شروط صلاة الخوف
يشترط لصلاة الخوف شروط نجملها فيما يلي:
١- أن يكون القتال جائزا أي مأذونا فيه كقتال الكفار (١) .
خرج بهذا الشرط القتال المنهي عنه فلا يصلي فيه صلاة الخوف، كالقتال لمجرد شهوة النفس، أو قتال الإمام العادل (٢) ونحو ذلك.
٢- خوف هجوم العدو لقربهم من المجاهدين، أو لإخبار الثقة بقدومهم إلى المجاهدين، أو لخوف كمين أو مكيدة وهذا ما ذهب إليه الجمهور (٣) . لقوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٠١] .
وذهب الحنفية إلى اشتراط معاينة العدو، وإلا لم يصلوا صلاة الخوف (٤) .
ووجه قولهم: إن سبب الترخص لم يتحقق وهو الخوف، لعدم معاينة العدو (٥) . والذي يظهر أن قول الجمهور أرجح، لأن صلاة الخوف مشروعة عند وجود الخوف.
_________________
(١) مواهب الجليل (١/٥٦١) وحاشية الخرشي (٢/٢٨٠) والأم (١/٢٢٤) والحاوي (٢/٤٧٦) والمجموع (٤/٢٨٧) والمستوعب (٢/٤١٢) وكشاف القناع (١/٤٩٣) والشرح الممتع (٤/٥٨٦) .
(٢) الفواكه الدواني (١/٤١٤) وحاشية الدسوقي (١/٣٩١) والمجموع (٤/٢٨٧) وروضة الطالبين (٢/٦٢) .
(٣) التاج والإكليل بحاشية مواهب الجليل (٢/٥٦٦) والأم (١/٢١٨) والمبدع (٢/١٢٦) والمغني (٣/٢٩٩) والإنصاف (٢/٣٦٢) .
(٤) المبسوط (٢/٤٩) وفتح القدير (٢/٦٢) وحاشية ابن عابدين (٣/٧٤) .
(٥) المراجع السابقة في الهامش السابق.
[ ١ / ١٣٣ ]
وقرب العدو من المجاهدين سبب لوجود الخوف فتشرع الصلاة حتى ولو لم يروهم، ولأنهم قد يعاينون العدو لكن بينهم وبين العدو ما يمنع وصولهم إليهم فلا تجوز حينئذ صلاة الخوف، والله أعلم.
٣- أن يكون المجاهدون مطلوبين من العدو، وهم في حالة ضعف وقلة والعدو في حالة قوة وكثرة أو كان المجاهدون متحرفين إلى القتال، أو متحيزين إلى فئة ففي هذه الحالات يجوز أن يصلوا صلاة الخوف (١) .
قال ابن المنذر (٢) (كل من أحفظ عنه من أهل العلم يقول: أن المطلوب يصلي على دابته) (٣) .
فإن انهزموا من العدو وهو أقل من مثليهم لم تجز لهم صلاة الخوف، لأنها رخصة والانهزام من العدو كبيرة ومعصية فلا تناط الرخصة بالمعصية (٤) .
أما إن كان المجاهدون طالبين للعدون فقد اختلف أهل العلم في مشروعية صلاة الخوف لهم إلى قولين.
_________________
(١) الذخيرة (٢/٤٤٢) وحاشية الخرشي (٢/٢٨٤) وتحفة الفقهاء (١/١٧٩) وحاشية ابن عابدين (٣/٧٦) والأم (١/٢٢٥) والحاوي (٢/٤٧٥) ونيل الأوطار (٣/٣٢٣) والمستوعب (٢/٤١٨) وكشاف القناع (١/٥٠٠) .
(٢) هو: الإمام الحافظ العلامة شيخ الإسلام، أبو بكر محمد بن إبراهيم ابن المنذر النيسابوري، ولد في حدود موت الإمام أحمد بن حنبل، وقال الزركلي ولد سنة (٢٤٢هـ) من مؤلفاته الأوسط في السنن، والإشراف على مذاهب أهل العلم، واختلاف العلماء وغيرها توفي بمكة سنة ٣١٩ هـ انظر سير أعلام النبلاء (١٤/٤٩٠) والأعلام للزركلي (٥/٢٩٤) .
(٣) الأوسط (٥/٤٢) .
(٤) الذخيرة (٢/٤٤٢) ومواهب الجليل (١/٥٦١) / والمجموع (٢٨٨) / وروضة الطالبين (٢/٦٢) والحاوي (٢/٤٧٧) وكشاف القناع (١/٥٠٠) .
[ ١ / ١٣٤ ]
القول الأول: تجوز لهم إذا خافوا فوات العدو.
قال بهذا المالكية (١) والشافعية في حالة ما إذ قل الطالبون عن المطلوبين، وانقطع الطالبون عن أصحابهم فخافوا عودة المطلوبين عليهم (٢) ورواية عند الحنابلة (٣) .
