غسل الشهيد إذا قتل جنبا
اختلف الفقهاء- رحمهم الله تعالى- في الشهيد إذا قتل جنبا في أرض المعركة هل يغسل، أم لا؟ إلى قولين:
القول الأول: أنه لا يغسل، وبهذا قال المالكية على الأظهر (٢) والأصح عند الشافعية (٣) وقول أبي يوسف ومحمد من الحنفية (٤) ورواية عند الحنابلة (٥) .
واستدلوا بما يلي:
١- عموم الأدلة في أن النبي - ﷺ - لم يغسل شهداء أحد، كما سبق في حديث جابر، وأنس بن مالك (٦) ﵄ ولم يميز بين من كان جنبا أو غيره.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) الكافي في فقه أهل المدينة (١/٢٧٩) وحاشية الخرشي (٢/٣٦٩) وحاشية الدسوقي (١/٤٢٦) .
(٣) المجموع (٥/٢٢٣) وروضة الطالبين (٢/١٢٠) ومغني المحتاج (٢/٣٥) والحاوي الكبير (٣/٣٧) .
(٤) تبيين الحقائق (١/٢٤٩) والاختيار للموصلي (١/٩٧) .
(٥) الإنصاف (٢/٤٩٩) والمبدع (٢/٢٣٥) .
(٦) غسل الشهيد إذا قتل في ميدان المعركة.
[ ١ / ٢٥٥ ]
٢- أن الجنابة طهارة من حدث، فوجب أن تسقط بالقتل كالطهارة الصغرى (١) .
٣- ولأن الحي الجنب إنما يغتسل ليصلي، والميت إنما يغسل ليصلى عليه، وإذا كان القتيل الجنب لا يصلى عليه فلا معنى لغسله (٢) .
القول الثاني: أنه يغسل قال بهذا أبو حنفية (٣) وهو قول عند المالكية (٤) والصحيح من مذهب الحنابلة (٥) وقول عند الشافعية (٦) .
واستدلوا بما يلي:
١- أن حنظلة (٧) قتل يوم أحد، فقال رسول الله - ﷺ - «إن صاحبكم حنظلة تغسله الملائكة فسلوا صاحبته» (٨) فقالت: خرج وهو جنب لما سمع الهائعة (٩) .
فقال رسول الله - ﷺ - «فلذاك غسلته الملائكة» (١٠) .
_________________
(١) الحاوي الكبير (٣/٣٧) .
(٢) المرجع السابق في الهامش السابق.
(٣) تبيين الحقائق (١/٢٤٨) وروءس المسائل ص ١٩٥.
(٤) الكافي في فقه أهل المدينة المالكي (١/٢٧٩) وحاشية الخرشي (٢/٣٦٩) .
(٥) المغني لابن قدامة (٣/٦٩) والإنصاف (٢/٩٩) والمبدع (٢/٢٣٥) وكشاف القناع (١/٥٧٤) .
(٦) المجموع (٥/٢٢٣) ومغنى المحتاج (٢/٣٥) .
(٧) هو حنظلة بن أبي عامر واختلفوا في اسم أبي عامر، فقيل: اسمه عمرو، وقيل: عبد عمرو، وقيل: الراهب بن صيفي بن زيد بن أمية، المعروف بغسيل الملائكة، استشهد يوم أحد. انظر: أسد الغابة (١/٥٤٣) ت رقم (١٢٨١) وتهذيب الأسماء واللغات (١/١٧٠) ت رقم (١٣٦) .
(٨) صاحبته: أي زوجته.
(٩) الهائعة: الصوت تفزع منه وتخافه من عدو. انظر: القاموس المحيط فصل الهاء ص ٧٧٧ والمعجم الوسيط (٢/١٠٠٤) مادة هاع.
(١٠) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الجنائز باب الجنب يستشهد في المعركة، ح رقم (٦٨١٤) (٦٨١٥) قال البيهقي نقلا عن ابن يونس: إنه مرسل (٤/٢٣) وأخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد، باب فيمن يجنب ثم يموت قبل أن يغتسل (٣/٢٣) وقال: رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن، وأخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب معرفة الصحابة (ذكر مناقب حنظلة) ح رقم (٤٩١٧) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وسكت عنه الذهبي انظر: التلخيص بهامش المستدرك، وقال ابن حجر: في إسناده ضعف. انظر: التلخيص الحبير (٢/١١٨) وصححه ابن حبان. انظر: الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (٩/٨٤) ح رقم (٦٩٨٩) .
[ ١ / ٢٥٦ ]
وجه الدلالة من الحديث: أنه لما غسلته الملائكة، والملائكة لا تغسله إلا عن أمر الله سبحانه، دل على أن غسله مأمور به (١) .
ونوقش الاستدلال: بأن حنظلة قتل يوم أحد جنبا ولم يغسله النبي - ﷺ - فلو كان الغسل واجبا لم يسقط إلا بفعلنا (٢) .
٢- أنه لزمه غسل جميع بدنه في حال حياته، فوجب أن لا يسقط بالقتل، كما إذا كان على جميع بدنه نجاسة ثم قتل شهيدا (٣) .
ونوقش هذا: بأن هناك فرق بين النجاسة والجنابة، فقليل النجاسة يجب إزالته، فكذلك كثيرها، أما الجنابة فهي حدث، وإذا كان لا يجب إزالة الحدث الأصغر، فكذلك الأكبر (٤) .
الترجيح
الذي يظهر والله أعلم أن ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من عدم غسل الشهيد إذا مات في ميدان المعركة جنبا، هو الراجح لما يأتي:
١- عموم أدلة عدم غسل شهيد المعركة، وتقدم ذكرها فلم تميز بين جنبا وغيره.
٢- أن قتلى المعركة لا يقدر أحد على التمييز بين من قتل منهم جنبا أو غيره، ولولا أن النبي - ﷺ - رأى الملائكة تغسل حنظلة، لما علم أنه قتل جنبا، ولذا قال: (سلوا صاحبته) (٥) .
_________________
(١) رءوس المسائل ص ١٩٥ والحاوي الكبير (٣/٣٧) .
(٢) مغنى المحتاج (٢/٣٥) .
(٣) الحاوي الكبير (٣/٣٧) .
(٤) المرجع السابق.
(٥) سبق تخريجه.
[ ١ / ٢٥٧ ]