مشروعية صلاة الخوف
لا خلاف بين الفقهاء ﵏ أن صلاة الخوف مشروعة في حياة النبي - ﷺ - (١) والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] .
والسنة الصحيحة فقد صلاها رسول الله - ﷺ - بأصحابه، عن سهل بن أبي حثمة (٢) - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - صلى بأصحابه في الخوف فصفهم خلفه صفين فصلى بالذين يلونه ركعة ثم قام فلم يزل قائما حتى صلى الذين خلفهم ركعة ثم
_________________
(١) المبسوط (٢/٤٥) وفتح القدير (٢/٦٤) والاختيار للموصلي (١/٨٩) والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/٣٩١) ومواهب الجليل (٢/٥٦١) ومغني المحتاج (١/٥٧٤) والمجموع (٤/٢٩٠) والمستوعب (٢/٤١١) والمبدع (٢/٢٥) والمغني (٣/٢٩) والمحلى بالآثار (٣/٢٣٢) .
(٢) هو: سهل بن أبي حثمة بن ساعدة بن عامر بن عدي، الأنصاري الأوسي اختلف في اسم أبيه فقيل: عبد الله، وقيل: غير ذلك قبض النبي - ﷺ - وله نحو ثمان سنين لكنه حفظ عن النبي - ﷺ - توفي أول خلافة معاوية. انظر: الإصابة (٣/١٦٣) ت رقم (٣٥٣٦) وأسد الغابة (٢/٣١٦) ت رقم (٢٢٨٥) .
[ ١ / ١٢٨ ]
تقدموا وتأخر الذين كانوا قدامهم، فصلى بهم ركعة، ثم قعد حتى صلى الذين تخلفوا ركعة ثم سلم (١) .
واختلفوا بعد وفاة النبي - ﷺ - فذهب عامة الفقهاء من الأئمة الأربعة وابن حزم وغيرهم، إلى مشروعية صلاة الخوف بعد النبي - ﷺ - وهي في البحر كالبر إذا كانوا في مركب واحد (٢) .
واستدلوا بما يلي:
١- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] .
ووجه الدلالة من الآية أن صلاة الخوف ثابتة في حق النبي - ﷺ - وما ثبت في حقه ثبت في حق أمته ما لم يقم دليل على اختصاصه به (٣) .
٢- أن النبي - ﷺ - فعل صلاة الخوف (٤) وقال - ﷺ - «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٥) .
_________________
(١) صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي باب غزوة ذات الرقاع، ح رقم (٤١٣١) وصحيح مسلم بشرح النووي، كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب صلاة الخوف ح (٨٤١) .
(٢) المبسوط (٢/٤٥) والاختيار للموصلي (١/٨٩) وبدائع الصنائع (١/٥٥٥) والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/٣٩١) ومواهب الجليل (٢/٥٦١) وشرح الزرقاني لموطأ الإمام مالك (١/٥٢١) ومغنى المحتاج (١/٥٧٤) والمجموع (٤/٢٨٩) والحاوي الكبير (٢/٤٦٥) والمبدع (٢/٢٥) والمغني لابن قدامة (٣/٢٩٦) وكشاف القناع (١/٤٩٣) والمحلى بالآثار (٣/٢٣٢) .
(٣) المبدع (٢/٢٥) وكشاف القناع (١/٤٩٣) .
(٤) مغني المحتاج (١/٥٧٤) .
(٥) صحيح البخاري مع فتح الباري كتاب الأدب باب رحمة الناس والبهائم ح رقم (٦٠٠٨) . وانظر: مغنى المحتاج (١/٥٧٤) .
[ ١ / ١٢٩ ]
وجه الدلالة: أن هذا عام في صلاة الخوف وغيرها، وقد أمر بالصلاة فلزم اتباعه.
٣- إجماع الصحابة على فعلها بعد الرسول - ﷺ - وقد نقل إجماع الصحابة غير واحد من العلماء قال في المبدع (وأجمع الصحابة على فعلها) (١) وقال في الاختيار للموصلي (إن الصحابة صلوها بعد الرسول - ﷺ - ولم ينكر أحد عليهم فكان إجماعا) (٢) .
٤- أن سببها الخوف، والخوف متحقق بعد رسول الله - ﷺ - كما كان في حياته (٣) . وذهب أبو يوسف في أحد الأقوال عنه (٤) والحسن بن زياد (٥) من الحنفية والمزني من الشافعية إلى أن صلاة الخوف في حياة النبي - ﷺ - خاصة ولم تبق مشروعة بعده (٦) .
_________________
(١) المبدع لابن مفلح (٢/٢٥) .
(٢) الاختيار للموصلي (١/٨٩) وانظر كذلك بدائع الصنائع (١/٥٥٥) والمجموع للنووي (٤/٢٨٩) .
(٣) المبسوط (٢/٤٦) والمعونة (١/٣١٩) .
