أهداف الجهاد بالنفس في سبيل الله
للجهاد في سبيل الله بالنفس أهداف نبيلة، وغايات سامية يختلف بها عن غيره من الحروب لعدوات عرقية، أو أغراض مادية، أو أهداف توسعية، كما هو حال الحروب الكافرة البشعة في كل زمان ومكان. ومن أهداف الجهاد بالنفس في سبيل الله ما يلي:
١- الهدف الأعظم والأسمى للجهاد في سبيل الله هو: إعلاء كلمة الله وجعل الدين كله لله، والحاكمية في الأرض لشرعه. وذلك بقتال الكفار والطواغيت التي تحول بين الناس وبين عودتهم إلى فطرتهم السوية، وابتدائهم بالقتال أينما كانوا حتى يسلموا فيكونوا إخواننا في الدين، وينضموا إلى الكيان الإسلامي القائم على المبادئ السامية، والمثل العليا المنبثقة من شريعة الإسلام السماوية، أو أن يمتنعوا من الدخول في الإسلام فيعطوا الجزية، وهم صاغرون، ويخضعوا لحكم الإسلام في الأرض مع بقائهم على دينهم، ولهم الحماية والعدل في معاملتهم. ويدل على هذا الهدف القرآن الكريم، والسنة المطهرة، ويؤيد ذلك أقوال أهل العلم من السلف والخلف.
أولا: من القرآن الكريم.
أ- قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣] .
[ ١ / ٥٣ ]
ب- قال تعالى ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: ٣٩] .
ج- قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] . المراد بالفتنة في الآيات: الشرك والكفر، ويكون الدين لله بإخلاص التوحيد فلا يعيد من دونه أحد، وتضمحل عبادة الأوثان والآلهة والأنداد، فإن انتهوا عن الشرك والكفر الذي تقاتلونهم عليه إما بالإسلام، أو الجزية فدعوا الاعتداء عليهم وقتالهم (١) .
ثانيا: من السنة المطهرة:
عن أبي موسى (٢) - ﵁ - قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: «الرجل يقاتل للمغنم والرجل يقاتل للذكر والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟» قال - ﷺ - «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» (٣) .
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٢/٣٥١) وجامع البيان للطبري (٢/٢٠٠) وج (٦/٢٤٥) وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (١/٢١٦) وج (٢/٢٩٦) .
(٢) هو: عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار الأشعري، أسلم بمكة وأول مشاهده خيبر، كان عامل الرسول - ﷺ - على زبيد وعدن، واستعمله عمر على البصرة، ثم عزله فنزل الكوفة واستعمله عثمان عليها وبقي حتى خلافة على حيث عزله عنها وبقي بها حتى توفي سنة ٤٢ هـ وقبل: توفي بمكة ﵁ انظر: أسد الغابة (٣/٢٦٣) رقم (٣١٣٥) وطبقات ابن سعد (٦/١٦) .
(٣) البخاري مع الفتح، كتاب الجهاد والسير، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ح رقم (٢٨١٠) ومسلم بشرح النووي، كتاب الإمارة باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ح رقم (١٩٠٤) .
[ ١ / ٥٤ ]
ثالثا: من أقوال أهل العلم من السلف والخلف:
أ- ما أعلنه المغيرة بن شعبة (١) - ﵁ - أمام عامل كسري وجنوده حيث قال: (فأمرنا نبينا أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده، أو تؤدوا الجزية وأخبرنا نبينا - ﷺ - عن رسالة ربنا أنه من قتل من صار إلى الجنة في نعيم لم ير مثلها قط، ومن بقي منا ملك رقابكم..) (٢) .
ب- وقال ابن تيمية ﵀ (وإذا كان أصل القتال المشروع هو الجهاد، ومقصوده هو أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، فمن امتنع من هذا قوتل باتفاق المسلمين) (٣) .
ج- وقال سيد قطب ﵀: (إن بواعث الجهاد في الإسلام ينبغي أن تلمسها في طبيعة الإسلام ذاته ودوره في هذه الأرض، وأهدافه العليا التي قررها الله، وذكر الله أنه أرسل من أجلها هذا الرسول بهذه الرسالة وجعله خاتم النبيين وجعلها خاتمة الرسالات، إن هذا الدين إعلان عام لتحرير الإنسان في الأرض من العبودية للعباد، ومن العبودية لهواه وذلك بإعلان ألوهية الله وحده.. ثم لم يكن بد للإسلام أن ينطلق في الأرض لإزالة الواقع المخالف لذلك الإعلان بالبيان وبالحركة مجتمعين، وأن يوجه الضربات للقوي السياسية
_________________
(١) هو: المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب بن مالك الثقفي، كناه الرسول - ﷺ - أبا عيسى، أسلم عام الخندق وشهد الحديبية، كان موصوفا بالدهاء، ولاه عمر البصرة ثم عزله، وولاه الكوفة وبقي حتى عزله عثمان بن عفان، شهد اليمامة وفتوح الشام، استعمله معاوية على الكوفة ومات بها سنة ٥٠ هـ انظر أسد الغابة (٤/٤٧١) ت رقم (٥٠٦٤) وطبقات ابن سعد (٤/٢٨٤) .
