المتلطخ بالدم (١) في صلاة الخوف
تمهيد: ذهب عامة الفقهاء رحمهم الله تعالى إلى أن الدم المسفوح نجس (٢)
وذكر غير واحد من أهل العلم الاتفاق على ذلك.
_________________
(١) هو: سائل أحمر يسري في عروق الحيوان. انظر: المعجم الوسيط (١/٢٩٨) .
(٢) ذهب الشوكاني إلى أن الدم طاهر ما عدا دم الحيض حيث دل الدليل على نجاسته واختار هذا القول الألباني ﵀ وقوى هذا القول الشيخ ابن عثيمين في دم الآدمي غير دم الحيض والدم الخارج من السبيلين واستدلوا بما يلي:
(٣) أن الأصل في الأشياء الطهارة حتى يقوم الدليل على النجاسة ولا دليل على نجاسة الدم.
(٤) القياس: وهو أن أجزاء الآدمي طاهرة فلو قطعت يده لكانت طاهرة مع إنها تحمل دما، وربما يكون كثيرا فإذا كان الجزء من الآدمي الذي يعتبر ركنا في بنية بدنه طاهرا فالدم الذي ينفصل منه ويخلفه غيره من باب أولى. قال الشوكاني في الاستدلال بالآية على أن الدم نجس: إن هذه الآية مسوقة للتحريم والحكم بالرجسية هو باعتبار التحريم، والحرام رجس ولا يكون بمعنى النجس شرعا. انظر: السيل الجرار (١/٤٤) والشرح الممتع (١/٣٧٧) . وقال الألباني (إن القائلين بنجاسة الدماء ليس عندهم حجة، إلا أنه محرم بنص القرآن، فاستلزموا من التحريم التنجيس ولا يلزم من التحريم التنجيس بخلاف العكس انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/١/٦٠٧» . ونوقش قولهم هذا: بأن معنى الرجس في اللغة القذر النجس، وكذلك عند الفقهاء فهم يعرفون النجاسة بأنها عين مستقذرة شرعا، فالآية تدل على أن الدم المسفوح نجس محرم انظر: لسان العرب (٦/٩٤) مادة (رجس) والشرح الممتع (١/٣٥١) والله أعلم.
[ ١ / ١٩٠ ]
قال في تحفة الفقهاء: لا خلاف أن ما يخرج من بدن الإنسان من الدم نجس (١) .
وقال القرطبي: اتفق العلماء على أن الدم حرام نجس (٢) .
وقال النووي: الدلائل على نجاسة الدم متظاهرة ولا أعلم فيه خلافا عن أحد من المسلمين (٣) .
وفي حاشية الروض: الدم نجس لا نزاع فيه (٤) .
واستدلوا بما يلي:
١- عموم قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] .
وجه الدلالة: أن الله سبحانه سمى الدم المسفوح رجسا، والرجس المراد به النجس (٥) .
٣- حديث أسماء (٦) بنت أبي بكر ﵄ قالت: (جاءت امرأة النبي - ﷺ -
_________________
(١) تحفة الفقهاء (١/٤٩) .
(٢) الجامع لأحكام القرآن (٢/٢١٧) وأحكام القرآن لابن العربي (١/٧٩) .
(٣) المجموع للنووي (٢/٥٧٦) .
(٤) حاشية الروض المربع (١/٣٠٩) .
(٥) بدائع الصنائع (١/١٩٥) ومغني المحتاج (١/٢٢٥) .
(٦) هي: أسماء بنت أبي بكر الصديق واسم أبي بكر عبد الله بن عثمان القرشية التيمية أم عبد الله بن الزبير، أسلمت قديما بمكة شقت نطاقها لتشد به سفرة النبي - ﷺ - وأبيها لما هاجرا، فسميت ذات النطاقين، هاجرت إلى المدينة، وعاشت إلى أن تولى ابنها الخلافة ثم قتله الحجاج عام ٧٣ هـ فماتت بعد قتل ابنها بأيام، انظر: الإصابة (٦/١٢) ت رقم (١٠٨٠٤) وأسد الغابة (٦/٩) ت رقم (٦٦٩٨) .
