حكم الجهاد في حقه
للجهاد في سبيل الله حالتان (٢):
الحالة الأولى: طلب العدو في أماكنهم وابتداؤهم بالقتال.
الحالة الثانية: دفع العدو عن بلاد المسلمين.
أما الحالة الأولى، فإن حكم الجهاد فيها فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين (٣) وهذا قول عامة أهل العلم (٤) ونقل بعضهم الإجماع على ذلك.
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٢/٣٦٤) .
(٢) بدائع الصنائع (٦/٥٧) وأهمية الجهاد في نشر الدعوة الإسلامية ص ١٢٤.
(٣) ومقدار الكفاية: أن ينهض للجهاد قوم يكفون في قتالهم، إما أن يكونوا جندالهم دواوين من أجل ذلك، أو قد أعدوا أنفسهم تبرعا. انظر: المغنى (١٣/٨) والحاوي الكبير (١٤/١١٣) .
(٤) المبسوط (١٠/٣) وفتح القدير لابن الهمام (٥/١٩١) والذخيرة (٣/٣٨٥) وبداية المجتهد (١/٣٨٤) والحاوي الكبير (١٤/١١١) وتكملة المجموع (٢١/١١٠) والمغني (١٣/٦) ومعونة أولى النهى (٣/٥٨٢) والمحلى بالآثار لابن حزم (٥/٣٤٠) . وحكى عن ابن عمر، والثوري وعطاء وغيرهم أن الجهاد بالنفس في سبيل الله مندوب وليس بفرض وهذا قول ضعيف لا دليل عليه ونسبة صحته إليهم ضعيفة، وإن صح عنهم فهو محمول على أنه ليس بفرض عين، ولا يمكن لأحد أن يقول: لا يجب الجهاد بالنفس في سبيل الله مع اقتضاء تركه استباحة دماء المسلمين. انظر فتح القدير (٥/١٨٩) وأحكام القرآن لابن العربي (١/١٤٦) والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٣/٣٩) والذخيرة (٣/٣٨٥) .
[ ١ / ٦٨ ]
جاء في تبيين الحقائق (وهو فرض كفاية ابتداء.. يعني يجب علينا أن نبدأهم بالقتال وإن لم يقاتلونا.. وعليه إجماع الأمة) (١) .
وفي الجامع لأحكام القرآن: (والذي استمر عليه الإجماع أن الجهاد على كل أمة محمد - ﷺ - فرض كفاية) (٢) .
والأدلة على ذلك من وجهين:
الوجه الأول: الأدلة على أن الجهاد فرض وهذا الوجه سبق ذكر أدلته في المرحلة الثالثة من مراحل تشريع الجهاد، وأن الأمر بالجهاد بالنفس في نصوص الكتاب والسنة يدل على فريضة الجهاد، ولا حاجة لإعادة ما سبق من الأدلة (٣) .
الوجه الثاني: الأدلة على أنه فرض كفاية:
الكتاب والسنة والقياس والعقل تدل على أن الجهاد في حالة الطلب والابتداء بالقتال فرض كفاية.
أولا من الكتاب الكريم.
قال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٥] .
_________________
(١) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق للزيلعي (٣/٢٤١) .
(٢) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٣/٣٩) ورحمة الأمة في اختلاف الأئمة ص (٥٢٧) .
(٣) راجع: مشروعية الجهاد في سبيل الله ومراحل تشريعه.
[ ١ / ٦٩ ]
وجه الدلالة من الآية: أن القاعدين عن الجهاد غير آثمين مع جهاد غيرهم، بل وعدهم الله الحسنى ولو كان الجهاد فرض عين لأثموا، ولما وعد الله القاعدين عنه الحسنى لأن القعود يكون حراما، فدلت الآية على أن الجهاد فرض كفاية (١) .
ثانيا: من السنة:
صح عن النبي - ﷺ - خروجه في بعض الغزوات وقعوده في البعض الآخر (٢) وأنه كان يؤمر غيره على الغزوة، أو السرية، ولم يكن يخرج أصحابه، بل بعضهم ولو كان الجهاد فرض عين ما قعد رسول الله - ﷺ - عن الغزو، ولما أذن لأحد من أصحابه في القعود عن الجهاد (٣) .
وكان رسول الله - ﷺ - إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرات، ثم قال (اغزوا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله) (٤) .
وقال رسول الله - ﷺ - «من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا ومن خلفه في أهله وماله بخير فقد غزا» (٥) .
_________________
(١) البحر الرائق (٥/١٢٠) والذخيرة (٣/٣٨٥) والمغني (١٣/٦) وبدائع الصنائع (٦/٥٧) .
(٢) كما في غزوة مؤتة وهي: سرية زيد بن حارثة في نحو ثلاثة آلاف إلى أرض البلقاء من أرض الشام. انظر: البداية والنهاية (٤/٦٣٢) .
(٣) تبيين الحقائق (٣/٢٤١) وبدائع الصنائع (٦/٨٥) والمغني (١٣/٧) .
(٤) صحيح مسلم مع شرح النووي كتاب الجهاد والسير، باب تأمير الأمراء على البعوث ح رقم (١٧٣١) .
(٥) سبق تخريجه.
[ ١ / ٧٠ ]
فدل الحديث على أن بعض المسلمين يغزو بنفسه، وبعضهم بماله يجهز الغزاة، وبعضهم يخلف الغازي في أهله يرعاهم ويدير شئونهم، وكل هذا يعد من الغزو في سبيل الله.
ثالثا: من القياس:
الجهاد إنما شرع لإعلاء كلمة الله، وإعزاز دينه، ودفع الفساد عن العباد، فإذا حصل من البعض سقط عن الباقين كصلاة الجنازة، ودفن الميت ونحو ذلك (١) .
