قتل المجاهد نفسه خطأ
إذا قتل المجاهد نفسه خطأ بأن رجع عليه سلاحه، فلا يخلو من حالتين:
الحالة الأولى: أن يكون ذلك في غير المعركة.
سبق في تعريف الشهيد عند الفقهاء أن الشهيد من قتل في المعركة، في قتال الكفار وعلى هذا لا يكون ليس شهيد معركة، فيغسل ويكفن ويصلى عليه.
الحالة الثانية: إذا قتل نفسه خطأ في المعركة مع الكفار.
اختلف الفقهاء في هذه الحالة، هل يعتبر شهيد معركة، فلا يغسل ولا يصلي عليه ويدفن بثيابه أم لا؟ اختلفوا إلى قولين:
_________________
(١) تبيين الحقائق (١/٢٤٧) .
(٢) مواهب الجليل (٣/٦٧) .
(٣) المبدع (٢/٢٣٨) وكشاف القناع (١/٥٧٦) .
[ ١ / ٢٤٩ ]
القول الأول: أنه شهيد معركة، فلا يغسل ولا يصلى عليه ويدفن بثيابه التي قتل فيها. وهذا قول المالكية على المشهور (١) وقول الشافعية (٢) وقول عند الحنابلة (٣) .
واستدلوا بما يلي:
١- (أن عامر بن الأكوع (٤) ﵁ بارز مرحبا (٥) يوم خيبر، فذهب يسفل له (٦) فرجع سيفه على نفسه، فكانت فيها نفسه) (٧) .
وجه الدلالة: أن عامر بن الأكوع لم يفرد عن الشهداء بحكم، فدل على أن من قتل نفسه خطأ في قتال الكفار، أنه شهيد معركة (٨) .
٢- عن أبي سلام (٩) عن رجل (١٠) من أصحاب النبي - ﷺ - قال: أغرنا على حي من جهينة (١١) فطلب رجل من المسلمين رجلا فضربه فأخطأه وأصاب نفسه بالسيف
_________________
(١) مواهب الجليل (٣/٦٧) وحاشية الخرشي (٢/٣٦٩) والفواكه الدواني (١/٤٤٦) .
(٢) المجموع (٥/٢٢١) وروضة الطالبين (٢/١١٩) .
(٣) المغنى (٣/٤٧٣) والشرح الكبير (١/٥٤٨) والإنصاف (٣/٥٠٢) والمبدع (٢/٢٣٧) .
(٤) هو: عامر بن سنان بن عبد الله بن قشير الأسلمي، المعروف بابن الأكوع، عم سلمة بن الأكوع ويقال: أخوه والصحيح أنه عمه، كان شاعرا سار مع النبي - ﷺ - إلى خيبر، فقتل بها. انظر: أسد الغابة (٣/٢٠) ت رقم (٢٦٩٩) والإصابة (٣/٤٧١) ت رقم (٤٤١١) .
(٥) هو: مرحب اليهودي قتل كافرا يوم خيبر، واختلفوا في قاتله فقيل: محمد بن مسلمة وقيل: علي بن أبي طالب، قال ابن عبد البر، الصحيح أن الذي قتله علي بن أبي طالب ﵁. انظر: تهذيب الأسماء واللغات (٢/٨٦) ت رقم (١٢٥) .
(٦) يسفل أي: يضربه من أسفل والسفل نقيض العلو. انظر لسان العرب (١١/٣٣٧) مادة (سفل) .
(٧) صحيح مسلم النووي، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة ذي قرد وغيرها من حديث طويل رقم (١٨٠٧) وباب غزوة خيبر، ح رقم (١٨٠٢) .
(٨) المغنى (٣/٤٧٤) وشرح صحيح مسلم للنووي (١٢/٤٢٧) .
(٩) هو: سلام بن أبي سلام الحبشي الشامي، قال أبو حاتم الرازي: سلام بن أبي سلام الحبشي والد معاوية، لا أعلم أحدا روي عنه، وإنما الناس يروون عن معاوية بن سلام عن جده، ومعاوية بن سلام عن أخيه، أما معاوية بن سلام عن أبيه فلا. انظر: تهذيب التهذيب (٤/٢٥٠) ت رقم (٥٠٠) والجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٤/٢٦١) .
(١٠) لم أقف عليه.
(١١) جهينة: قبيلة من قضاعة من القحطانية انظر: نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب للقلقشندي ص ٢٠٤.
[ ١ / ٢٥٠ ]
فقال رسول الله - ﷺ -: «أخوكم يا معشر المسلمين فابتدره الناس فوجدوه قد مات» فلفه رسول الله - ﷺ - بثيابه ودمائه وصلى عليه (١) ودفنه فقالوا يا رسول الله: أشهيد هو؟ قال: نعم وأنا له شهيد (٢) .
قال في نيل الأوطار: فظاهره أنه لم يغسله النبي - ﷺ - ولا أمر بغسله فدل على أن من قتل نفسه في المعركة خطأ حكمه كمن قتله غيره في ترك الغسل (٣) .
٣- ولأنه شهيد أشبه ما لو قتله الكفار (٤) .
القول الثاني: أنه ليس شهيد معركة، فيغسل ويكفن وصلى عليه وهذا قول الحنفية (٥) .
وقول عند المالكية (٦) والصحيح من مذهب الحنابلة (٧) .
وعللوا لقولهم: بأنه مات بغير أيدي المشركين، أشبه من أصابه ذلك في غير المعركة (٨) .
الترجيح
الذي يظهر أن القول الأول هو الراجح أن المجاهد إذا قتل نفسه خطأ في أرض المعركة فإنه شهيد معركة يأخذ أحكام الشهيد الدنيوية، لقوة ما استدلوا من الأحاديث ولأنه قتل بسبب حمله على الكفار. والله أعلم.
_________________
(١) لعل المراد بالصلاة هنا الدعاء له لا صلاة الجنازة، لأنه لفه بثيابه ودمائه فلم يكفنه ولم يغسله وسيأتي بحث مسألة الصلاة على شهيد المعركة. إن شاء الله.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه مع عون المعبود، كتاب الجهاد، باب في الرجل يموت بسلاحه، ح رقم (٢٥٣٦) والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الديات، باب لا تحمل العاقلة ما جني الرجل على نفسه ح رقم (١٦٣٩٣) . قال الشوكاني: الحديث سكت عنه أبو داود: والمنذري في إسناده سلام بن أبي سلاّم، وهو مجهول. انظر: نيل الأوطار (٤/٣٠) والجرح والتعديل للرازي (٤/٢٦١) .
(٣) نيل الأوطار: (٤/٣٠) .
(٤) المغني (٣/٤٧٤) .
(٥) البحر الرائق (٢/٣٤٣) وحاشية ابن عابدين (٣/١٦١) .
(٦) مواهب الجليل (٣/٦٧) والشرح الصغير للدردير مع بلغة السالك (١/٢٠٤) .
(٧) الإنصاف (٣/٥٠١) والمغني (٣/٤٧٣) وحاشية الروض المربع (٣/٥٩) .
(٨) المغني (٣/٤٧٣) وحاشية الروض المربع (٣/٥٩) والبحر الرائق (٢/٣٤٣) .
[ ١ / ٢٥١ ]