توقيت المسح على الخفين للمجاهد في سبيل الله
اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في توقيت المسح على الخفين إلى قولين:
القول الأول: أن المسح على الخفين مؤقت بيوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام ولياليها للمسافر، مجاهدا في سبيل الله أو غيره، وبهذا قال جمهور الفقهاء (٢) .
واستدلوا بما يلي:
١- ما جاء عن علي بن أبي طالب ﵁ لما سئل عن المسح على الخفين فقال: (جعل رسول الله - ﷺ - ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوما وليلة للمقيم) (٣) .
_________________
(١) المبدع (١/١٤٦) .
(٢) الاختيار للموصلي (١/٢٤) والبحر الرائق (١/٢٩٨) وحاشية ابن عابدين (١/٤٥٦) وروضة الطالبين (١/١٣١) والأم (١/٣٤) والوسيط في المذهب (١/٤٠٤) والحاوي (١/٣٥٤) والشرح الكبير (١/٧١) والمبدع (١/١٤١) والمغني لابن قدامة (١/٣٦٥) والمحلى بالآثار لابن حزم (١/٣٢٥) .
(٣) صحيح مسلم بشرح النووي، كتاب الطهارة باب التوقيت في المسح على الخفين ح رقم (٢٧٦) .
[ ١ / ١٠٧ ]
٢- عن صفوان بن عسال (١) ﵁ قال: (كان رسول الله - ﷺ - يأمرنا إذا كنا سفرا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن، إلا من جنابة ولكن من بول، وغائط، ونوم) (٢) .
فالحديثان دلاَّ على أن المسح على الخفين مؤقت بيوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام ولياليها للمسافر وأن المسح في الحدث الأصغر دون الأكبر.
القول الثاني: أنه يجوز المسح على الخفين دون توقيت.
وبهذا قال المالكية (٣) وهو قول عند الشافعية (٤) .
واستدلوا بما يلي:
١- ما رواه أبي بن عمارة (٥) ﵁ أنه قال: (يا رسول الله أمسح على الخفين؟ قال: نعم قال: يوما، قال: ويومين، قال: ويومين،
_________________
(١) هو صفوان بن عسال المرادي من بني زاهر بن عامر، سكن الكوفة وله صحبة غزا مع النبي - ﷺ - اثنتي عشرة غزوة انظر الإصابة (٣/٣٥٣) ت (٤١٠٠) وأسد الغابة (٢/٤٠٩) ت (٢٥١٥) .
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى كتاب الطهارة باب التوقيت في المسح على الخفين ح رقم (١٣١٠) والترمذي في سننه كتاب الطهارة باب المسح على الخفين للمسافر والمقيم ح رقم (٩٦) وقال عنه: حديث حسن صحيح ونقل قول البخاري: أحسن شيء في هذا الباب حديث صفوان بن عسال. انظر عارضه الأحوذي بشرح الترمذي (١/١٢٠) . وأخرجه النسائي في سننه بشرح السيوطي كتاب الطهارة باب التوقيت في المسح على الخفين، ح رقم (١٢٦) وانظر نصب الراية (١/١٦٨) .
(٣) المدونة (١/٤١) والكافي في فقه أهل المدينة المالكي (١/١٧٦) والذخيرة (١/٣٢٣) .
(٤) الحاوي (١/٣٥٣) وشرح صحيح مسلم للنووي (١/١٧٩) .
(٥) هو أبي بن عمارة بكسر العين وقيل بضمها والأول أشهر صحابي سكن مصر له حديث واحد في المسح على الخفين وفي إسناد حديثه اضطراب انظر الإصابة (١/١٧٩) ت رقم (٢٩) وتهذيب التهذيب (١/١٦٣) ت رقم (٣٤٩) .
[ ١ / ١٠٨ ]
قال: وثلاثة، قال: نعم، وما شئت) (١) .
وجه الدلالة: أن قوله (وما شئت) يدل على عدم التوقيت في المسح بالأيام المذكورة.
ونوقش هذا الاستدلال: بأن هذا صحيح إذا نزع خفيه كل ثلاث، وليس الأمر باستدامته ما شاء دون نزع بعد المدة (٢) .
٢- حديث خزيمة (٣)
﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: (امسحوا على الخفاف ثلاثة أيام ولو استزدناه لزادنا) (٤) .
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه مع شرح عون المعبود، كتاب الطهارة باب التوقيت في المسح، ح (١٥٨) وقال عنه: قد اختلف في إسناده، وليس بالقوي، وأخرجه الدارقطني في سننه كتاب الطهارة، باب الرخصة في المسح على الخفين ح رقم (٧٥٥) وقال: هذا الإسناد لا يثبت فيه عبد الرحمن، ومحمد بن يزيد، وأيوب بن قطن مجهولون كلهم، ورواه البيهقي في السننن الكبرى، كتاب الطهارة باب ما ورد في ترك التوقيت ح رقم (١٣٢٨) . قال ابن العربي في عارضة الأحوذي في طريق ضعفاء ومجاهيل (١/١١٩) وقال النووي: وهو حديث ضعيف باتفاق أهل الحديث. انظر: شرح صحيح مسلم (٣/١٧٩) وانظر نصب الراية (١/١٧٧) .