[ ١ / ١٩١ ]
فقالت: أرأيت إحدانا تحيض في الثوب كيف تصنع؟ قال: تحته ثم تقرصه (١) بالماء وتنضحه (٢) وتصلي فيه) (٣) .
وجه الدلالة: أنه - ﷺ - أمر بغسل الثوب وبالغ في إزالة أثر الدم بالحت والقرص والنضح بالماء، فدل على نجاسة دم الحيض (٤) ويقاس على دم الحيض غيره من الدماء لعدم الفرق (٥) .
إذا تقرر هذا فإن المتلطخ بالدم في صلاة الخوف له حالتين:
الحالة الأولى: أن يكون الدم خارجا من بدنه.
الحالة الثانية: أن يكون الدم من غيره كمن أمسك سلاحا متلطخا بالدم. فأما الحالة الأولى إذا كان الدم خارجا من بدنه من غير السبيلين فقد اختلف الفقهاء في نقضه للوضوء إلى قولين:
القول الأول: أنه لا ينقض الوضوء وبهذا قال المالكية (٦) والشافعية (٧) وابن تيمية (٨) وابن حزم (٩) .
_________________
(١) تدلك موضع الدم بأطراف أصابعها انظر: فتح الباري (١/٤٣٩) .
(٢) أي تغسله وقيل: المراد به ترشه بالماء. انظر: فتح الباري (١/٤٣٩) .
(٣) صحيح البخاري مع الفتح كتاب الوضوء باب غسل الدم ح رقم (٢٢٧) وصحيح مسلم بشرح النووي كتاب الطهارة باب نجاسة الدم وكيفية غسله ح رقم (٢٩١) .
(٤) سبل السلام (١/٨٢) .
(٥) الأوسط في السنن (٢/٤٧) .
(٦) بلغه السالك (١/٥٢) والتفريع (١/٩٦) والتلقين ص (٤٧) والمقدمات الممهدات لابن رشد (١/١٠٣) .
(٧) الحاوي الكبير (١/٢٠٠) وكفاية الأخيار ص (٣٧) والأوسط في السنن (١/١٧٧) .
(٨) الإنصاف (١/١٩٧) ومجموع الفتاوى (٢١/٢٢٢) .
(٩) المحلى بالآثار (١/٢٣٥) .
[ ١ / ١٩٢ ]
واستدلوا ما يلي:
١- عن أنس ﵁ أن النبي - ﷺ - (احتجم فصلى، ولم يتوضأ ولم يزد على غسل محاجمه) (١) .
وجه الدلالة من الحديث أن النبي - ﷺ - خرج منه دم الحجامة ولم يتوضأ فدل على أن الدم الخارج من سائر البدن لا ينقض الوضوء.
ونوقش هذا: بأنه يحتمل أنه - ﷺ - خرج من محاجمه دم يسير فلم ينتقض وضوءه ويحتمل أنه - ﷺ - توضأ ولم يره أنس، ويحتمل أنه نسي أن يتوضأ، ومع الاحتمال يبطل الاستدلال (٢) .
ويمكن الجواب عن هذه المناقشة: بأنه لو كان دم الحجامة ينقض الوضوء لبينه النبي - ﷺ - لأصحابه، لحاجتهم إلى معرفة ما يبطل الوضوء، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
٢- عن جابر بن عبد الله ﵁ (أن النبي - ﷺ - كان في غزوة ذات الرقاع (٣) فرمي رجل بسهم فنزفه (٤) الدم فركع وسجد ومضى في
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في سننه، كتاب الطهارة باب في الوضوء من الخارج من البدن، ح رقم (٥٤٦) وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب الطهارة باب ترك الوضوء من خروج الدم من غير مخرج الحدث، ح رقم (٦٦٦) وفي سنده صالح بن مقاتل، قال في نصب الراية قال الدارقطني عن صالح بن مقاتل: ليس بالقوي، وأبوه غير معروف وسليمان بن داود مجهول. ووراه البيهقي من طريق الدارقطني، وقال في إسناده ضعف، نصب الراية (١/٤٣) .
