المشي في صلاة الخوف
اتفق الفقهاء رحمه الله تعالى فيما أعلم على جواز المشي في صلاة الخوف غير الشديد لتقدم صف أو تأخر صف، أو تقدم طائفة أو تأخر أخرى، لأن هذا الأمر لا بد منه في صلاة الخوف (١) وقد تقدم بيان كيفية صلاة الخوف غير الشديد في أربعة أوجه (٢):
أما إذا كان المشي في صلاة الخوف الشديد فقد اختلفوا في جواز المشي في هذه الحالة إلى قولين:
القول الأول: يجوز المشي في الصلاة بقدر الحاجة إلى ذلك، وبهذا قال الجمهور (٣) .
واستدلوا بما يلي:
١- قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] .
جاء في تفسير هذه الآية، أي: إن خفتم من عدوكم حال التقائكم معهم فصلوا قياما، أو مشاة على أرجلكم أو ركبانا على ظهور دوابكم (٤) .
_________________
(١) الاختيار للموصلي (١/٨٩) وحاشية ابن عابدين (٣/٧٥)
(٢) راجع كيفية صلاة الخوف غير الشديد.
(٣) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/٣٩٤) وحاشية الخرشي (٢/٢٨٥) والمدونة (١/١٦٢) والأم (١/٢٢٢) والأوسط في السنن (٥/٣٨) والمغني (٣/٣١٧) وكشاف القناع (١/٤٩٩) والمحلى بالآثار (٣/٢٤٣) .
(٤) جامع البيان للطبري (٢/٥٨٧) .
[ ١ / ١٨٨ ]
٢- ولأن النبي - ﷺ - صلى بأصحابه في غير شدة الخوف فأمرهم بالمشي إلى وجه العدو، ثم يعودون لقضاء ما بقي عليهم، وهذا مشي كثير ولم تبطل صلاتهم، فمع شدة الخوف من باب أولى (١) .
القول الثاني: لا يجوز المشي في الصلاة، وبهذا قال الحنفية (٢) والشافعية إذا كان المشي كثيرا (٣) .
واستدلوا بأن المشي في الصلاة عمل كثير والعمل الكثير مبطل للصلاة (٤) .
ونوقش الحنفية: بأنهم أجازوا المشي في صلاة الخوف غير الشديد فمع شدة الخوف يجوز من باب أولى (٥) .
ونوقش الشافعية: بأن المشي الكثير عمل أبيح من أجل الخوف، فلم تبطل الصلاة به، كاستدبار القبلة والركوب والإيماء (٦) .
الترجيح
الذي يظهر أن الراجح قول الجمهور، أنه يجوز المشي في صلاة شدة الخوف بقدر الحاجة إذا صلى المجاهدون وهم يدركون صلاتهم ويعون أقوالها وأفعالها.
_________________
(١) المغني (٣/٣١٧) .
(٢) الاختيار للموصلي (١/٨٩) وحاشية ابن عابدين (٣/٧٥) .
(٣) الأم (١/٢٢٢) والأوسط في السنن (٥/٣٨) .
(٤) الاختيار للموصلي (١/٨٩) وحاشية ابن عابدين (٣/٧٥) الأم (١/٢٢٢) والأوسط في السنن (٥/٣٨) . وراجع: باقي أدلتهم ومناقشتها في وقت صلاة الخوف.
(٥) المغني (٣/٣١٧) .
(٦) المرجع السابق نفسه.
[ ١ / ١٨٩ ]
لقوله تعالى (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا) [البقرة: ٢٣٩] فهذا نص على جواز المشي في الصلاة في شدة الخوف، ولأن في صلاة شدة الخوف يغتفر فيها على الإتيان ببعض الأركان كالركوع والسجود إلا بالإيماء للضرورة إلى تركها، فالمشي عند الضرورة أولى أن يغتفر عنه، والله أعلم.