موت المجاهد بعد انتهاء المعركة
المقصود أنه إذا وجد المجاهد بعد انتهاء المعركة ميتا، أو وجد مجروحا ثم مات متأثرا بجراحه، فهل يكون شهيد معركة لا يغسل ولا يصلي عليه، كما عند الجمهور ويدفن بثيابه التي مات فيها أم لا يعتبر شهيد معركة؟ هنا حالتان: الحالة الأولى: أن يوجد بعد المعركة ميتا.
وهو لا يخلو في هذه الحالة أن يوجد ميتا وبه أثر جراحة أو ضرب ونحو ذلك أو لا يوجد به أثر.
فأما إن وجد به أثر جراحة ونحوها، فإنه شهيد معركة لا يغسل ولا يصلى عليه ويدفن في ثيابه التي قتل فيها، وهذا باتفاق الفقهاء (١) - فيما أعلم - لأنه قتل في المعركة مع العدو بسبب منهم.
أما إن وجد ميتا وليس به أثر لجراحة ونحوها، فقد اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في هذه الحالة هل يكون شهيد معركة أم لا؟ إلى قولين:
القول الأول: أنه شهيد معركة مع الكفار، وإلى هذا القول ذهب المالكية (٢) والشافعية (٣) لأنه مات في المعركة في قتال الكفار، فلعله ركله فرس، أو مات بسبب من أسباب القتال (٤) .
_________________
(١) اللباب في شرح الكتاب (١/١٣٣) والاختيار للموصلي (١/٩٧) وبدائع الصنائع (٢/٧٠) والمدونة (١/١٨٣) والذخيرة (٢/٤٧٦) والمجموع (٥/٢٢١) والحاوي (٣/٣٥) وكشاف القناع (١/٥٧٤) وشرح منتهى الإرادات (١/٣٤٤) والمحلى بالآثار (٣/٣٣٦) .
(٢) الذخيرة (٢/٤٧٦) والمدونة (١/١٨٣) .
(٣) المجموع (٥/٢٢١) والحاوي الكبير (٣/٣٥) .
(٤) الذخيرة (٢/٤٧٦) .
[ ١ / ٢٤٢ ]
القول الثاني: أنه ليس شهيد معركة، فيغسل ويكفن ويصلى عليه، وهذا قول الحنفية (١) والحنابلة (٢) .
وعللوا لقولهم بما يلي:
١- أن الآثار من جراحه وغيرها دليل على القتل، فإن لم يكن به أثر فليس بشهيد (٣) .
٢- أن الأصل وجوب الغسل والصلاة، فلا يسقط الوجوب باحتمال أنه مات بسبب العدو (٤) .
الترجيح
الذي يظهر أن ما ذهب إليه المالكية، والشافعية من أنه شهيد لا يغسل ولا يصلي عليه ويكفن بثيابه التي قتل فيها، هو الراجح لما يأتي:
١- أن التفريق بين من وجد ميتا وبه آثار قتل من جراحة وغيرها وبين من لم يوجد به آثار، تفريق لا دليل عليه، بل الدليل على عدم التفريق فالمتتبع لغزوات النبي - ﷺ - وأصحابه من بعده، يجد أن من وجدوه في أرض المعركة ميتا دفنوه بثيابه ولم يغسلوه ولم يصلوا عليه، دون تمييز بين من به أثر جراح أو غيره.
٢- أن احتمال موته بأيدي العدو دون أن يظهر عليه آثار احتمال قوي، وخاصة في هذا العصر الذي تعددت فيه وسائل القتل التي لا يظهر معها أثر. والله أعلم.
الحالة الثانية: أن يوجد مجروحا في المعركة، ثم يموت متأثر بجراحه، وهذه الحالة نتناولها بالبحث إن شاء الله تعالى في الفرع الخامس الآتي:
_________________
(١) المبسوط (٢/٥١) وتبيين الحقائق (١/٢٤٧) .
(٢) الشرح الكبير (١/٥٤٨) والمبدع (٢/٢٣٧) .
(٣) المبسوط (٢/٥١) وتبيين الحقائق (١/٢٤٧) .
(٤) المبدع (٢/٢٣٧) .
[ ١ / ٢٤٣ ]