(٢) الانتصار في المسائل الكبار لأبي الخطاب (١/٣٤٧) .
(٣) راجع كيفية صلاة الخوف.
(٤) فنزفه أي: سال منه كثيرا. انظر فتح الباري (١/٣٧٣) .
[ ١ / ١٩٣ ]
صلاته) (١) .
وجه الدلالة: أنه لو كان الدم الخارج من البدن ناقضا للوضوء لكانت صلاته باطلة بسيلان الدم أول ما أصابته الرمية، ولم يجز له بعد ذلك أن يركع ويسجد وهو محدث، ويبعد أن لا يطلع النبي - ﷺ - على هذه الحادثة، ولم ينقل أنه أبطل صلاته (٢) فاستمراره في صلاته دليل على أنها صحيحة وأن وضوءه لم ينتقض بخروج الدم.
ونوقش هذا: بأنه لا دليل فيه على عدم انتقاض الوضوء، لأن النبي - ﷺ - لم يأمره بغسل الدم، وغسل الدم واجب والصلاة معه فاسدة عند الجميع، فكذلك الوضوء (٣) .
والجواب عن هذه المناقشة: أن الدم الخارج معفو عنه لأنه يسير أو لأنه كدك الاستحاضة وسلس البول الذي لا يمنع من صحة الصلاة (٤) .
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه تعليقا، كتاب الطهارة باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين ج (١/٣٧١) قال ابن حجر: هذا التعليق وصله سعيد بن منصور، والدارقطني وغيرهما وهو صحيح من قول جابر. انظر: فتح الباري (١/٣٧٢) وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى كتاب الطهارة باب ترك الوضوء من خروج الدم من خروج الدم من غير مخرج الحدث ح رقم (٦٦٣) وصححه ابن حبان. انظر: الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان، باب نواقض الوضوء، ح رقم (١٠٩٣) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي انظر المستدرك كتاب الطهارة ح رقم (٥٥٧) والتلخيص بهامشه للذهبي (١/٢٥٨) وأخرجه أبو داود في سننه كتاب الطهارة باب الوضوء من الدم ح رقم (١٩٨) .
(٢) معالم السنن للخطابي (١/٦١) وسلسلة الأحاديث الصحيحة (١/١/٦٠٦) .
(٣) الحاوي الكبير (١/٢٠١) .
(٤) المرجع السابق.
[ ١ / ١٩٤ ]
٣- أن المسلمين ما زالوا يصلون بجراحهم في القتال وقد يسيل منهم الدم الكثير ولم يرد عنه - ﷺ - أنه أمرهم بغسله ولم يرد عنهم التحرز الشديد من الدم بحيث يتركون ثيابهم الملطخة بالدماء إذا وجدوا غيرها (١) فعمر ﵁ (لما طعن صلى وجرحه يثعب (٢) دما) (٣) .
وسعد بن معاذ (٤) ﵁ (أصيب يوم الخندق فضرب له خيمة في المسجد فجلس في المسجد ودمه يسيل حتى مات) (٥) .
٤- أن الدم من سائر البدن خرج من مخرج غير معتاد، والنقض بالخارج إنما هو من حيث خروجه لا من حيث ذاته (٦) .
ونوقش هذا: بأنه منتقض بما إذا انسد السبيل وانفتح أسفل المعدة فخرج منها خارج أنه ينقض الوضوء عند الجميع (٧) .
_________________
(١) الشرح الممتع (١/٣٧٦) وعون المعبود شرح سنن أبي داود (١/٢٣١) وحاشية الروض المربع (١/٢٤١) .
