أخذ المجاهد من الزكاة
لا خلاف فيما أعلم أنه يجوز للمجاهد في سبيل الله الأخذ من الزكاة (١) لقوله تعالى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠] وسبيل الله المراد به الغزو (٢) .
جاء في الجامع البيان: في سبيل الله يعني في النفقة في نصرة دين الله. بقتال أعدائه وذلك هو غزو الكفار (٣) .
ولأن سبيل الله إذا أطلق في عرف الشرع يراد به الغزو (٤) .
قال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٤١] .
_________________
(١) بدائع الصنائع (٢/١٥٤) وتبيين الحقائق (١/٢٩٨) وحاشية ابن عابدين (٣/٢٨٩) وبلغة السالك (١/٢٣٣) والتلقين ص (١٧١) والكافي في فقه أهل المدينة (١/٣٢٦) والجامع لأحكام القرآن (٨/١٧٠) والمعونة (١/٤٣) ومغني المحتاج (٤/١٨١) وروضة الطالبين (٢/٣٢١) والوسيط (٤/٥٦٣) والحاوي الكبير (٨/٥١١) وكشاف القناع (٢/١٠٧) والشرح الكبير (١/٧١٤) والمبدع (٢/٤٢٤) والمحلى بالآثار (٤/٢٧٥) .
(٢) قال محمد بن الحسن من الحنفية: المراد به منقطع الحاج، وقال في بدائع الصنائع جميع القرب، وقال بعضهم: المراد به طلبة العلم. انظر البحر الرائق (٢/٤٢٢) وبدائع الصنائع (٢/١٥٤) وهذا توسع في معنى في سبيل الله والصحيح ما تقرر أن المراد عند الإطلاق الغزو والجهاد في سبيل الله بالنفس. وإلا لم يكن للحصر فائدة انظر: الشرح الممتع (٦/٢٤٨) .
(٣) جامع البيان للطبري (٦/٤٠٢) .
(٤) بدائع الصنائع (٢/١٥٤) والحاوي الكبير (٨/٥١٢) وكشاف القناع (٢/١٠٧) .
[ ١ / ٢٨٣ ]
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف:٤] .
إذا تقرر هذا، فإن المجاهد الذي يأخذ من الزكاة. هو المتطوع بالجهاد وليس له راتب من ديوان الجند (١) أما الغزاة الذين لهم راتب من ديوان الجند (٢) فلا يعطون من الزكاة بسبب الغزو، قال في المجموع: بلا خلاف (٣) .
فإذا لم يوجد في ديوان الجند ما يكفيهم فهل يعطون ما يكفيهم من الزكاة؟ اختلف الفقهاء فذهب الحنابلة والشافعية في قول إلى أنهم يعطون لأنهم غزاة (٤) .
وذهب الشافعية في الأصح إلى أنهم لا يعطون، ويجب على أغنياء المسلمين إعانتهم (٥) . ويظهر أن القول الأول هو الراجح فيعطون من الزكاة ما يكفيهم لأنه في سبيل الله ومحتاجون لما يعينهم في جهاد العدو.
إذا تقرر أن المجاهد الذي يعطى من الزكاة، هو المتطوع الذي لا راتب له من ديوان الجند، فهل يشترط في المجاهد الذي يأخذ من الزكاة أن يكون فقيرا؟ اختلف الفقهاء.
_________________
(١) مغني المحتاج (٤/١٨١) والوسيط (٤/٥٦٣) والحاوي (٨/٥١٢) وكشاف القناع (٢/١٠٧)، والشرح الكبير (١/٧١٤» والمبدع (٢/٤٢٤) والشرح الممتع (٦/٢٤١) والإنصاف (٣/٢٣٥) .
(٢) الديوان: أصله دوان فعوض من إحدى الواوين ياء لأنه يجمع على دواوين لو كانت الياء أصلية لقالوا: ديواين، والديوان فارسي معرب وهو: الدفتر الذي يكتب فيه أسماء الجيش وأهل العطاء وأول من دون الديوان عمر ﵁ يعني في الإسلام قال الماوردي والديوان موضوع لحفظ ما يتعلق بحقوق السلطنة من الأعمال والأموال ومن يقوم بها من الجيوش والعمال وأول من وضع الديوان في الإسلام عمر بن الخطاب - ﵁ -. انظر: لسان العرب (١٣/١٦٦) مادة (دون) والأحكام السلطانية للماوردي ص ٣٣٧.
(٣) المجموع (٦/٢٠٠) والحاوي (٨/٥١٢) وكشاف القناع (٢/١٠٧) والإنصاف (٣/٢٣٥) .
(٤) الإنصاف (٣/٢٣٥) وكشاف القناع (٢/١٠٧) والمجموع (٦/٢٠١) .
(٥) المجموع (٦/٢٠١) ومغنى المحتاج (٤/١٨١) والوسيط (٤/٥٦٣) .
[ ١ / ٢٨٤ ]
فذهب الجمهور إلى أنه لا يشترط أن يكون فقيرا (١) .
واستدلوا بما روى عطاء بن يسار (٢) أن النبي - ﷺ - قال: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: وذكر منهم الغازي في سبيل الله..» (٣) .
ووجه الدلالة: أنه نفي أن تحل الصدقة للغني عموما ثم استثنى الغازي في سبيل الله فتحل له مع الغنى.