واستدلوا بما يلي:
١- ما رواه عبد الله بن أنيس (٤) ﵁ قال: (بعثني رسول الله - ﷺ - إلى خالد بن سفيان الهذلي، وكان نحو عرنة وعرفات، فقال: اذهب فاقتله، قال: فرأيته وحضرت صلاة العصر، فقلت: إني لأخاف أن يكون بيني وبينه ما إن أؤخر الصلاة فانطلقت أمشي وأنا أصلي أومي إيماء نحوه، فلما دنوت منه قال: من أنت؟ قلت: رجل من العرب بلغني أنك تجمع لهذا الرجل فجئتك في ذاك قال: إني لفي ذاك، فمشيت معه ساعة حتى إذا أمكنني علوته بسيفي حتى برد (٥» (٦) .
_________________
(١) الذخيرة (٢/٤٤٢) وحاشية الخرشي (٢/٢٨٤) .
(٢) الأم (١/٢٢٦) والأوسط (٥/٤٢) والوسيط (٢/٣٠٨) .
(٣) المستوعب (٢/٤١٨) وكشاف القناع (١/٥٠٠) والإنصاف (٢/٣٦١) والمبدع (٢/١٨٣) .
(٤) هو عبد الله بن أسعد بن حرام بن حبيب، الجهني الأنصاري، أبو يحيى المدني حليف بني سلمة وهو أحد الذين كانوا يكسرون أصنام بني سلمة شهد بدرا وما بعدها، بعثه النبي - ﷺ - لقتل خالد بن سفيان الهذلي فقتله، توفي سنة ٧٤ هـ انظر: الإصابة (٤/١٣) ت رقم (٤٥٦٨) وأسد الغابة (٣/٧٥) ت رقم (٢٨٢٢) .
(٥) أي حتى مات انظر لسان العرب (٣/٨٥) مادة (برد) .
(٦) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة باب صلاة الطالب، ح رقم (١٢٤٥) قال في عون المعبود الحديث سكت عنه أبو داود والمنذري وحسن إسناده الحافظ في الفتح. انظر: عون المعبود (٤/٩١) وفتح الباري (٢/٥٥٦) وقال في مجمع الزوائد، رجاله ثقات، كتاب المغازي والسير، باب قتل خالد بن سفيان ج (٦/٢٠٤) وأخرجه الإمام أحمد في المسند ج (١٢/٤٣٠) ح رقم (١٥٩٩٣، ١٥٩٩٠، ١٥٩٨٩) .
[ ١ / ١٣٥ ]
وجه الدلالة: أن عبد الله بن أنيس صلى صلاة الخوف وهو طالب للعدو. وظاهر حاله أنه أخبر بذلك النبي - ﷺ - فأقره، أو كان قد علم جوازه فإنه لا يظن به أنه فعل ذلك مخطئا (١) .
٢- ولأن فوات الكفار ضرر عظيم فأبيحت صلاة الخوف عند فوتهم (٢) .
٣- ولأن أمرهم مع عدوهم لم ينقض ولا يأمنون رجوعهم فهم خائفون (٣) .
القول الثاني: لا تجوز لهم صلاة الخوف في حالة طلبهم للعدو.
قال بهذا الحنفية (٤) والشافعية (٥) وبعض المالكية (٦) ورواية عند الحنابلة (٧) .
ووجه قولهم: أن العلة في صلاة الخوف وجود الخوف وهو معدوم في حالة كونهم طالبين العدو فلا ضرر تدعوا إلى صلاة الخوف (٨) .
والذي يظهر أن القول الأول هو الراجح وهو مشروعية صلاة الخوف لطالب العدو في حالة مطاردته لهم وهم يرونه ويراهم، لأن الاشتغال بالصلاة والتوقف عن ملاحقة العدو فيه خطر على المجاهدين، لأن العدو قد يستغل هذا التوقف لتنظيم صفوفه والهجوم المعاكس على المجاهدين أو وضع كمين في طريقهم، والله أعلم.
_________________
(١) المبدع (٢/١٣٨) وانظر: كشاف القناع (١/٥٠٠) وعون المعبود (٤/٩١) .
(٢) المبدع (٢/١٣٨.
(٣) حاشية الخرشي (٢/٢٨٤) .
(٤) تحفة الفقهاء (١/١٧٩ وحاشية ابن عابدين (٣/٧٦.
(٥) الأم (١/٦٢٢ والأوسط في السنن والإجماع والاختلاف (٥/٤٢) .
(٦) الذخيرة (٢/٤٤٢) وحاشية الخرشي (٢/٢٨٤) ومنهم ابن الحكم.
(٧) المبدع (٢/١٨٣) والمستوعب (٢/٤١٩) والإنصاف (٢/٣٦١) .
(٨) تحفة الفقهاء (١/١٧٩) وحاشية الخرشي (٢/٢٨٤) والأم (١/٢٢٦) والمبدع (٢/١٣٨) والإنصاف (٢/٣٦١) .
[ ١ / ١٣٦ ]