(٢) يثعب أي: يجري دما انظر لسان العرب (١/٢٣٦) مادة (ثعب) .
(٣) الأوسط في السنن (١/١٦٦) .
(٤) هو: سعد بن معاذ النعمان بن الأسهل الأنصاري، الأسهلي سيد الأوسي شهد بدرا، ورمي بسهم يوم الخندق فعاش بعد ذلك شهرا حتى حكم في بني قريظة بأن يقتل رجالهم وتقسم أموالهم وتسبى ذراريهم ثم مات فقال النبي - ﷺ - كما في الصحيحين اهتز العرش لموت سعد بن معاذ انظر الإصابة (٣/٧٠) ت رقم (٣٢١٢) وأسد الغابة (٢/٢٢١) ت رقم (٢٠٤٥) .
(٥) صحيح البخاري مع الفتح كتاب المغازي باب مرجع النبي - ﷺ - ح رقم (٤١٢٢) .
(٦) التلقين ص ٤٧ وحاشية العدوى بهامش حاشية الخرشي (١/٢٨٣) .
(٧) الانتصار في المسائل الكبار (١/٣٥٤) والمجموع (٢/٨) والإنصاف (١/١٩٧) .
[ ١ / ١٩٥ ]
القول الثاني: أنه ينقض الوضوء فتنقطع الصلاة، وبهذا قال الحنفية على أن يكون الدم الخارج سائلا بنفسه إلى موضع يجب تطهيره (١) .
والحنابلة على المذهب على أن يكون الدم الخارج فاحشا (٢) أما اليسير فيعفى عنه (٣) .
واستدلوا بما يلي:
١- عن فاطمة بنت حبيش (٤) ﵂ أنها جاءت إلى النبي - ﷺ - فقالت يا رسول الله إني امرأة أستحاض (٥) فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال:
_________________
(١) اللباب في شرح الكتاب (١/١١) والمبسوط (١/٧٦) وبدائع الصنائع (١/١٢٠) وزبدة الأحكام ص (٩٥) .
(٢) المغنى (١/٢٤٨) والإنصاف (١/١٩٧) والانتصار في المسائل الكبار (١/٣٤١) وقد اختلفوا في حد الفاحش الذي ينقض الوضوء، فقيل: ما استفحشه كل إنسان في نفسه، وقيل: كل ما فحش في نفوس أواسط الناس لا المتبذلين ولا الموسوسين وقيل: ما لا يعفى عنه في الصلاة ونحو ذلك، وقد سئل الإمام أحمد عن قدر الكثير، فقال: شبر في شبر، وفي موضع أخر قال: قدر الكف. انظر: المغنى (١/٢٤٩) والمستوعب (١/٣٤٠) والإنصاف (١/١٩٨) .
(٣) في رواية عند الحنابلة، أن اليسير ينقض الوضوء، قال في المغني: لا تعرف هذه الرواية ولم يذكرها الخلال في جامعه. انظر: المغني (١/٢٤٨) والمراجع السابقة.
(٤) هي: فاطمة بنت أبي حبيش قيس بن عبد المطلب بن أسد بن عبد العزى القرشية الأسدية، مهاجرة جليلة، تزوجها عبد الله بن جحش، فولدت له ابنه محمدا انظر الاستيعاب (٤/٣٧١) . والطبقات الكبرى لابن سعد (٨/٢٤٥) .
(٥) الاستحاضة هي: سيلان الدم في غير أوقاته المعتادة من عرق في أدنى الرحم يسمى العاذل. انظر: كشاف القناع (١/١٨٢) .
[ ١ / ١٩٦ ]
«لا، إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي» (١) .
وفي رواية «توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت» (٢) .
وجه الدلالة أنه - ﷺ - علل بأنه دم عرق وعلق عليه الوضوء، والدم الخارج من البدن دم عرق، فاقتضى تعليله إيجاب الوضوء منه (٣) .
