الفرع الثاني: قصر الصلاة في السفن الحربية الثابتة في البحر.
الفرع الثالث: قصر الصلاة في السفن الحربية المتحركة في البحر.
الفرع الرابع: قصر الصلاة للمجاهد وهو في الأسر.
الفرع الأول
قصر الصلاة للطيارين الذين يقومون بدوريات على الثغور (١) .
يجوز للطيارين الذين يقومون بالدوريات على الثغور قصر الصلاة الرباعية إذا تجازوا بطائراتهم المسافة التي يقصر عندها المسافر وهي أربعة برد (٢) يمانية وأربعون ميلا تقريبا.
_________________
(١) الثغر: هوالموضع الذي يكون حدا فاصلا بين المسلمين والكفار وهو موضع المخافة من أطراف البلاد انظر: لسان العرب (٤/١٠٣) مادة ثغر وطلبة الطلبة ص ١٩٦.
(٢) البريد كل سكة منها اثنا عشر ميلا وهي ستة عشر فرسخا، والفرسخ ثلاثة أميال، وتساوي بالكيلو متر المعروف الآن حوالي ثمانين كيلو متر، لأن من مكة إلى عسفان يساوي ذلك تقريبا. انظر: لسان العرب مادة برد (٣/٨٦) وانظر: توضيح الأحكام (٢/٣٧٣) .
[ ١ / ٢٠٨ ]
بناء على ما ذهب إليه جمهور الفقهاء في تحديد السفر الذي يقصر عنده المسافر بالمسافة (١) .
واستدلوا بما يلي:
١- ما رواه ابن عباس ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «يا أهل مكة لا تقصروا الصلاة في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان» (٢) .
٢- ما جاء عن ابن عمر وابن عباس ﵄ (أنهما كانا يقصران في أربعة برد) (٣) .
٣- أنها مسافة تجمع مشقة السفر في الحل والشد فجاز القصر فيها (٤) .
_________________
(١) الكافي في فقه أهل المدينة (١/٢٤٤)، ومواهب الجليل (٢/٤٩٠) والمدونة (١/١١٩) والمجموع (٤/٢١٢) وروضة الطالبين (١/٣٨٥) والحاوي الكبير (٢/٣٦٠) والمستوعب (٢/٢٨٩) والشرح الكبير (١/٤٣١) والمبدع (٢/١٠٧) والمغني (٣/١٠٥) وقال الحنفية: المسافة التي يقصر عندها المسافر مسيرة ثلاثة أيام، سير الأبل ومشي الأقدام. واستدلوا بما جاء في صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الصلاة، ح رقم (١٠٨٦) قال - ﷺ - (لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم) وجه الدلالة: أن مدة السفر لو لم تكن مقدرة بثلاثة أيام لم يكن لتخصيص الثلاثة معنى. انظر: بدائع الصنائع (١/٢٦٢) وتبيين الحقائق (١/٢٠٩) ونوقش: بأن الحديث ورد لنهي المرأة عن السفر وحدها ولم يرد لبيان مسافة القصر، انظر: الحاوي الكبير (٢/٣٦١) .
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الصلاة باب السفر الذي لا تقصر في مثله الصلاة ح رقم (٥٤٠٤) قال البيهقي هذا حديث ضعيف، إسماعيل بن عياش لا يحتج به، وعبد الوهاب بن مجاهد ضعيف، والصحيح أن ذلك من قول ابن عباس. وأخرجه الدارقطني في سننه باب قدر المسافة التي تقصر في مثلها الصلاة ح رقم (١٤٣٢) ومالك في الموطأ، كتاب قصر الصلاة ص (١١٠) قال ابن حجر: والصحيح عن ابن عباس من قوله، وإسناده صحيح انظر التلخيص الحبير (٢/٤٦) .
(٣) أخرجه البخاري كتاب تقصير الصلاة، باب في كم يقصر الصلاة تعليقا، قال ابن حجر في الفتح: وصله ابن المنذر من رواية يزيد ابن أبي حبيب عن عطاء ابن أبي رباح، انظر: فتح الباري (٢/٧٢١) .
(٤) الكافي في فقه الإمام أحمد (١/٢٢٧) والمغني (٣/١٠٨) .
[ ١ / ٢٠٩ ]
ونوقشت هذه الأدلة بما يلي:
١- أن حديث ابن عباس ضعيف (١) .
والجواب أنه روي عن ابن عباس موقوفا بسند صحيح (٢) والموقوف له حكم المرفوع، لأن مثله في تحديد المسافة التي يقصر عندها المسافر لا يقال بالرأي.
