأخبار جاءت من وجوه متواترة أنه لم يصل على قتلى أحد (٣) .
٣- أما حديث شداد بن الهاد فنوقش، بأنه يحتمل أن الرجل الذي صلى عليه النبي - ﷺ - بقي حيا مدة طويلة حياة مستقرة حتى انتهى القتال، ثم مات فصلى عليه (٤) .
وعلى ما تقدم فالراجح أن الأولى والأفضل ترك الصلاة على شهداء المعركة في حرب الكفار، لأن حديث جابر ﵁ صحيح وصريح في ترك الصلاة على شهداء أحد، وهو عام في كل الشهداء في المعركة ولأن الحرب وما يحدث فيها من كثرة القتل وانشغال المجاهدين بالقتال يصعب معه الصلاة على الشهداء.
فإن صلى عليهم، فلا بأس بذلك للآثار الواردة في ذلك. والله أعلم.
_________________
(١) المبسوط (٢/٦٩) .
(٢) المجموع (٥/٢٢٦) وتحفة الأحوذي (٤/٨٣) .
(٣) المجموع (٥/٢٢٦) والأم (١/٢٦٧) .
(٤) السنن الكبرى للبيهقي (٤/٢٤) وعارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي (٤/٢٠٢) .
[ ١ / ٢٧٢ ]