شروط المجاهد
يشترط في المجاهد في حالة طلب العدو وابتدائهم بالقتال ستة شروط؛ هي شروط التجنيد في الجيش الإسلامي.
الشرط الأول أن يكون المجاهد مسلما (٣) خرج بذلك الكافر.
_________________
(١) جامع البيان للطبري (٤/٢٢٩) .
(٢) الذخيرة للقرافي (٣/٣٩٧) .
(٣) المقدمات الممهدات (١/٣٥٢) والمغني (١٣/٨) ومعونة أولي النهى (٣/٥٨٥) والوسيط في المذهب للغزالي (٧/١٦) .
[ ١ / ٦٢ ]
يدل على ذلك ما يلي:
١- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف: ١٠، ١١] .
٢- قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٥، ٩٦] .
وجه الدلالة من الآيات: أن الخطاب بالجهاد متوجه إلى المؤمنين دون الكافرين، لأن الكافرين غير مأمونين في الجهاد (١) .
٣- عن البراء بن عازب ﵁ قال: (أتى النبي - ﷺ - رجل مقنع بالحديد فقال: يا رسول الله أقاتل أو أسلم؟ قال: «أسلم ثم قاتل» فأسلم ثم قاتل فقتل، فقال رسول الله - ﷺ - «عمل قليلًا وأجر كثيرًا») (٢) .
الشرط الثاني أن يكون المجاهد بالغا (٣) خرج بذلك الصبي فلا جهاد عليه.
_________________
(١) المغني (١٣/٨) .
(٢) سبق تخريجه ص ٥١.
(٣) بداية المجتهد (١/٣٨٤) والبحر الرائق (٥/١٢١) وحاشية ابن عابدين (٦/٢٠١) ومعونة أولى النهى (٣/٥٨٥) والحاوي الكبير (١٤/١١٥) .
[ ١ / ٦٣ ]
يدل على ذلك ما يلي:
١- قوله تعالى: ﴿ليس على - حرج﴾ [التوبة: ٩١] .
وجه الدلالة: أن الصبي ضعيف البنية، ضعيف في معرفة القتال فلا حرج عليه ولأنه مظنة الرحمة، فلا يؤتي به إلى المهلكة (١) .
٢- ما جاء عن ابن عمر (٢) ﵄ قال: (عرضت على رسول الله - ﷺ - يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة فلم يجزني في المقاتلة) (٣) .
الشرط الثالث أن يكون المجاهد عاقلا (٤) .
فلا يتوجه فرض الجهاد إلى المجنون لقوله - ﷺ - «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يعقل» (٥) .
ولا يؤذن للمجانين في الخروج إلى الجهاد، لأن خروجهم ضار ولا يتأتى منهم الجهاد.
_________________
(١) تبيين الحقائق (٣/٢٤١) والمغني (١٣/٨) .
(٢) هو: عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، أسلم مع أبيه وهو صغير لم يبلغ الحلم لم يشهد بدرا لصغر سنة وشهد ما بعدها، كان شديد الحرص على اتباع السنة شديد الاحتياط في الفتوى توفي سنة ٧٣ هـ وقيل غير ذلك انظر أسد الغابة (٣/٢٣٦) ت رقم (٣٠٨٠) والإصابة (٤/١٥٥) ت رقم (٤٨٥٢) .
(٣) صحيح مسلم بشرح النووي كتاب الإمارة باب بيان سن البلوغ ح رقم ٩١- (١٨٦٨) .
(٤) المقدمات الممهدات (١/٣٥٢) والحاوي الكبير (١٤/١١٦) وتكملة المجموع (٢١/١٢٢) والمغنى (١٣/٨) والبحرالرائق (٥/١٢١) .
(٥) سنن أبي داود مع عون المعبود، كتاب الحدود، باب في المجنون يسرق أو يصيب حدا رقم (٤٣٩٢) قال المنذري منقطع لأن فيه أبو الضحى لم يدرك علي بن أبي طالب انظر: عون المعبود (١٢/٥١) وأخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الطلاق باب طلاق المعتوه، والصغير والنائم ح رقم (٢٠٤١) و(٢٠٤٢) .
[ ١ / ٦٤ ]
الشرط الرابع: أن يكون المجاهد حرا (١) .
فلا يجب على الرقيق ولو أمره به سيده، إذ لا حق له في روحه حتى يغرر به ويعرضه للهلاك، ولسيده أن يستصحبه للخدمة.
يدل على ذلك حديث جابر (٢) ﵁ (أن عبدا قدم على النبي - ﷺ - فبايعه على الجهاد والإسلام، فقدم صاحبه فأخبره أنه مملوك، فاشتراه - ﷺ - منه بعبدين، فكان بعد ذلك إذا أتاه من لا يعرفه ليبايعه سأله أحر هو أم عبد؟ فإن قال: حر بايعه على الإسلام والجهاد، وإن قال: مملوك بايعه على الإسلام دون الجهاد) (٣) .
الشرط الخامس: أن يكون المجاهد ذكرا (٤) .
فلا يجب على المرأة ولا الخنثى المشكل (٥) .
_________________
(١) تبيين الحقائق (٣/٢٤١) والمقدمات الممهدات (١/٣٥٢) وتكملة المجموع (٢١/١٢٢) والوسيط في المذهب (٧/٨) والمغني (١٣/٨) ومعونة أولي النهى (٣/٥٨٥) .