ونوقش هذا الاستدلال، بأن الاستثناء محمول على حدوث الحاجة للمجاهد بعد خروجه للجهاد لأنه يحتاج إلى السلاح والنفقة ولا يكفيه ما في يده فيجوز له أخذ الزكاة، وسماه في الحديث غنيا على اعتبار ما كان قبل حدوث الحاجة وهو مقيم في داره وعنده كفايته (٤) .
ويمكن الجواب عن هذا المناقشة: بأن الحديث نص على أن المغازي في سبيل الله يأخذ من الزكاة مع غناه، وآية أهل الزكاة جاءت عامة كذلك، فتأويلهم للحديث تأويل بعيد وذهب الحنفية وقول عند المالكية، إلى أنه لا يعطى المجاهد من الزكاة، إلا إذا كان فقيرا (٥) .
_________________
(١) بلغة السالك (١/٢٣٣) والمعونة (١/٤٤٣) وحاشية الخرشي (٢/٥١٨) ومغني المحتاج (٤/١٨١) والوسيط (٤/٥٦٣) والحاوي الكبير (٨/٥١٢) والمستوعب (٣/٣٥٥) وكشاف القناع (٢/١٠٧) والمبدع (٢/٤٢٤) .
(٢) هو: عطاء بن يسار، مولى ميمونة بنت الحارث زوج النبي - ﷺ - سمع من عدد من الصحابة قال مالك: كان ثقة كثير الحديث توفي سنة ١٠٣ هـ انظر سير أعلام النبلاء (٤/٤٤٨) وطبقات ابن سعد (٥/١٧٣) .
(٣) أخرجه أبو داود في سننه مع عون المعبود، كتاب الزكاة باب من يجوز له أخذ الصدقة وهو غني، ح رقم (١٦٣٢) وتمامه (أو لعامل عليها، أو لغارم أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل كان له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهداها المسكين للغني) وابن ماجه في سننه كتاب الزكاة باب من تحل له الصدقة ح رقم (١٨٤١) والبيهقي في السنن الكبرى كتاب قسم الصدقات باب سهم سبيل الله ح رقم (١٣١٩٨) والإمام أحمد في مسنده ح رقم (١١٤٧٦) الصدقات باب سهم سبيل الله ح رقم (١٣١٩٨) والإمام أحمد في مسنده ح رقم (١١٤٧٦) ج (١٠/١٧٧) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي انظر المستدرك كتاب الزكاة ح رقم (١٤٨٠) والتلخيص للذهبي بهامشه ج (١/٥٦٦) .
(٤) بدائع الصنائع (٢/١٥٥) وأحكام القرآن للجصاص (٣/١٦٤) وتبيين الحقائق (١/٣٠٢) .
(٥) بدائع الصنائع (٢/١٥٤) وتبيين الحقائق (١/٢٩٨) واللباب في شرح الكتاب (١/١٥٤) وحاشية الخرشي (٢/٥١٨) والتاج والإكليل بهامش مواهب الجليل (٣/٢٣٤) .
[ ١ / ٢٨٥ ]
واستدلوا بما جاء في الصحيحين من حديث طويل عن ابن عباس ﵄ أن النبي - ﷺ - قال لمعاذ (١): (.. فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) (٢) .
وجه الدلالة: أن الزكاة تؤخذ من الأغنياء وتعطى الفقراء، فلا يجوز أن تؤخذ من الأغنياء وتعطى الأغنياء.
ويمكن مناقشة هذا الاستدلال: بأن دلالة الحديث عامة واستثني الغازي في سبيل الله من هذا العموم بحديث عطاء بن يسار ﵀ فلا تعارض بين الأدلة.
والذي يظهر أن ما ذهب إليه الجمهور من أنه يعطي المجاهد من الزكاة وإن كان غنيا هو الراجح لحديث عطاء بن يسار، ولأن في ذلك إعانة لهم على الغزو، وتشجيعا لهم على الاستمرار في الجهاد والله أعلم.
إذا تقرر أن المجاهد يأخذ من الزكاة، فما مقدار ما يأخذه؟
يعطى المجاهد في سبيل الله من الزكاة ما يكفيه في غزوه من الدواب والسلاح والنفقة والكسوة مدة الذهاب والرجوع والمقام في أرض العدو، أو في الثغور وإن طال المقام (٣) وهذا العطاء يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة وتغير الأحوال وباختلاف المجاهدين، فالتقدير يرجع إلى ولي الأمر، يعطيه ما يناسب حاله والله أعلم.
_________________
(١) هو: معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس، الأنصاري الخزرجي يكني أبا عبد الرحمن شهد العقبة وبدرا وأحدا والمشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ - من أعلم الأمة بالحلال والحرام بعثه النبي - ﷺ - إلى اليمن قاضيا ومعلما، توفي في طاعون عمواس بالشام سنة ١٨ هـ. انظر: أسد الغابة (٤/٤١٨) ت رقم (٤٩٥٣) وطبقات ابن سعد (٣/٥٨٣) .
(٢) صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الزكاة، باب أخذ الصدقة من الأغنياء، ح رقم (١٤٩٦) وصحيح مسلم بشرح النووي كتاب الإيمان باب الدعاء إلى الشهادتين ح رقم (١٩) .
(٣) الكافي في فقه أهل المدينة المالكي (١/٣٢٦) وأحكام القرآن لابن العربي (٥/٥٣٤) ومغني المحتاج (٤/١٨٧) والمجموع (٦/٢٠١) والحاوي (٨/٥١٢) والمستوعب (٣/٣٥٥) وكشاف القناع (٢/١٠٧) .
[ ١ / ٢٨٦ ]