(٢) صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الجزية والموادعة باب الجزية مع أهل الذمة والحرب، ح رقم (٣١٥٩) .
(٣) مجموع الفتاوى (٢٨/٣٥٤) .
[ ١ / ٥٥ ]
التي تعبد الناس لغير الله، أي: تحكمهم بغير شريعة الله وسلطانه، والتي تحول بينهم وبين الاستماع إلى البيان واعتناق العقيدة بحرية..) (١) .
٢- رد العدوان على المسلمين ورفع الظلم على المستضعفين وهذا فرض عين على كل قادر وهم في حاجته (٢) .
يدل على هذا الهدف القرآن والسنة.
أولا: من القرآن الكريم:
أقوله تعالى: ﴿أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٣، ١٤] .
فالآيات فيها تحضيض على قتال المشركين الذين نقضوا العهد وطعنوا في الدين وأخرجوا الرسول - ﷺ - وبدءوا بالقتال، وعدم الخوف منهم، لكن إن تقاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم بالقتل والأسر ويخزهم وينصركم عليهم (٣) .
ب- وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٧٥] .
_________________
(١) في ظلال القرآن (٣/١٤٣٣-١٤٣٥) .
(٢) بدائع الصنائع (٦/٥٨) ومختصر المزني ص ٢٧٠ والفروع لابن ملفح (٦/١٩٠) والذخيرة للقرافي (٣/٣٨٥) والمحلى بالآثار لابن حزم (٥/٣٤٠) ومجموع الفتاوى (٢٨/٣٥٨) .
(٣) جامع البيان للطبري (٦/٣٣١) والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٨/٨٠) .
[ ١ / ٥٦ ]
والمعنى: ما شأنكم لا تقاتلون في سبيل الله وعن مستضعفي أهل دينكم وملتكم الذين قد استضعفهم الكفار فاستذلوهم ابتغاء فتنتهم، وصدهم عن دينهم (١) .
ثانيا من السنة:
ما جاء في فضل الرباط على الثغور لحماية المسلمين ورد العدوان عنهم. ما رواه سهل بن سعد الساعدي ﵁ (رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها) (٢) قال ابن حجر في الفتح: والرباط ملازمة المكان الذي بين المسلمين والكفار لحراسة المسلمين منهم (٣) .
إذا تقرر أن هدف الجهاد بالنفس إعلاء كلمة الله ورد العدوان ورفع الظلم، فإن ذلك لا يتحقق ما لم يكن للمسلمين دولة لها سيادة وقوة وعدة، ولذلك نجد أن النبي - ﷺ - وأصحابه لم يؤمروا بالجهاد بالنفس في مكة لقلة عددهم وعدتهم وظهور الكفار عليهم، ولما أصبحوا بالمدينة وكثر العدد وتأسست الدولة، كان هذا الحال ملائما أن يؤمروا بالجهاد في سبيل الله ومقاتلة أعداء الله.
إن المسلمين في هذا العصر ربما يزيدون على المليار مسلم، إلا أنهم غثاء كغثاء السيل، مزقهم العدو وجعل بينهم الفتن والمنازعات فرغبوا عن الجهاد في سبيل الله، واشتغلوا بخلافاتهم ومنازعاتهم وانغمسوا في ملاهيهم وشهواتهم، فعجزوا أن تكون لهم كلمة أو يسمع لهم صوت.
_________________
(١) جامع البيان للطبري (٤/١٧١) .
(٢) البخاري مع الفتح، كتاب الجهاد والسير، باب فضل رباط يوم في سبيل الله، ح رقم (٢٨٩٢) .
(٣) فتح الباري (٦/١٠٧) .
[ ١ / ٥٧ ]
إن الأمة الإسلامية في هذا الزمن في أمس الحاجة إلى مراجعة حساباتها والاستيقاظ من سباتها، وإصلاح ذات بينها، وتكاتفها يدا واحدة على عدوها في الدين لترفع علم الجهاد في سبيل الله، وتقاتل أعداء الله حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، والحاكمية لشرعه في الأرض.
يقول الشيخ ابن سعدي ﵀: (فمن أهم مسائل الجهاد في هذه الأوقات عقد المعاهدات، وتوثيق المودة والصداقة بين الحكومات الإسلامية مع احتفاظ كل حكومة بشخصيتها، وحقوقها الدولية وإدارتها داخلا وخارجا، والتكامل بينها والتضامن وأن يكونوا يدا واحدة على من تعدى عليهم أو على شيء من حقوقهم) (١) .
لو حصل هذا الاتفاق لكانت لهم السيادة، ولنشروا دين الله في الأرض، ورفعوا الظلم عن المسلمين في أنحاء العالم، وخضع الكفار لشريعة الإسلام التي هي شريعة العدل والأمن والسلام.
_________________
(١) جهاد الأعداء ووجوب التعاون بين المسلمين ص ٢٥.
[ ١ / ٥٨ ]