(٢) هو جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري الخزرجي السلمي شهد العقبة الثانية مع أبيه وهو صبي ولم يشهد بدرا لصغر سنه، وشهد أحدا، وقيل منعه أبوه فلما قتل أبوه في أحد لم يتخلف عن رسول الله - ﷺ - في غزوة قط، توفي سنة ٧٤ هـ وقيل: غير ذلك: انظر: الإصابة (١/٥٤٦) ت رقم (١٠٢٨) وأسد الغابة (١/٣٠٧) ت رقم (٦٤٧) .
(٣) قال ابن حجر في التلخيص الحبير: أخرجه النسائي وأصله في صحيح مسلم (٤/٩١) والذي وجدت في النسائي لفظه: (جاء عبد فبايع النبي - ﷺ - على الهجرة، ولا يشعر النبي - ﷺ - أنه عبد، فجاء سيده يريده، فقال النبي - ﷺ -: (بعنيه فاشتراه بعبدين أسودين، ثم لم يبايع أحدا حتى يسأله أعبد هو؟» كتاب البيعة باب بيعة المماليك ح رقم (٤١٩٥)، وأخرجه مسلم مع شرح النووي، كتاب المساقاة، باب جواز بيع الحيوان من جنسه متفاضلا ح رقم (١٦٠٢) .
(٤) فتح القدير لابن الهمام (٥١٩٣) والبحر الرائق (٥/١٢١) وبداية المجتهد (١/٣٨٤) والحاوي (١٤/١١٥) وتكملة المجموع (٢١/١٢١) والمقدمات الممهدات (١/٣٥٢) .
(٥) الخنثى المشكل: من له إحليل ذكر وفرج أنثى ولم يعرف حاله ذكرا أم أنثى. انظر لباب الفرائض ص ٥٩ والتحقيقات المرضية ص ٢٠٥.
[ ١ / ٦٥ ]
أما المرأة فلما يأتي:
١- أن الجهاد لا يتأتى للمرأة إلا بضد ما أمرت به من الستر، والقرار في البيت في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩] .
وفي قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣] .
٢- عن عائشة (١) ﵂ قالت: استأذنت النبي - ﷺ - في الجهاد، فقال: (جهادكن الحج) (٢) .
٣- ولأنها ليست من أهل الجهاد لضعفها وخورها (٣) .
أما الخنثى المشكل: فلا يجب عليها لأنه يجوز أن تكون امرأة ومع الشك لا يجب عليها الجهاد (٤) .
الشرط السادس أن يكون المجاهد مستطيعا (٥) .
_________________
(١) هي: أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق تزوجها النبي - ﷺ - قبل الهجرة وعمرها ست سنوات وبني بها بالمدينة وعمرها تسع سنوات، كانت من أفقه الناس وأحسنهم رأيا روت عن النبي - ﷺ - كثيرا، توفيت سنة ٥٧ هـ انظر: الإصابة (٨/٢٣١) ت رقم (١١٤٦١) وأسد الغابة (٦/١٨٨) ت رقم (٧٠٨٥) .
(٢) البخاري مع الفتح، كتاب الجهاد والسير، باب جهاد النساء ح رقم (٢٨٧٥) .
(٣) المغني لابن قدامة (١٣/٩) .
(٤) المجموع (٢١/١٢١) والمغني (١٣/٩) والحاوي (١٤/١١٤) .
(٥) المقدمات الممهدات (١/٣٥٣) والذخير للقرافي (٣/٣٩٣) وحاشية ابن عابدين (٦/٢٠٥) وفتح القدير (٥/١٩٤) وتكملة المجموع (٢١/١٢٦) والحاوي الكبير (١٤/١٢٠، ١١٧) والمغني لابن قدامة (١٣/٩) وكشاف القناع (٢/٣٦٤) .
[ ١ / ٦٦ ]
والاستطاعة تكون في جانبين:
الجانب الأول:
الاستطاعة البدنية بأن يكون سليما، فلا يجب الجهاد على المريض ولا على الأعمى ولا على الأعرج ولا على الأشل، ومن في حكمهم.
يدل على ذلك ما يلي:
١- قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١] .
جاء في سبب نزول الآية، أنها نزلت في الجهاد، والمراد: لا إثم عليهم في ترك الجهاد لضعفهم وعجزهم (١) .
٢- ولأن هؤلاء لا قدرة لهم على القتال فلا يكلفون ما لا طاقة لهم به (٢) .
الجانب الثاني:
الاستطاعة المالية، وهذا الجانب محمول على من لم يكن لهم ديوان (٣) جند يعطون منه السلاح والنفقة والمركوب.
قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ [التوبة: ٩١] .
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٣/٢٩٤) وأحكام القرآن لابن العربي (٣/٤٢١) .
(٢) تكملة المجموع (٢١/١٢٧) .
(٣) هو الدفتر الذي يكتب فيه أسماء الجيش، وأهل العطاء، وأول من دون الديوان عند المسلمين عمر بن الخطاب ﵁. انظر لسان العرب (١٣/١٦٦) مادة (دون) والمعجم الاقتصادي الإسلامي ص (١٧٤) .
[ ١ / ٦٧ ]
ففي هذه الآية بين الله تعالى الأعذار التي لا حرج على من قعد معها عن الجهاد في سبيل الله فذكر منها ما هو ملازم للشخص، وهو الضعف الذي لا يستطيع معه الجلاد في الجهاد ومنها ما هو عارض بسبب المرض، أو بسبب الفقر الذي لا يقدر معه على التجهيز للحرب، فليس على هؤلاء إثم إذا قعدوا عن الجهاد في سبيل الله (١) .
وبعد: فهذه الشروط إذا تحققت في المسلم كان الجهاد بالنفس في سبيل الله فرض عليه؛ سواء كان فرض كفاية أم فرض عين على ما سيأتي بيانه في المطلب الآتي إن شاء الله تعالى.