ونوقش هذا الاستدلال بأنه لا يجوز قياس ما يخرج من سائر البدن على ما يخرج من القبل أو الدبر، لأنهم قد أجمعوا على الفرق بين ريح تخرج من الدبر وبين الطعام المتغير يخرج من الفم، فتجب الطهارة من الريح الخارجة من الدبر بالإجماع، ولا تجب من الطعام المتغير الخارج من الفم، فدل هذا التفريق على عدم جواز القياس (٤) .
٢- عن تميم الداري ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - «الوضوء من كل دم سائل» (٥) .
_________________
(١) صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الحيض باب الاستحاضة ح رقم (٣٠٦) وصحيح مسلم مع شرح النووي كتاب الحيض باب المستحاضة وغسلها وصلاتها ح رقم (٣٣٣) .
(٢) صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الوضوء باب غسل الدم ح رقم (٢٢٨) .
(٣) بدائع الصنائع (١/١٢٠) والانتصار في المسائل الكبار (١/٣٤٢) .
(٤) المغنى (١/٢٥٠) والأوسط في السنن (١/١٧٤) والذخيرة (١/٢٣٦) والمحلى بالآثار (١/٢٣٨) .
(٥) أخرجه الدارقطني في سننه، كتاب الطهارة، باب في الوضوء من الخارج من البدن، ح رقم (٥٧١) قال الدارقطني عمر بن عبد العزيز لم يسمع من تميم الداري، ولا رآه ويزيد بن خالد، ويزيد بن محمد مجهولان، وقال في نصب الراية: رواه ابن عدي في الكامل عن زيد بن ثابت، في ترجمة أحمد بن الفرج، وقال: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث أحمد هذا، قال أبو حاتم في العلل: أحمد بن الفرج كتبنا عنه، ومحله عندنا الصدق، نصب الراية (١/٣٧) وقال ابن حجر: إسناده ضعيف جدا، فيه محمد بن الفضل بن عطية وهو متروك انظر: التلخيص الحبير (١/١١٣)
[ ١ / ١٩٧ ]
ونوقش هذا: بأنه حديث ضعيف، بل قال في الذخيرة أنه لا يثبت (١) .
٣- أن الدم خارج نجس من بدن الآدمي فينقض الوضوء كالخارج من السبيلين (٢) .
ونوقش هذا: بأن الطهارة عبادة لا يجوز القياس فيها لعدم العلة الجامعة (٣) .
واستدل الحنابلة على استثناء اليسير من الدم بما يلي.
١- عن ابن عمر ﵄ (أنه عصر بثرة (٤) فخرج منها دم وقيح، فمسح بيده وصلى ولم يتوضأ) (٥) .
٢- أن المخارج غير السبيلين خلقت أصلا لخروج الطهارات كالدمع واللبن، فكان خروج النادر اليسير منها وإن كان نجسا ملحقا بالغالب مما يخرج منها، في أنه لا ينقض الوضوء، حتى إذا كثر الخارج النجس منها وغلب قوي وصار أصلا بنفسه (٦) .
_________________
(١) الذخيرة (١/٢٣٦) .
(٢) المبسوط (١/٧٦) والانتصار في السائل الكبار (١/٣٥٠) والمغنى (١/٢٤٨) .
(٣) الذخيرة (١/٢٣٦) والأوسط في السنن (١/١٧٥) والمغنى (١/٢٤٧) .
(٤) البثر والبثور والبثر: خراج صغار، وواحدته بثرة يقيح على الوجه وسائر البدن مثل الجدري انظر لسان العرب (٤/٣٩) مادة بثر.