(٤) روي عنه أنه أجازها مطلقا وقيل: هو قوله الأول: انظر فتح القدير (٢/٦٣) والمبسوط (٢/٤٧) وبدائع الصنائع (١/٥٥٥) وقال الجصاص: روي عنه ثلاث روايات الجواز والمنع والقول بصحة صلاة عسفان أحكام القرآن (٢/٣٢٢) .
(٥) هو الحسن بن زياد اللؤلؤي من أصحاب أبي حنيفة أخذ عنه وسمع منه فقيه محب للسنة واتباعها توفي سنة ٢٠٤ هـ انظر الجواهر المضية في طبقات الحنفية (٢/٥٦) ت رقم (٤٤٨) والفهرست ص (٢٥٣) .
(٦) فتح القدير (٢/٦٤) والاختيار للموصلي (١/٨٩) والحاوي الكبير (٢/٤٥٩) وروضة الطالبين (٢/٤٩) .
[ ١ / ١٣٠ ]
واستدلوا على ذلك بما يلي:
١- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] .
وجه الدلالة: أن كونه فيهم - ﷺ - شرط لإقامة صلاة الخوف، فلما خرج من الدنيا انعدمت الشرطية، فصلاة الخوف مخصوصة بالنبي - ﷺ - دون أمته (١) .
ونوقش هذا الاستدلال بأن تخصيص النبي - ﷺ - بالخطاب لا يوجب تخصيصه بالحكم فهو وسائر أمته شركاء في الحكم، إلا أن يرد النص بتخصيصه ولم يرد مخصص فهو وأمته سواء مثل قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] فقد أنكر الصحابة على مانعي الزكاة قولهم: أن الله تعالى خص نبيه بأخذ الزكاة (٢) .
وشرط كونه فيهم - ﷺ - إنما ورد لبيان الحكم لا لوجود أي: بين لهم بفعلك لأنه أوضح من القول (٣) .
_________________
(١) فتح القدير (٢/٦٤) وبدائع الصنائع (١/٥٥٥) .
(٢) المبسوط (٢/٤٦) والحاوي الكبير (٢/٤٥٩) والمبدع (٢/٢٥) وكشاف القناع (١/٤٩٣) والمغني (٣/٢٩٨، ٢٩٦) والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٥/٣٤٧) .
(٣) عارضة الأحوذي (٣/٣٧) وشرح الزرقاني لموطأ الإمام مالك (١/٥٢١) .
[ ١ / ١٣١ ]
٢- أن صلاة الخوف شرعت في حياة النبي - ﷺ - مع ما فيها من أعمال كثيرة منافية للصلاة لحاجة الناس إلى استدراك فضيلة الصلاة معه - ﷺ - وهذا المعنى منعدم بعد وفاته - ﷺ - فتصلي كل طائفة بإمام (١) .
ونوقش هذا: بأن ترك المشي في الصلاة وترك استدبار القبلة فريضة والصلاة خلفه - ﷺ - فضيلة، فلا يجوز ترك الفريضة لإحراز الفضيلة، ثم الحاجة موجودة بعده - ﷺ - لتكثير الجماعة فكلما كانت الجماعة أكثر كانت أفضل (٢) .
٣- أن صلاة الخوف كانت ثم نسخت في زمن النبي - ﷺ - والدليل أن النبي - ﷺ - فاتته صلوات يوم الخندق ولو كانت صلاة الخوف جائزة لفعلها ولم يفوت الصلاة (٣) .
ونوقش هذا الاستدلال: بأن دعوى النسخ لا تثبت إلا إذا علمنا تقدم المنسوخ وتعذر الجمع بين الأدلة، ولم يوجد هنا شيء من ذلك، بل المنقول المشهور أن صلاة الخوف نزلت بعد الخندق فكيف ينسخ به (٤) .
الترجيح
بعد عرض الأقوال والأدلة والمناقشة تبين أن الراجح قول الجمهور أن صلاة الخوف مشروعة بعد وفاة النبي - ﷺ - إلى ما شاء الله - ﷺ - لإجماع الصحابة على فعلها بعد النبي - ﷺ - ولزوم تأسينا بالنبي - ﷺ - في أقواله وأفعاله ما لم يرد دليل على أنه خصوصا للنبي - ﷺ - والحاجة إلى فعلها لوجود الخوف والله أعلم.
_________________
(١) المبسوط (٢/٤٥) وحاشية ابن عابدين (٣/٧٤) وبدائع الصنائع (١/٥٥٥) .
(٢) المبسوط (٢/٦٤) والبناية على الهداية (٣/١٩٤) وبدائع الصنائع (١/٥٥٥) .
(٣) المجموع للنووي (٤/٢٨٩) ومغنى المحتاج (١/٥٧٤) وروضة الطالبين (٢/٤٩) .
(٤) المراجع السابقة في هامش (٢) والذخيرة للقرافي (٢/٤٣٧) .
[ ١ / ١٣٢ ]