وقت صلاة الخوف
صلاة الخوف هي إحدى الصلوات الخمس المكتوبة، ومعلوم من الدين بالضرورة وقت الصلوات الخمس المكتوبة حيث بينها النبي - ﷺ - ومما جاء في ذلك ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: «وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر وقت العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس» (١) .
إلى غير ذلك من الأحاديث الصحيحة في بيان أوقات الصلوات، وليس هذا مجال متسع لذكرها، وقد اتفق الفقهاء (٢) أنه لا يجوز فعل الصلاة قبل وقتها، ولا تأخيرها حتى يخرج وقتها من غير عذر واختلفوا في تأخيرها للمجاهد حتى يخرج وقتها في حال شدة الخوف والتحام الجيوش من غير نية الجمع إلى قولين:
القول الأول: لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها، فإذا اشتد الخوف والتحم القتال صلوا رجالا وركبانا إيماءً بالركوع والسجود، مستقبلين القبلة أو غير مستقبلين على حسب استطاعتهم، وبهذا قال الجمهور (٣) .
_________________
(١) صحيح مسلم بشرح النووي، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب أوقات الصلوات الخمس، ح رقم (١٧٣) - (٦١٢) .
(٢) رحمة الأمة في اختلاف الأئمة ص ٧٤، وزبدة الأحكام لابن إسحاق الهندي ص ١٣١
(٣) بداية المجتهد (١/١٧٨) وحاشية الدسوقي (١/٣٩١) وشرح الزرقاني (١/٥٢٤) والأم (١/٢٢٣) ومغني المحتاج (١/٥٧٨) والحاوي الكبير (٢/٤٧٠) والمغني (٣/٣١٦) والمبدع (٢/١٣٧) والمستوعب (٢/٤١٧) والمحلى بالآثار (٣/٢٣٥) .
[ ١ / ١٣٧ ]
واستدلوا بما يلي:
١- قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] . أي: إن خفتم من عدوكم حال التقائكم معهم فصلوا قياما، أو مشاة على أرجلكم أو ركبانا على ظهور دوابكم (١) .
٢- ولأنه مكلف تصح طهارته فلم يجز له إخلاء وقت الصلاة عن فعلها، كالمريض (٢) .
القول الثاني: يجوز تأخير الصلاة عن وقتها في حالة التحام القتال، والاشتغال بالضرب والطعن والكر والفر، حتى ينكشف القتال.
قال بهذا الحنفية (٣) وبعض المالكية (٤) وهو قول عند الشافعية (٥) رواية عند الحنابلة (٦) .
واستدلوا بما يلي:
١- ما رواه جابر ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ جاء يوم الخندق بعدما غربت الشمس فجعل يسب كفار قريش وقال: يا رسول الله ما صليت العصر حتى كادت الشمس أن تغيب، قال - ﷺ - «وأنا والله ما صليتها بعد» قال: فنزل إلى
_________________
(١) جامع البيان للطبري (٢/٥٨٧) .
(٢) المغني لابن قدامة (٣/٣١٧) .
(٣) الاختيار للموصلي (١/٨٩) وبدائع الصنائع (١/٥٥٩) .
(٤) عارضة الأحوذي (٣/٣٨) والجامع لأحكام القرآن (٥/٣٥٢) .
(٥) الحاوي الكبير (٢/٤٧٢) ومغنى المحتاج (١/٥٧٩) .
(٦) المستوعب (٢/٤١٨) والمبدع (٢/١٣٧) .
[ ١ / ١٣٨ ]
بطحان (١) فتوضأ وصلى العصر بعدما غابت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب (٢) .
وجه الدلالة من الحديث: أنها لو جازت الصلاة مع القتال لما أخرها رسول الله - ﷺ - (٣) .
ونوقش هذا الاستدلال بما يلي:
أ- أن هذا الحديث كان قبل نزول قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] (٤) .
ب- يحتمل أنه - ﷺ - نسيها يومئذ بدليل أن عمر ﵁ قال: ما صليت العصر فقال - ﷺ - «والله ما صليتها» (٥) .
٢- ولأن إدخال أعمال كثيرة ليست من أعمال الصلاة مفسد لها في الأصل فلا يترك هذا الأصل، إلا في مورد النص، والنص ورد في المشي لا في القتال (٦) .
ونوقش هذا الدليل بأن العمل الكثير أبيح من أجل الخوف فلم تبطل الصلاة به كاستدبار القبلة والركوب والإيماء (٧) .
_________________
(١) بطحان بالضم ثم السكون، وقيل: بطحان بفتح الأول وكسر الثاني، وقيل: بطحان بفتح الأول وسكون الثاني: وهو واد بالمدينة انظر معجم البلدان (١/٥٢٩) ت رقم (١٩٦٦) .
(٢) صحيح البخاري مع الفتح كتاب الخوف باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو، ح رقم (٩٤٥) وصحيح مسلم بشرح النووي كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب الدليل لمن قال الصلاة الوسطى هي صلاة العصر ح رقم (٦٣١) .
(٣) بدائع الصنائع (١/٥٥٩) .
(٤) وانظر: بداية المجتهد (١/١٧٨) والمستوعب (٢/٤١٨) .
(٥) المبدع (٢/٥٢) والمغني (٣/٢٩٨) وكشاف القناع (١/٤٩٣) .
(٦) بدائع الصنائع (١/٥٥٩) .
(٧) المغني لابن قدامة (٣/٣١٧) .
[ ١ / ١٣٩ ]
الترجيح
الذي يظهر أن الراجح هو القول الأول، أنه لا يجوز تأخير الصلاة حال القتال والتحام الجيوش ما دام المجاهدون قادرين على فعل الصلاة، مدركين لها، سواء كانوا قائمين، أو قاعدين، أو راكبين، أو راجلين يومئون بالركوع والسجود ويجعلون السجود أخفض من الركوع، ولا يلزم استقبال القبلة إذا لم يقدروا عليها لأن الصلاة لا يجوز تأخيرها مع القدرة على فعلها بحال من الأحوال.
فإن لم يقدروا على فعل الصلاة ولم يعوا ما يقولون وما يفعلون فيها ولم يقدروا على الإيماء بأن كان الرصاص والقنابل تأتيهم من كل جانب، ففي هذه الحالة يجوز تأخير الصلاة إلى أن ينكشف القتال إذا لم يمكن التأخير بنية الجمع (١) .
لقوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: ٤] والله أعلم.