٢- أن أكثر الروايات عن ابن عمر وابن عباس مخالفة لما قالا به هنا، فلا يؤخذ ببعض أقوالهما ويترك البعض الأخر (٣) .
والجواب: أن ما روي عنهما في جواز القصر في أقل من أربعة برد محمول على أن المسافر يقصر إذا خرج من البلد ميلا، أو فرسخا وهو مسافر سفرا طويلا، لما روي أن النبي - ﷺ - (صلى الظهر بالمدينة أربعا، والعصر بذي الحليفة ركعتين) (٤) .
وعلى القول الثاني الذي ذهب إليه ابن تيمية، وابن القيم، وابن حزم، وابن قدامة، وغيرهم من أنه لا تحديد لمسافة السفر الذي تقصر عنده الصلاة، وإنما يرجع في معرفة السفر إلى العرف (٥) فما تعارف عليه الناس أنه سفر قصرت الصلاة فيه وإلى اللغة فما عرفه أهل اللغة بأنه سفر قصرت الصلاة فيه (٦) وعلى هذا القول يجوز
_________________
(١) المجموع (٤/٢١٣) وفتح الباري (٢/٧٢١) .
(٢) انظر التلخيص الحبير (٢/٤٦) وفتح الباري (٢/٧٢١) .
(٣) مجموع الفتاوى لابن تيمية (٢٤/١٢٦) وفتح الباري (٢/٧٢١) .
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه مع الفتح، كتاب تقصير الصلاة، باب يقصر إذا خرج من موضعه ح رقم (١٠٨٩) .
(٥) العرف هو: ما استقرت النفوس عليها بشهادة العقول، وتلقته الطبائع بالقبول، انظر التعريفات للجرجاني ص ١٩٣.
(٦) مجموع الفتاوى (٢٤/١٢) والمحلى بالأثار (١٣/٢١٣) والمغنى (٣/١٠٨) والشرح الممتع (٤/٤٩٧) .
[ ١ / ٢١٠ ]
للطيارين الذين يقومون بدوريات على الثغور قصر الصلاة الرباعية في أقل من أربعة برد، إذا كان سفرا في عرف الناس أو أهل اللغة.
واستدلوا بما يلي:
١- أن التقدير بمسافة يترخص عندها المسافر لم يرد به دليل (١) .
ويمكن مناقشة هذا: بما جاء عن ابن عباس وابن عمر ﵁ أنهما لا يقصران الصلاة في أقل من أربعة برد، وهذا في حكم المرفوع، لأنهما لن يقولا في تحديد المسافة بالرأي، ثم إنه قد جاء عن ابن تيمية، وابن حزم ما يدل على أن القصر لا يكون إلا إلى مسافة، قال ابن تيمية: (وقد بينت السنة القصر في مسافة بريد، وأما ما دون البريد كالميل فلا يقصر فيه) (٢) .
٢- أن أقوال الصحابة التي جاء فيها التحديد متعارضة ومختلفة، فلا حجة فيها مع الاختلاف (٣) .
ويمكن مناقشة هذا: بأنه لا تعارض في أقوال الصحابة، فما جاء عنهم في القصر دون أربعة برد محمول على أنهم إذا خرجوا مسافة أقل من أربعة برد في سفر طويل بدءوا القصر.
الترجيح
بعد ذكر الأقوال والأدلة ومناقشة ما أمكن مناقشته يظهر أن الراجح هو القول الأول، أنه لا يجوز قصر الصلاة في مسافة أقل من أربعة برد (ثمانية وأربعون ميلا) تقريبا لما سبق من الأدلة، ولأن الرجوع في تحديد السفر إلى العرف ليس بدقيق لاختلاف الأعراف من زمن إلى زمن ومن بلد إلى بلد.
_________________
(١) المحلى بالأثار (١٣/٢٠١) ومجموع الفتاوى (٢٤/٣٨) .
(٢) مجموع الفتاوى (٢٤/٤٨) والمحلى بالآثار (١٣/٢١٣) .
(٣) المغنى (٣/١٠٩) والشرح الممتع (٤/٤٩٧) .
[ ١ / ٢١١ ]
ثم الأخذ بقول الجمهور يمنع من تساهل الناس في قصر الصلاة وإفطار رمضان في أدنى خروج وأيسره.
وعلى هذا فإن الطيارين الذين يقومون بالدوريات يقصرون الصلاة إذا كانوا في سفر مسافته أربعة برد (ثمانية وأربعون ميلا) تقريبا فأكثر. وإن لم يكن ذلك فلا يجوز لهم القصر (١) والله أعلم.