رابعا: من العقل:
لو اشتغل الكل بالجهاد لتعطلت مصالح العباد وانقطعت مادة الجهاد من الكراع والسلاح فينقطع الجهاد، فلزم أن يقوم البعض بالجهاد والبعض الآخر بالحرف والمهن التي تقوم بها مصالح العباد ويستمر بها الجهاد في سبيل الله (٢) .
وروي عن بعض الصحابة (٣) ﵃ وهو محكي عن سعيد بن المسيب (٤) ﵀ أن جهاد الابتداء والطلب فرض عين (٥) .
_________________
(١) البحر الرائق (٥/١٢٠) والوسيط في المذهب للغزالي (٧/٦) .
(٢) المبسوط (١٠/٣) وفتح القدير (٥/١٩١) وتكملة المجموع (٢١/١١٠) .
(٣) منهم أبو أيوب الأنصاري، والمقداد بن الأسود ﵄ انظر فتح الباري (٦/٤٧) .
(٤) هو: سعيد بن المسيب بن حزن القرشي المخزومي، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة ومن كبار التابعين ومن أوسعهم علما، كثير الحديث ثقة ثقتا فقيها مفتيا مأمونا ورعا، توفي بالمدينة سنة ٩٤ هـ وعمره ٧٥ سنة، انظر طبقات ابن سعد (٥/١١٩) والبداية والنهاية (٩/١٢١) وسير أعلام النبلاء (٤/٢١٧) .
(٥) فتح الباري (٦/٤٧) والمغنى (١٣/٦) وتكملة المجموع (٢١/١١٦) .
[ ١ / ٧١ ]
جاء في فتح الباري لابن حجر: وقد فهم بعض الصحابة من الأمر في قول الله ﷿ ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا﴾ [التوبة: ٤١] العموم، فلم يكونوا يتخلفون عن الغزو حتى ماتوا (١) .
وخرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل له إنك عليل فقال: استنفر الله الخفيف والثقيل فإن لم يمكني الحرب كثرت السواد، وحفظت المتاع (٢) .
ونوقش هذا: بأنه محمول على استنفار الإمام، أو على الاستنفار للدفاع عن بلد من بلاد المسلمين، أو ثغر من ثغورهم فإنه يكون فرض عين حتى يندفع العدو (٣) قال - ﷺ - «وإذا استنفرتم فانفروا» (٤) .
إذا تقرر أن الجهاد بالنفس في سبيل الله في حالة طلب العدو وابتدائهم بالقتال فرض كفاية فإنه يتعين في ثلاث حالات (٥) .
١- إذا شرع في الجهاد وتقابل الصفان تعين الجهاد في حقه وحرم الانصراف قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأنفال: ٤٥] .
_________________
(١) فتح الباري (٦/٤٧) .
(٢) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٨/١٣٧) .
(٣) المغني (١٣/٧) وأحكام القرآن للجصاص (٣/١٤٥) .
(٤) صحيح البخاري مع الفتح كتاب الجهاد والسير باب وجوب النفير، ح رقم (٢٨٢٥) وصحيح مسلم مع شرح النووي، كتاب الإمارة، بابن المبايعة بعد فتح مكة على الإسلام والجهاد و، ح رقم (١٣٥٣) عن ابن عباس ﵄.
(٥) المغنى (١٣/٨) ومعونة أولى النهى (٣/٥٨٨) .
[ ١ / ٧٢ ]
٢- إذا عين إمام المسلمين شخصا بعينه للجهاد وعلى هذا يكون الجهاد فرض عين على العسكر المعينين من قبل الإمام في ديوان الجند.
٣- إذا كان النفير عاما، كأن يستنفر الإمام أهل بلد أو قرية إلى الجهاد.
لقوله - ﷺ -: «وإذا استنفرتم فانفروا» (١) .
الحالة الثانية: دفع العدو عن بلاد المسلمين.
والجهاد في هذه الحالة فرض عين على أهل البلد، ثم الذين يلونهم، حتى يكون على جميع المسلمين وحتى يندفع شر العدو، وهذا مجمع عليه.
جاء في أحكام القرآن للجصاص (ومعلوم في اعتقاد جميع المسلمين أنه إذا خاف أهل الثغور من العدو ولم تكن فيهم مقاومة لهم فخافوا على بلادهم وأنفسهم وذراريهم أن الفرض على كافة الأمة أن ينفر إليهم من يكف عاديتهم عن المسلمين وهذا لا خلاف فيه بين الأمة..) (٢) .
وفي الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: (إذا تعين الجهاد بغلبة العدو على قطر من الأقطار.. وجب على جميع أهل تلك الدار أن ينفروا ويخرجوا إليه خفافا وثقالا، شبابا وشيوخا كل على قدر طاقته.. فإن عجز أهل تلك البلدة عن القيام بعدوهم كان على من قاربهم وجاورهم أن يخرجوا، على حسب ما لزم أهل تلك البلدة حتى يعلموا أن منهم طاقة على القيام بهم ومدافعتهم، وكذلك كل من علم بضعفهم عن عدوهم وعلم أنه يدركهم ويمكنه غياثهم لزمه أيضا الخروج إليهم فالمسلمون كلهم يد على من سواهم) (٣) .
ويستدل لذلك بعموم النصوص من الكتاب والسنة التي تدل على فرض الجهاد بالنفس في سبيل الله وقد سبق ذكرها (٤) .
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) أحكام القرآن للجصاص (٣/١٦٤) والبحر الرائق (٥/١٢٢) .
(٣) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٨/١٣٨) .
(٤) راجع مشروعية الجهاد في سبيل الله ومراحل تشريعه.
[ ١ / ٧٣ ]
الباب الأول