(٥) صحيح البخاري مع الفتح تعليقا كتاب الوضوء باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين ج (١/٣٧١) قال ابن حجر: هذا التعليق وصله ابن أبي شيبة بإسناد صحيح انظر فتح الباري (١/٣٧٤) والمصنف لابن أبي شيبة كتاب الطهارات باب إذا سال الدم من كان يرخص فيه ولا يرى فيه وضوءا (١/١٦٣) وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى كتاب الطهارة باب ترك الوضوء من خروج الدم ح رقم (٦٦٧) .
(٦) الانتصار في المسائل الكبار (١/٣٥٢) والفروق على مذهب أحمد للسامري (١/١٥٠) .
[ ١ / ١٩٨ ]
٣- أن إيجاب الوضوء من يسير الدم فيه وحرج على الناس لأن الإنسان لا يخلو في غالب حاله من بثرة أو دمل أو رعاف والله ﷾ ما جعل علينا في الدين من حرج (١) .
الترجيح
الذي يظهر أن الراجح هو القول الأول، أن الدم الخارج من البدن غير السبيلين، لا ينقض الوضوء، لأن الأصل عدم النقض، إلا بدليل، ولا دليل على نقضه للوضوء، ولما جاء عن الصحابة ﵁ ومن بعدهم، أنهم يصلون فتصيبهم الجراح ويخرج منهم الدم، ولا يقطعون صلاتهم، ولو كان الوضوء ينتقض لكانوا يصلون على غير طهارة وهذا لا يصح أن يقال في حقهم.
وعلى هذا فإن المجاهد في سبيل الله إذا كان في صلاة الخوف فجرح وخرجت منه الدماء، أن وضوءه لا ينتقض، وصلاته صحيحة لا تنقطع والله أعلم.
الحالة الثانية: أن يكون الدم المتلطخ به المجاهد من غيره، كأن يمسك سلاحا ملطخا بالدماء، أو يمسك مصابا بالجراح ونحو ذلك.
اتفق الفقهاء - فيما أعلم - أن المجاهد إذا أصابته الدماء في ملابسه أو جسده وهو في صلاة الخوف، أن صلاته صحيحة لأنه وإن كان الدم المسفوح نجسا، إلا أن ذلك من الأعذار العامة في حق المجاهد (٢) .
يدل على هذه الحالة ما يلي:
_________________
(١) الانتصار في المسائل الكبار (١/٣٥٢) .
(٢) فتح القدير (١/١٧٨) وحاشية الدسوقي (١/٣٩٤) ومواهب الجليل (٢/٥٦٥) وروضة الطالبين (٢/٦١) ومغنى المحتاج (١/٥٧٩) وكشاف القناع (١/٤٩٩) والشرح الممتع (٤/٥٨٧) والإنصاف (٢/٣٨٥) .
[ ١ / ١٩٩ ]
١- عن جابر بن عبد الله ﵁ (أن النبي - ﷺ - كان في غزوة ذات الرقاع فرمي رجل بسهم فنزفه الدم فركع وسجد ومضى في صلاته) (١) . وجه الدلالة: أنه يلزم بخروج الدم منه أن يصيب ملابسه، وقد مضى في صلاته ولم يقطعها، فدل ذلك على أن تلطخ ملابسه بالدم لا يؤثر.
٢- أن المسلمين ما زالوا يصلون بجراحهم في القتال وقد يسيل منهم الدم الكثير، ولم يرد عنه - ﷺ - أنه أمرهم بغسله ولم يرد عنهم التحرز الشديد من الدم بحيث يتركون ثيابهم الملطخة بالدماء إذا وجدوا غيرها. فعمر ﵁ (لما طعن صلى وجرحه يثعب دما) (٢) وسعد بن معاذ ﵁ (أصيب يوم الخندق فضرب له خيمة في المسجد فجلس في المسجد ودمه يسيل حتى مات) (٣) .
وبهذا يتقرر صحة صلاة المجاهد إذا تلطخ بالدم وهو في صلاة الخوف، وإن أمكنه إزالة الدم، أو خلع الثوب المتلطخ بالدم فهو أولى. والله أعلم.