تيمم (١)
المجاهد لخوفه من العدو
_________________
(١) التيمم في اللغة القصد: أممت إليه إذا قصدته. انظر: لسان العرب (١٢/٢٧) مادة (أمم) والمعجم الوسيط (١/٢٧) . وفي الشرع مسح الوجه واليدين بتراب طهور على وجه مخصوص. انظر كشاف القناع (١/١٤٩) . وهو مشروع بالكتاب والسنة والإجماع. فمن الكتاب قوله تعالى.. النساء آية (٤٣) ومن السنة حديث حذيفة ﵁ عند مسلم (وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء) صحيح مسلم بشرح النووي، كتاب المساجد ومواضع الصلاة ح رقم (٥٢٢) . وعن عمار بن ياسر ﵄ قال: بعثني رسول الله - ﷺ - في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة، ثم أتيت النبي - ﷺ - فذكرت له ذلك فقال (إنما يكفيك أن تقول بيدك هكذا، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه) متفق عليه واللفظ لمسلم. انظر: البخاري مع الفتح كتاب التيمم، باب التيمم ضربة، ح رقم (٣٤٧) وفيه (فضرب بكفه ضربة على الأرض ثم نفضها، ثم مسح بهما ظهر كفه بشماله أو ظهر شماله بكفه ثم مسح بها وجهه) ومسلم بشرح النووي، كتاب الحيض باب التيمم ح رقم (٣٦٨) . وقد أجمع المسلمون على مشروعية التيمم في الحدث الأصغر وهو قول عامة أهل العلم من فقهاء الأمصار وغيرهم في الجنب، إلا ما روي عن عمر وابن مسعود في الجنب أنه لا يتيمم والأحاديث الصحيحة كحديث عمار بن ياسر، وحديث حذيفة، وحديث عمران بن حصين في الرجل الذي اعتزل ولم يصل، فقال - ﷺ - «ما منعك أن تصلي في القوم؟ قال: يا رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء قال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك» البخاري مع الفتح، كتاب التيمم باب الصعيد الطيب وضوء المسلم، ح رقم (٣٤٤) تدل هذه الأحاديث على أن الجنب له أن يتيمم وقد روي عن عمر وابن مسعود رجوعهما عن قولهما بعدم الجواز. انظر: بدائع الصنائع (١/١٦٤) وبداية المجتهد (١/٦٦) والأوسط (٢/١٥) والمجموع (٢/٢٤٠) .
[ ١ / ٩٢ ]
إذا خاف المجاهد على نفسه من العدو إذا خرج لطلب الماء، أو عند استعماله فإن له أن يتيمم بدلا عن الماء (١) وبهذا قال عامة الفقهاء من الأئمة الأربعة وغيرهم (٢) -ولم أجد حسب ما اطلعت عليه- خلافا في ذلك إلا رواية عند الإمام أحمد ذكرها صاحب الفروع والإنصاف أن الغازي إذا كان بقربه ماء يخاف إن ذهب إليه على نفسه لا يتيمم ويؤخر (٣) ولعله يريد بذلك تأخير التيمم إلى آخر الوقت فقد جاء في الكافي (وإن علم بماء قريب لزمه قصده ما لم يخف على نفسه أو ماله أو فوات الوقت) (٤) .
وعلى هذا فإن العلماء متفقون فيما يظهر على جواز التيمم لمن خاف من العدو على نفسه، يدل على ذلك ما يلي:
١- أن الخوف في الشريعة الإسلامية سبب من أسباب التخفيف وهو داخل في قاعدة (المشقة تجلب التيسير) (٥) .
فالخائف على نفسه من العدو يجوز له التيمم (٦) .
٢- أن الخوف من العدو عذر في جواز التيمم للمجاهد لأنه كعادم الماء (٧) .
_________________
(١) وإن خاف فوات العدو إذا توضأ جاز له التيمم على الصحيح عند الحنابلة، وفي رواية ثانية عند أحمد لا يتيمم، انظر تصحيح الفروع بهامش الفروع (١/٢١١) .
(٢) تحفة الفقهاء (١/٣٨) وبدائع الصنائع (١/١٧٠) وتبيين الحقائق (١/٣٧) والبحر الرائق (١/٢٤٨) وحاشية الخرشي (١/٣٤٧) ومواهب الجليل (١/٤٩٢) والذخيرة (١/٣٣٩) روضة الطالبين (١/٩٨) والمجموع (٢/٢٩٨) والأم (١/٤٦) والمغنى لابن قدامة (١/٣١٥) وحاشية الروض المربع (١/٣٠٦) والمستوعب (١/٢٧٤) والمحلى بالآثار لابن حزم (١/٣٥٠) .
(٣) الفروع (١/٢١١) والإنصاف (١/٢٦٨) .
(٤) الكافي في فقه الإمام أحمد (١/٩١) .
(٥) من القواعد الفقهية الكبرى انظر: الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٧٦.
(٦) غمز عيون البصائر (١/٢٦٨) والذخيرة للقرافي (١/٣٣٩) .
(٧) المغني لابن قدامة (١/٣١٥) وتبيين الحقائق (١/٣٦) وحاشية الروض المربع (١/٣٠٦) .
[ ١ / ٩٣ ]
والله ﷾ يقول: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] .
٣- ولأن حرمة النفس لا تكون دون حرمة المال إذ لو كان يلحقه الخسران في المال باستعمال الماء بأن كان لا يباع إلا بثمن باهظ جاز له التيمم (١) فعند الخوف من العدو على النفس إذا طلب الماء، أو أراد استعماله أولى.