(٢) الحاوي الكبير (١/٣٥٥) .
(٣) هو: خزيمة بن ثابت بن الفاكه بن ثعلبة الأنصاري الأوسي شهد بدرا وما بعدها، وقيل: أول مشاهدة أحد. جعل النبي - ﷺ - شهادته شهادة رجلين قتل في صفين ﵁. انظر الإصابة (٢/٢٣٩) ت رقم (٢٢٥٦) وأسد الغابة (١/٦١٠) ت رقم (١٤٤٦) .
(٤) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الطهارة باب ما ورد في ترك التوقيت بأسانيد مختلفة (١/٤١٧) والترمذي كتاب الطهارة باب المسح على الخفين للمسافر والمقيم، ح رقم (٩٥) ولم يذكر (ولو استزدناه لزادنا) وأخرجه ابن ماجه كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في التوقيت في المسح، ح رقم (٥٥٣) ولم يذكر الزيادة، وأبو داود في سننه، كتاب الطهارة، باب التوقيت في المسح، ح رقم (١٥٧) ولم يذكر الزيادة أيضا، وذكر في نصب الراية أن فيه ثلاثة علل: الاختلاف في الإسناد والانقطاع وأن أبي عبد الله الجدلي لا يعتمد على روايته. انظر نصب الراية (١/١٧٥) .
[ ١ / ١٠٩ ]
وجه الدلالة: أن قوله (ولو استزدناه لزادنا) يدل على أن التحديث بثلاثة أيام غير مراد به التوقيت.
ونوقش بأنه لا دليل فيه على عدم التوقيت، لأنه ما استزاده ولو استزاده لجاز أن لا يزيده (١) .
٣- ما جاء عن عمر ﵁ (أنه سأل عقبة بن عامر (٢) وقد قدم يبشر الناس بفتح دمشق متى عهدك بالمسح؟ قال: سبعا، قال عمر ﵁: أصبت السنة) (٣) .
وجه الدلالة أن قول عقبة: سبعا، وقول عمر: أصبت السنة، يدل على عدم التوقيت بأيام معدودة.
ونوقش هذا بما يلي:
_________________
(١) الحاوي الكبير (١/٣٥٥) .
(٢) هو: عقبة بن عامر بن عبس بن عمرو بن عدي الجهني، من أحسن الناس صوتا بالقرآن، شهد فتوح الشام وكان البريد إلى عمر بفتح دمشق كان من أصحاب معاوية ولاه مصر وسكنها وتوفي بها سنة ٥٨ هـ انظر أسد الغابة (٣/٥٥٠) ت رقم (٣٧٠٥) وتهذيب الأسماء واللغات (١/٣٣٦) ت رقم (٤١٤) .
(٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى كتاب الطهارة باب ما ورد في ترك التوقيت ح رقم (١٣٣٢) و(١٣٣٣) و(١٣٣٤) وقال: الرواية عن عمر في ذلك مشهورة، وأخرجه الدارقطني في سننه، كتاب الطهار، باب الرخصة في المسح على الخفين، ح رقم (٧٥٦) رقم (٧٥٧) قال ابن العربي: هذا حديث غريب ونقل قول أبو الحسن: أنه صحيح الإسناد انظر عارضة الأحوذي (١/١١٩) وقال الحاكم حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي انظر المستدرك كتاب الطهارة ح رقم (٦٤١) والتلخيص بهامشه للذهبي ونصب الراية (١/١٧٩) .
[ ١ / ١١٠ ]
أ- أنه يحتمل أن يكون السؤال والجواب عن لبس الخف مع مراعاة التوقيت (١) .
ب- أنه قد روي عن عمر ﵁ التوقيت، فإما أن يكون رجع إليه حين جاءه التثبت عن النبي - ﷺ - في التوقيت، وإما أن يكون قوله: أصبت السنة، هو الموافق للسنة المشهورة في التوقيت (٢) .
الترجيح
الذي يظهر بعد عرض الأدلة والمناقشة، أن الراجح قول الجمهور في توقيت المسح على الخفين بثلاثة أيام ولياليها للمسافر، ويوم وليلة للمقيم، لقوة ما استدلوا به من الأحاديث الصحيحة وضعف أدلة عدم التوقيت.
لكن إذا كان يلحق المجاهد ضرر بخلع الخف بعد مضي الوقت المحدد، كالخوف على نفسه من العدو، أو خوف فوات العدو، فإنه يجوز له أن يمسح على الخفين بعد مضي المدة للضرورة.
وهذا ما أفتى به ابن تيمية ﵀:
جاء في الفتاوى ما ملخصه: لو خاف الضرر من برد شديد، أو فوات الرفقة، أو خوف العدو متى خلع خفه بعد مضي الوقت، فإنه يمسح عليها للضرورة (٣) والله أعلم.
_________________
(١) شرح السندي على سنن ابن ماجه (١/٣١٤) .
(٢) سنن البيهقي (١/٤٢١) .
(٣) مجموع الفتاوى (٢١/١٧٧) .
[ ١ / ١١١ ]